Top
Image Alt

الألفاظ المسموعة النائبة عن ظرف الزمان، والأمور التي خرجت عن تعريف الظرف

  /  الألفاظ المسموعة النائبة عن ظرف الزمان، والأمور التي خرجت عن تعريف الظرف

الألفاظ المسموعة النائبة عن ظرف الزمان، والأمور التي خرجت عن تعريف الظرف

1. الألفاظ المسموعة النائبة عن ظرف الزمان:

قد يكون الظرف اسمًا جاريًا مجرى الزمان أو المكان، فالجاري مجرى أحدهما ألفاظ مسموعة، توسعوا فيها فنصبوها على تضمين معنى “في”، كقولهم: “أحقًّا أنك ذاهبٌ؟”؛ فـ”حقًّا” منصوب على الظرفية متعلق بالاستقرار على أنه خبر مقدم، وأنك ذاهب في تأويل مصدر مرفوع بالابتداء عند سيبويه والجمهور، على حد قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ} [فصلت: 39]، والأصل: “أفي الحق ذهابك؟” فحذفت “في” وانتصب “حقًّا” على الظرفية، وقد نطقوا بذلك الحرف الجار في قوله: “أفي حق مواساتي أخاكم؟”، وقال قيس بن الملوح:

أفي الحق أني مغرم بكِ هائمُ

*وأنك لا خل هواكِ، ولا خمرُ؟

فصرح بـ”في”.

ولما كان قول الموضح: والجاري مجرى أحدهما، شاملا للزمان والمكان، خصصه بقوله: وهي جارية مجرى ظرف الزمان دون ظرف المكان؛ ولهذا يقع خبرًا عن المصادر كما تقدم في: “أحقًّا أنك ذاهب؟” دون الجثث؛ فلا يقال: أحقًّا زيد؟ وهذا تخريج سيبويه والجمهور لنصب “حقًّا” في قولنا: “أحقًّا أنك ذاهبٌ؟”، وهو أنه منصوب على الظرفية؛ لأنه مضمن معنى “في” باطراد، وهو من الألفاظ أو العبارات المسموعة عن العرب.

ومثل “أحقًّا أنك ذاهب؟” في الانتصاب على الظرفية المجازية: “غير شك أنك قائم”، أو “جهد رأيي أنك قائم”، أو “ظنًّا مني أنك قائم”؛ فـ”غير شك” و”جهد رأيي” و”ظنًّا مني” منصوبات على الظرفية الزمانية توسعًا على إسقاط “في”، والأصل: في غير شك، وفي جهد رأيي، وفي ظن مني، على وزان أحقًّا.

2. الأمور التي خرجت عن تعريف الظرف:

خرج عن الحد المذكور في النظم بقوله:

الظرف وقت أو مكان ضمنا

*في باطراد …. ….

ثلاثة أمور:

الأمر الأول: قوله تعالى: {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ} [النساء: 127]؛ لأن {أَن تَنكِحُوهُنَّ} مضمنة معنى “في” باطراد، إذا كانت الرغبة في النكاح، وقد تضمن معنى “عن” إذا كانت الرغبة عن النكاح والبعد عنه، فمع تضمينه معنى “في” لا يصح أن يكون المصدر المؤول منصوبًا على الظرفية، أو في محل نصب على الظرفية؛ لأن تضمين معنى “في” ليس مطردًا، {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ} إذا قدر بـ”في” فإنه يصدق عليه أنه اسم ضمن معنى “في”؛ إذ التقدير: “وترغبون في نكاحهن”، وهذا المصدر لا يصح أن يعرب ظرفًا؛ فإن النكاح ليس بواحد مما ذكرنا من الأنواع الأربعة التي عرضت لها الدلالة على الظرفية، فليس النكاح عددًا، ولا كلية، ولا بعضية، ولا هو مضاف إلى زمان أو مكان محذوفين، ومن ثم لا يصح أن يكون منصوبًا على الظرفية.

الأمر الثاني: قوله تعالى {يَوْمًا} من قوله تعالى: {يَخَافُونَ يَوْمًا} [النور: 37]، فـ{يَوْمًا} من أسماء الزمان، ولكنها ليست منصوبة على الظرفية، ونحو ذلك: {حَيْثُ} من قوله تعالى: {اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124] فهي من أسماء المكان، فـ{يَوْمًا} من أسماء الزمان في قوله تعالى: {يَخَافُونَ يَوْمًا} و{حَيْثُ} من أسماء المكان في قوله تعالى: {اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} ومع ذلك فليسا بظرفين؛ لأنهما ليسا على معنى “في”، إذ ليس المراد أن الخوف واقع في ذلك اليوم، وأن العلم واقع في ذلك المكان، وإنما المراد من الآية أنهم يخافون نفس اليوم، وأن الله تعالى يعلم المكان المستحق لوضع الرسالة، فانتصابهما على المفعول به؛ لأن الفعل واقع عليهما لا فيهما، وناصب لفظ {يَوْمًا}: {يَخَافُونَ}، وناصب محل {حَيْثُ} فعل مضارع منتزع من لفظ أعلم، تقديره: “يعلم حيث يجعل رسالته”، وهذا الفعل أو العامل محذوف لدلالة أعلم عليه، ولا يصح أن يكون العامل {أَعْلَمُ} الذي هو اسم التفضيل؛ لأن اسم التفضيل لا ينصب المفعول به إجماعًا.

هذا؛ وقال الموضح في الحواشي: قال محمد بن مسعود الزكي في كتابه (البديع): غلط من قال: إن اسم التفضيل لا يعمل في المفعول به؛ لورود السماع بذلك، فمن القرآن قوله تعالى: {هُوَ أَهْدَى سَبِيلا} [الإسراء: 84] فـ{سَبِيلا}” ليس تمييزًا؛ لأنه ليس فاعلًا في المعنى كما هو في: “زيد أحسن وجهًا”، ومثاله من الشعر قول الشاعر وهو العباس بن مرداس:

أَكَرُّ وأحمى للحقيقة منهمُ

*وأضْرَب منا بالسيوف القوانسَ

وفي (الارتشاف) لأبي حيان نقلًا عن محمد بن مسعود أيضًا أن أفعل التفضيل ينصب المفعول به؛ مثاله قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ} [النجم: 30].

وهناك ملحوظة أخرى على الآية التي مُثل بها، وهي قوله تعالى: {اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}؛ فإن إعراب {حَيْثُ} مفعولًا به فيه نظر؛ لأن هناك ظروفًا متصرفة وظروفًا غير متصرفة، فالظروف المتصرفة هي التي تترك النصب على الظرفية إلى الفاعلية أو الابتدائية أو المفعولية، و{حَيْثُ} معروف فيها أنها غير متصرفة، وفي (التسهيل) أن تصرف {حَيْثُ} نادر، وفي (شرح المراد على التسهيل) لم تجئ {حَيْثُ} فاعلًا ولا مفعولًا به ولا مبتدأ؛ ولهذا قال الدماميني: ولو قيل: إن المراد يعلم الفضل الذي هو محل الرسالة لم يبعد، وفيه إبقاء {حَيْثُ} على ما عُهد لها من ظرفيتها، والمعنى: إن الله تعالى لن يؤتيكم مثل ما أوتي رسله من الآيات؛ لأنه يعلم ما فيهم من الزكاة والطهارة والفضل والصلاحية للإرسال، ولستم كذلك.

هذا كلام حول الآية، وهو ينقسم إلى نوعين:

النوع الأول: الاعتراض على من قال: إن {حَيْثُ} معمولة لفعل محذوف، ولا يجوز أن يكون اسم التفضيل هو الناصب لمكان حيث، وقد رأينا مما ذكره ابن هشام، وذكره أبو حيان نقلًا عن محمد بن مسعود الغزني أن اسم التفضيل ينصب المفعول به، واستدل على ذلك من القرآن بآيتين؛ الآية الأولى: {هُوَ أَهْدَى سَبِيلا}، والآية الثانية: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام: 117] فـ{سَبِيلا} ليست تمييزًا؛ لأنها ليست محولة عن الفاعل كما في قولهم: “زيد أحسن وجهًا”، فهي مفعول به، و”من يضل” مفعول به لـ{أَعْلَمُ}. هذا ما ذهب إليه محمد بن مسعود الغزني، ونقله عنه أبو حيان، وابن هشام، واستدل من الشعر بقول الشاعر:

أكر وأحمى بالحقيقة منهم

*وأضرب منا بالسيوف القوانسَ

فـ”القوانس” مفعول به لـ”أضرب”، و”أضرب” اسم تفضيل، ويريد الغزني أن يصل من هذا إلى أن {حَيْثُ} في محل نصب مفعول به بـ{أَعْلَمُ}، ولم يعترض على أن تكون {حَيْثُ} مفعولًا به.

النوع الثاني: الاعتراض على أن {حَيْثُ} مفعول به، والسبب أن ابن مالك في (التسهيل) ذكر أن تصرف {حَيْثُ} نادر، ولكن المرادي شرح هذا الكلام وقال: لم تجئ {حَيْثُ} فاعلًا ولا مفعولًا بها ولا مبتدأً، فهذا الكلام ينفي أن تكون {حَيْثُ} مفعولًا به؛ لأنها من الظروف غير المتصرفة، لكن هناك توجيه للآية ذهب إليه الدماميني وهو توجيه معنى وليس توجيه إعراب؛ لأن قوله: ولو قيل: إن المراد: يعلم الفضل الذي هو محل الرسالة لم يبعد، فهذا شرح معنى وليس بإعراب للآية.

الترجيح: لا مانع من أن نذهب إلى ما ذهب إليه محمد بن مسعود الغزني، من أن {حَيْثُ} في محل نصب بـ{أَعْلَمُ}، ولا حاجة بنا إلى تقدير “يعلم”، ونقتنع بالأدلة أو بالأمثلة التي ذكرها دليلا على أن اسم التفضيل ينصب المفعول به.

الأمر الثالث: قولهم: “دخلت الدار” و”سكنت البيت”، فانتصابهما -أي: الدار والبيت- إنما هو على التوسع بإسقاط الخافض، وهو في الأصل: دخلت في الدار، وسكنت في البيت؛ فلما حذف الخافض نصبا على المفعول به توسعًا، كما يحذف الجار وينتصب ما بعده كقول الشاعر:

تمرون الديار ولم تعوجوا

*كلامكم علي إذًا حرام

فانتصاب “الدار” و”البيت” ليس على الظرفية، والسبب في ذلك أنه لا يطرد تعدي سائر الأفعال إلى “الدار” و”البيت” على معنى “في”، فأنت لا تقول: صليت الدار ولا نمت البيت؛ لأن “الدار” و”البيت” من أسماء المكان المختصة؛ لأن لها صورة وحدودًا محصورة، ولا يقبل النصب على الظرفية من أسماء المكان إلا المبهم، أو ما اتحدت مادته ومادة عامله.

error: النص محمي !!