Top
Image Alt

الأمر بالطهارة للصلاة والتذكير بنعمة الله والأمر بالعدل

  /  الأمر بالطهارة للصلاة والتذكير بنعمة الله والأمر بالعدل

الأمر بالطهارة للصلاة والتذكير بنعمة الله والأمر بالعدل

1. نداء المؤمنين وحثهم على سرعة القيام إلى الصلاة:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون * وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور} [المائدة: 6- 7].

الآية الأولى بدأت بنداء أهل الإيمان: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} وهذا النداء فيه حث للمؤمنين بحكم إيمانهم، أن يلتزموا بما يدعوهم إليه ربهم، فهو نداء لاستجاشة كل مشاعر الإيمان في النفس المؤمنة، حتى تستجيب لأمر الله؛ لأن هذه الأحكام لا سلطان لأية قوة من البشر على الإنسان المؤمن لينفذها، إلا أن يكون هذا هو أمر الله عز وجل وهو هذا الإيمان الذي يدفع ويدعو أصحابه إلى أن يلتزموا بهدي الله وشرع الله، لا خوفًا من أحد ولا رغبة فيما عند أحد، إنما يدعوهم لذلك حبهم لمولاهم، وطمعهم في ما عنده من عظيم المثوبة.

{إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} “إِذَا” تعني: أن قيام الإنسان المؤمن إلى أداء صلاته أمر لا شك فيه، بمجرد أن يستمع لنداء الحق يناديه: “حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح” تراه على حال من النشاط، خفيفًا، يبادر مسرعًا؛ ليؤدي صلاته بعد أن يأخذ الوسائل التي شرعها الله له: من الطهارة، وإعداد المكان الطاهر، حتى يستطيع أن يؤدي هذه الصلاة.

2. ما بينته الآية من فرائض الوضوء والغسل والتيمم:

{فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} إذا أردتم القيام إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق.

الوجه: هو هذا الذي يواجه به الإنسان الناس، وحدّه من منابت الشعر إلى أسفل الفك، وعرضًا ما بين شحمتي الأذن، وهذا في الإنسان المعتدل، فلا يدخل في حد الوجه ما هناك من صلع، وكذلك الذي له شعر كثيف يغطي جزءًا من جبهته، لا بد أن يلاحظ هذا.

ثم يثني بغسل يديه إلى المرفقين، ثم يمسح برأسه، ثم يغسل الرجلين إلى الكعبين. هذا هو الوضوء، وفيه بعض الأحكام التي لا بد أن نتوقف عندها.

فإن قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} كأن الظاهر أن هذا الوضوء يجب لكل صلاةٍ للمحدِث وغير المحدث، فماذا يمكن أن يفسر فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في أنه: ((صلى يوم الفتح الصلوات الخمس بوضوء واحد، ولما قال له عمر بن الخطاب: يا رسول الله، صنعت شيئًا لم تكن تصنعه؟ فقال له صلى الله عليه وسلم: عمدًا فعلتُه يا عمر))، فهو صلى الله عليه وسلم أراد أن يبين للأمة بأن هذا جائز، وأنه لا يلزم الوضوء لكل صلاة ما دام لم ينتقض الوضوء بحدَث، فإذن هذا هو المعنى، ويكون ما ورد من أنه صلى الله عليه وسلم وأن خلفاءه رضي الله عنهم كانوا يتوضئون لكل صلاة، فليس هذا بطريق الوجوب وإنما هذا للاستحباب، فيستحب للمؤمن أن يجدد وضوءه.

ويستحب للمتوضئ أن يخلل لحيته إذا كانت كثيفة، روى الإمام أحمد بسنده، عن شقيق قال: ((رأيت عثمان توضأ، وخلل اللحية ثلاثًا حين غسل وجهه، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل الذي رأيتموني فعلت)).

وروي أيضًا أنه: ((كان صلى الله عليه وسلم إذا توضأ تمضمض، واستنشق))، وهنا السؤال: هل المضمضة والاستنشاق واجبان في الوضوء والغسل، كما هو مذهب الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- أو مستحبان فيهما كما هو مذهب الشافعي ومالك؛ لما ثبت في الحديث الذي رواه أهل السنن، وصححه ابن خزيمة، عن رفاعة بن رافع الزُّرقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسيء صلاته: ((توضأ كما أمرك الله))، أو أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الغسل دون الوضوء كما هو مذهب أبي حنيفة، أو يجب الاستنشاق دون المضمضة كما هو رواية عن الإمام أحمد؛ لما ثبت في (الصحيحين) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من توضأ فليستنشق))، وفي رواية: ((إذا توضأ أحدكم فليجعل في منخريه من الماء ثم لينتثر))، والانتثار: هو المبالغة في الاستنشاق.

والراجح أن المضمضة والاستنشاق من سنن الوضوء.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ}، فإذن ثبت من هذا الركن الأول: وهو النية، والركن الثاني: وهو غسل الوجه.

الركن الثالث: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} أي: مع المرافق، يستحب للمتوضئ أن يشرع في العضُد فيغسله مع ذراعيه؛ لما روى البخاري ومسلم عن رسول اللهصلى الله عليه وسلم: ((إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًّا محجلين من آثار الوضوء؛ فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل)) وعن أبي هريرة قال: سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول: ((تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء)).

الركن الرابع: {وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ}، مسح الرأس: إمرار اليد بعد أن تبلّ بالماء على الرأس، وقد حدث خلاف في قوله: {وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ} ماذا يمسح من رأسه؟ هل يمسح الرأس كلها، أم يمسح بعضها؟ وهذا البعض هل هو الربع، أم ما يطلق عليه أنه الرأس، بمعنى أنه يكفيه أن يمسح شعيرات من رأسه؟

أساس هذا الخلاف هو ما فُهم من الباء في قوله: {وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ} فمن قال بأنها زائدة، أوجب مسح الرأس بكاملها، ومن قال: بأنها للتبعيض، قال: بأن البعض هو الربع؛ لما ثبت من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ومن قال بالتبعيض، قال: بأنه يكفي بأن يمسح بعض رأسه ولو شعيرات منها، وهذه مرجعها إلى ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد ثبت في (الصحيحين) من طريق مالك، عن عمرو بن يحيى، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بوَضوء فأفرغ علي يديه، فغسل يديه مرتين مرتين، ثم مضمض واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه))، وفي حديث عبد خير عن علي في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو هذا.

وقد ذهب أبو حنيفة إلى وجوب مسح ربع الرأس، وهو مقدار الناصية، ودليله على ذلك: أن الباء للتبعيض وليست زائدة، والمعنى: امسحوا بعض رءوسكم، وقدره الحنفية بربع الرأس؛ لما روي عن المغيرة بن شعبة: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فنزل لحاجته، ثم جاء فتوضأ ومسح على ناصيته))، وفي الحديث أيضًا عن حمران بن أبان قال: ((رأيت عثمان بن عفان توضأ، فأفرغ على يديه ثلاثًا فغسلهما، ثم تمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه اليمنى إلى المرافق ثلاثًا، ثم غسل اليسرى مثل ذلك، ثم مسح برأسه، ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثًا، ثم اليسرى ثلاثًا مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال: من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه)).

والحديث في الحقيقية دليل لمن قال بوجوب مسح الرأس بأكملها. ومما يدل على ذلك ما ورد عن عثمان أيضًا في صفة الوضوء: ((ومسح برأسه مرة واحدة))، وهذا المسح للرأس هل يكون ثلاثًا أم مرة واحدة؟ الحديث الذي سبق يدل على أنه مرة واحدة، ولكن عثمان أيضًا ورد عنه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثًا ثلاثًا))، وفي حديث حمران الذي كنا نذكره قال: رأيت عثمان بن عفان توضأ، فذكر نحوه، ولم يذكر المضمضة والاستنشاق، قال فيه: ((ثم مسح رأسه ثلاثًا، ثم غسل رجليه ثلاثًا، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ هكذا، وقال: من توضأ هكذا كفاه)) أي: من توضأ وضوءًا كاملًا يغنيه عن أن يتوضأ مرة أخرى.

الركن الخامس: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ}، وقد جاء هكذا منصوبًا: {وَأَرْجُلَكُمْ} عطفًا على المغسول: فاغسلوا وجوهكم، وأيديكم إلى المرافق، وأرجلكم إلى الكعبين، وامسحوا برءوسكم، لكنه جاء بالمسح قبل الأرجل؛ ليدل على وجوب الترتيب كما قال بذلك بعض الأئمة، فلا يجوز له أن يخالف هذا الترتيب المذكور.

و{الْكَعْبَينِ} في الآية المراد بهم هما هذان العظمان الناتئان في أعلى القدم، أما مؤخرة الرجل فتسمى بالعقب.

وهناك قراءة بجر {وَأَرْجُلَكُمْ} فتقرأ هكذا: “وَأَرْجُلِكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ”، وهذه القراءة تثبت بأن الأرجل داخلة في الممسوح لا في المغسول، أي: وامسحوا بأرجلكم إلى الكعبين.

يقول الإمام ابن كثير -عليه رحمة الله-: احتج الشيعة –أي: بهذه القراءة- في قولهم بوجوب مسح الرجلين؛ لأنها عندهم معطوفة على مسح الرأس. وقد روي عن طائفة من السلف: ما يوهم القول بالمسح، وهذه الآثار المروية عن السلف رواها ابن جرير…

يعلق على ذلك ابن كثير فيقول: هذه آثار غريبة جدًّا وهي محمولة على أن المراد بالمسح هو الغسل الخفيف؛ لما سنذكره من السنة الثابتة في وجوب غسل الرجلين، وإنما جاءت هذه القراءة بالخفض: إما على المجاورة وتناسب الكلام، كما في قول العرب: “جحرُ ضبٍّ خربٍ”، وكقوله تعالى: {عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ} [الإنسان: 21]، وهذا ذائع في لغة العرب شائع، ومنهم من قال: هي محمولة على مسح القدمين إذا كان عليهما الخفان.

قال أبو عبد الله الشافعي -رحمه الله-: ومنهم من قال: هي دالة على مسح الرجلين، لكن المراد بذلك الغسل الخفيف كما وردت به السنة. وعلى كل تقدير فالواجب غسل الرجلين فرضًا، لا بد منه؛ للآية والأحاديث التي سنوردها.

ويسوق ابن كثير جملة من الأحاديث تبين أن المراد بقوله: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} إنما هو غسلهما لا أن يمسح عليهما، وهذه مسألة رآها أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم المرة تلو المرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان يعلِّم أصحابه ذلك، وفي الحديث: ((أسبغوا الوضوء؛ ويل للأعقاب من النار)) والعقب هو مؤخرة القدم، فالرسول صلى الله عليه وسلم أمر بإسباغ الوضوء؛ أن يتوضأ وضوءًا كافيًا سابغًا، وليلتفت إلى الأعقاب؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم رهب وخوَّف من عدم وصول الماء إلى هذه الأعقاب، فإذن الكعبان مما يغسل.

بعد أن انتهى من الوضوء ينتقل إلى الغسل: فيقول: {وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ} أي: إذا حدثت الجنابة، نتيجة إنزال المني، أو التقاء الختانين، أو كان هناك حيض أو نفاس بالنسبة للمرأة، فلا يجوز لك أن تقف بين يدي الله إلا إذا تطهرت؛ أي: اغتسلت. والغسل لم يذكره ربنا في هذا المقام، وقد جاءت السنة توضح ذلك تمام الإيضاح؛ فقد كانت الآيات تنزل مجملة ويترك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبينها بوحي من الله عز وجل.

فجاء قوله: {وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ} ليبين لنا أنه لا يجوز الاقتراب من الصلاة إلا بعد الاغتسال، والذي عبر عنه بالتطهر: {فَاطَّهَّرُواْ} فالمسألة هنا ليست مجرد إمرار الماء على الجسد، إنما المراد أن يتطهر الإنسان من عيوبه وذنوبه وما يبعده عن ربه؛ ليجمع بين الطهارة الحسية، والطهارة القلبية.

بعد أن تحدث لنا ربنا عن الوضوء والغسل ذكر لنا أمرًا ثالثًا وهو التيمم، والأسباب التي تبيح التيمم، فقال: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ}، فذكر لنا الأسباب التي تبيح التيمم، وأولها: المرض، والمرض أنواع:

الأول: مرض يؤدي استعمال الماء فيه إلى التلف في النفس أو العضو، بغلبة الظن أو بإخبار الطبيب المسلم الحاذق، في هذه الحالة يجوز التيمم باتفاق.

الثاني: وقد يكون استعمال الماء يؤدي إلى زيادة العلة أو بطء المرض، ولا يؤدي إلى التلف في النفس أو العضو، وفي هذه الحالة يجوز التيمم عند المالكية والحنفية، وهو أصح قولي الشافعي؛ لحديث الجماعة الذين خرجوا في السفر فأصاب أحدَهم حجرٌ في رأسه فشجّه، ثم احتلم فخاف من زيادة العلة.

الثالث: ما لا يخاف معه تلف ولا بطء ولا زيادة في العلة، وفي هذه الحالة لا يجوز التيمم عند الحنفية والشافعية؛ لأنه لم يخرج عن كونه قادرًا على استعمال الماء، فلا يرخص له في التيمم، وعند المالكية يجوز له التيمم؛ لإطلاق النص في قوله تعالى: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى}.

الرابع: أن يكون المرض حاصلًا لبعض الأعضاء، فإن كان الأكثر صحيحًا وجب غسل الصحيح ومسح الجريح، ولا يجوز التيمم، وإن كان الأكثر جريحًا، يجوز التيمم عند الحنفية. ومذهب الشافعية: أنه يغسل الصحيح ثم يتيمم مطلقًا. وعند المالكية يجوز له التيمم مطلقًا؛ فمن هذا يتبين لنا أن المريض يُرخص له في التيمم ولو كان الماء موجودًا، بخلاف المسافر؛ فإن الرخصة له مقيدة بعدم الماء.

أيضًا هذا السفر {أَوْ عَلَى سَفَرٍ} وليس كل مسافر يجوز له التيمم، إنما المسافر الذي لم يجد ماءً يتوضأ به، وإن كان معه ماء يشرب منه فليترك هذا الماء لا يتوضأ به، وإنما يتيمم، ويعتبر بذلك أنه فاقد للماء.

والسؤال: هل يجب في التيمم مسح اليدين إلى المرفقين كما هو الشأن بالنسبة للوضوء؟

قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا}، الصعيد الطيب: هو التراب الطاهر على الرأي المختار، يمسح بهذا الصعيد وجهه، ويديه إلى المرفقين، كما قال بذلك الحنفية، وهو أرجح القولين عند الشافعية، وإلى الرسغين عند المالكية والحنابلة، فما دليل كل رأي من هذه الآراء؟

حجة الأحناف والشافعية: أن الأيدي في قوله تعالى: {فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ} تشمل العضو كله، إلا أن التيمم لما كان بدلًا عن الوضوء، والبدل لا يخالف الأصل إلا بدليل، فقد وجب الغسل إلى المرافق في الوضوء، فيجب أن يكون المسح إلى المرافق في التيمم، واستدلوا بحديث جابر بن عبد الله قال: ((التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة للذراعين إلى المرفقين))، أما المالكية والحنابلة فقالوا: بأن اليد تطلق على الكتف؛ بدليل قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} وقطع اليد إنما يكون إلى الرسغ باتفاق، فيجزئ في التيمم ذلك.

3. رفع الحرج من نعم الله:

يقول ربنا: {مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ} أي: شرع لكم ما شرع نفيًا للحرج عنكم؛ فإن دين الله يسر، وقد جاء بهذه الرّخص العظيمة، فنعم ما جاء به دين الله.

{وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ} طهارة حسية، وطهارة معنوية، وكم في هذه الطهارة من النعم العظيمة التي أنعمها الله على أهل الإيمان؛ ولذلك عطف على ذلك قوله: {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} وليتم نعمته عليكم بإكمال دينه، وما فيه من التيسير ورفع الحرج، وهذه النعم التي أنعمها الله على أهل الإيمان، وما أراد لهم من طهارة الظاهر، وطهارة الباطن، كل ذلك يستحق شكر الله عز وجل ولهذا قال: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون} فعلى أهل الإيمان أن يشكروا نعمة الله عليهم؛ إذ طهرهم هذه الطهارة الحسية بعد الطهارة المعنوية بالإيمان، وما يتبعه من جهاد لأعداء الله وأعداء رسوله، فهذا هو دين الله تراه واضحًا في هذه الآية الكريمة.

وهذا الاستمرار في شكر الله عز وجل أمره سهل، وأمره ميسور، ولعل هذا هو ما تلمحه في استعمال كلمة: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون} فإن “لعل” حرف ترجٍّ، يفيد أن الأمر الذي بعده أمر يمكن أن يتحقق، وهذا ليس بأمر صعب على أهل الإيمان إذا ما انبعثوا من إيمانهم شاكرين لله عز وجل ما أنعم عليهم من نعمة هذا الدين.

4. سبب نزول الآية، والأحاديث التي تحث على إسباغ الوضوء:

ويبقى لنا في هذه الآيات الكريمة أن نشير إلى ما رواه الإمام البخاري -رحمه الله- في سبب نزول هذه الآية، وقد سبق الحديث عن آية التيمم، والحديث عن التيمم في سورة النساء، لكنه ذكر هنا حديثًا عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ((سقطت قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون بالمدينة، فأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل، فثنى رأسه في حجري راقدًا، فأقبل أبو بكر فلكزني لكزة شديدة، وقال: حبست الناس في قلادة، فتمنيت الموت لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مني، وقد أوجعني، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ، وحضرت الصبح فالتمس الماء فلم يوجد فنزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} إلى آخر الآية، وفيها التيمم، فقال أُسيد بن الحضير: لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر، ما أنتم إلا بركة لهم)).

وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه، خرج من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه، خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقيًّا من الذنوب))، رواه مسلم.

5. التذكير بنعمة الله، والأمر بالعدل:

يقول الله -تعالى: {وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور} [المائدة: 7] {وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ} بما أنعم عليكم من جلائل نعمه؛ ومنها: نعمة الإسلام، والإيمان، والتشريعات العظيمة، وإرسال محمد صلى الله عليه وسلم وميثاقه الذي واثقكم به، هذا الميثاق الذي واثق به أهل الإيمان، هو العهد الذي كان يأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم على من يدخل هذا الدين، فمن يدخل هذا الدين يبايعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة يذكر له في هذه البيعة ما يناسبه من الأمور التي تلزمه أن يقوم بها، وعليه أن يوفي بهذا العهد وأن يقوم به وفاءً لعهد الله، ولهذه النعمة العظيمة التي أنعم الله عليه بها.

ويمكن أن تكون هذه هي بيعة العقبة الأولى، أو هي بيعة العقبة الثانية، أو هي بيعة الرضوان، أو هي كل بيعةٍ بايعها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه جماعة أو فرادًا، فهذا كله من العهد الموثق المتين، وبالتالي فهذا في أهل الإسلام، وهذا الأمر لأهل الإيمان: اذكروا أيها المؤمنون نعمة الله عليكم، والميثاق الذي أخذه عليكم، أن تكونوا أنصارًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأن تلتزموا هديه ودينه.

يقول الله تعالى في سورة الحديد: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين} [الحديد: 8] أو أن هذا العهد والميثاق هو  هذا العهد الذي أخذه الله على بني آدم في الأزل؛ حيث كان ما كان من خلق آدم عليه السلام واستخراج أبناء آدم من صلبه، وأخذ العهد والميثاق عليهم: أن يعبدوه وحده لا شريك له.

وقيل أيضًا: بأن هذا الأمر لليهود؛ فالله عز وجل يقول لهم: اذكروا أيها اليهود المعاصرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أنعم الله به عليكم؛ إذ فضلكم على العالمين، ومنّ عليكم بأعظم مننه، وأعطاكم ما لم يعط أحدًا، وأخذ عليكم المواثيق والعهود، أنه إذا جاءكم هذا النبي المبارك محمد صلى الله عليه وسلم أن تؤمنوا به، وأن تنصروه، وألا تخذلوه، وهو ما جاء في قول الله تعالى: {يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157].

ولكن يبدو أن هذا الأمر إنما هو لمن توجه إليهم النداء أولًا في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} أي: يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم، فإن هذا الذكر مما يدعو الإنسان إلى التزام شرع الله وهديه.

وهذه العبارة: {إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} تبين ما كان عليه أهل الإيمان حين أخذ عليهم هذا الميثاق الموثّق، وهذا العهد المؤكد؛ كانت لحظة صفاء نفس، وانفعال قلب، وتأجج مشاعر، حين كانوا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ عليهم ما يأخذ من عهود ومن مواثيق، تراهم على حال من الرضا، يستمعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في إنصات، ويعلنون طاعتهم وإصرارهم على تنفيذ ما عاهدهم عليه؛ ولذلك لو نظرت في أي موقف من مواقف هذه المبايعات لوجدت هذا الإحساس الغامر؛ انظر إليهم وهم يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة، وكيف كان حال هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم تأملهم وهم تحت الشجرة يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت، وقد أعلنها الله عز وجل قرآنًا يتلى على مرّ الزمان والأيام؛ إذ يقول: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18].

ثم يأمر الله عز وجل بالتقوى فيقول: {وَاتَّقُواْ اللّهَ} اتقوا الله في كل ما تأخذون وما تدعون، التقوى والأمر بها في هذا تقوى في كل أمر صغير أو كبير، أو جليل أو حقير، ومن جملة ذلك -بل في مقدمته – تقوى الله عز وجل فيما أخذ عليهم من المواثيق والعهود، أن يقوموا بما عاهدوا عليه، وألا يفرّطوا في شيء من ذلك أبدًا؛ وترغيبًا لهم، وترهيبًا من أن تهجم عليهم الدنيا بشهواتها وبغرورها وبملذاتها.

يقول ختامًا للآية: {إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور} جاء بلفظ الجلالة وكان مقتضى السياق: “واتقوا الله إنه عليم بذات الصدور” لكنه أظهر في موضع الإضمار؛ تربية للمهابة في القلوب؛ وللدلالة على أن الذي يأمر به أمر عظيم، يجب أن يلحظ فيه هؤلاء المؤمنون رب العزة والجلال، ويخبر عن الله في هذا المقام بأنه “عليم” وهي من صيغ المبالغة، وعلم الله -كما هو واضح- علم محيط بما كان وما يكون وما هو كائن، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.

6. بيان كيفية معاملة المسلمين لغيرهم:

يقول تعالى: ر [المائدة: 8].

ينادي الله عز وجل عباده المؤمنين؛ استجاشة لمشاعر الإيمان؛ وحثًّا لهم على ما يتطلبه هذا الإيمان من استجابة لله رب العالمين، فبماذا يأمرهم بعد أن ناداهم في هذه الآية الكريمة، يقول لهم: {كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ} القوَّام هو كثير القيام، ومعنى: {قَوَّامِينَ لِلّهِ} أي: قوّامين على حراسة الحق وتحقيقه؛ إخلاصًا لله وطلبًا لمثوبته، وهي كلمة جامعة عظيمة؛ فهذا القوّام يعني: المستعد دائمًا الحريص دائمًا، ولا يعني أنه قائم بمعنى القيام من قعود، وإنما هذا معناه الحرص التام الدائم الذي يدعو أهل الإيمان أن يكونوا حرّاسًا للحق، وهذا هي ميزة هذه الأمة: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} [آل عمران: 110].

أهل الإسلام وأهل الإيمان هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم وإلى قيام الساعة، الذين يقفون حرّاسًا لعقيدة الإيمان، يرفعون لواء التوحيد، يقيمون شرع الله ودين الله في كل مكان من أرض الله، لا يخافون في الحق لومة لائم، وقد قال تعالى لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيم} [المائدة: 54].

الأمر الثاني الذي طولب به أهل الإيمان هو قوله: {شُهَدَاء بِالْقِسْطِ}:

{شُهَدَاء بِالْقِسْطِ} أي: يشهدون للآخرين أو على الآخرين وفق شريعة الله؛ طلبًا للحق الذي أراده الله.

وقبل أن نقف عند قوله: {شُهَدَاء بِالْقِسْطِ} يطيب لي أن أشير إلى أن قول الله تعالى: {كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ} كما أنها تطالب بأن يكونوا أهلَ الإيمان حرّاسًا للحق؛ تحقيقًا له في دنيا الناس، فإنهم أيضًا عليهم أن يكونوا قوامين لله في ذات أنفسهم، بأن يجعلوها قائمة ملتزمة بهدي الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم ولا يمكن لأهل الإيمان أن يكونوا حراسًا قائمين لله ومن أجله، تنفيذًا وتحقيقًا لدينه في أرض الله، وهم في ذات أنفسهم قد انفلتوا من هذا الأمر ولم يلتزموا به، ومن المعلوم أن فاقد الشيء لا يعطيه؛ ولهذا جاء قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُون * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُون} [الصف: 2، 3].

وفي حديث الرجل الذي يجتمع عليه أهل النار، وقد اندلقت وخرجت أمعاؤه، وهو يدور في النار كما يدور الحمار في رحاه، يسألونه: يا فلان، ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه.

فلا بد إذن أن يكون الإنسان المؤمن قائمًا على شرع الله وهدي الله على نفسه أولًا، يلزمها بطاعة الله، ويجعلها متأدبة بآداب هذا الدين، وأن يكون صورة صادقة لمَا جاء به كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما انتشر هذا الإسلام في أرض الله إلا بهؤلاء الذين كانوا قوّامين لله في ذات أنفسهم أولًا، وما عرفت الدنيا هذا الإسلام إلا عن طريق هؤلاء الأطهار الأبرار الأخيار، الذين كانوا يفيضون برًّا، وعدلًا، وإحسانًا، ونورًا، وطاعة، وإخلاصًا، وحبًّا لله رب العالمين، ومن منطلق هذا الحب نشروا هذا الإسلام في كل مكان من أرض الله.

ولَكَمْ نحن بحاجة، لا أقول: إلى مجموعة تقوم بهذا الأمر، ولكننا في الحقيقة في حاجة، إلى أن تتحول هذه الأمة، التي أعلنت إيمانها وميثاقها الذي أخذه الله عليها، وقالت فيه: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} أن تتحول هذه الأمة، إلى أمة تلتزم في كل ما تأخذ وما تدع بما جاء به هذا الدين، وهذه في حد ذاتها من أعظم الوسائل لحمل هذه الرسالة لدنيا عز عليها أن تعيش في هذا الظلام الدامس، الذي أحاط بها في كل مكان.

بعد هذا التوجيه القرآني العظيم: {كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ} يأتي قوله: {شُهَدَاء بِالْقِسْطِ} أي: كونوا أيضًا: {شُهَدَاء بِالْقِسْطِ} أي: بالعدل لا بالجور، وبهذا العدل قامت السماوات والأرض، وبدون هذا العدل لا تقوم حياة سوية، إنما كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((الظلم ظلمات يوم القيامة)).

وهذا العدل الذي يطالب به الإسلام هو عدل دقيق للغاية، تلمحه في كلمة: {شُهَدَاء بِالْقِسْطِ} أي: أن الإنسان المؤمن يزن الأمور بميزان دقيق، لا يميل على الإطلاق مع الهوى قيد أنملة؛ لأنه إن مال لقرابة، أو لأبوة، أو لصداقة، أو لمودة، أو لرئاسة، أو لمطلب ومطمع، في هذا الذي تشهد له أو تشهد عليه، انحرفت القافلة عن الطريق وضلت، وأدى هذا إلى ضياع الحقوق.

وكم يؤدي ضياع الحقوق إلى ما لا تحمد عقباه من التحاسد والتباغض، وما إلى ذلك مما يؤدي إلى إراقة الدماء، ونشر الفوضى بين الناس، وعدم انتظام مسيرة هذه الحياة؛ لذلك تأتي كلمة: {بِالْقِسْطِ} لتضع المسألة في نطاقها الصحيح، وأن هذه الشهادة التي نشهدها هي شهادة دقيقة لا تميل على الإطلاق مع الهوى، ومهما كان المشهود له، حتى لو كان ظالمًا، ولو كان على غير دين الإسلام؛ ولهذا جاء قوله تعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}. {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ} أي: لا يحملنكم، {شَنَآنُ قَوْمٍ} أي: بغضهم، {عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ} فيهم، وإنما عليكم أن تعدلوا حتى لو كان هذا المشهود عليه ممن تكرهونه وممن تبغضونه، وقد رأينا في قول الله تعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ} [المائدة: 2]، فمع أن هؤلاء قد صدوا أهل الإسلام في عام الحديبية عن المسجد الحرام، وعقدوا عزمهم على ذلك، ورجع المسلمون وقد حُرِموا من أداء نسكهم، مع أن المسجد الحرام كان مباحًا لكل مشركي الجزيرة العربية، ولكن أهل الإسلام وأتباع محمد صلى الله عليه وسلم لم يؤذن لهم بدخول مكة وبالطواف حول البيت الحرام، وعادوا إلى المدينة دون أن يؤدوا هذا النسك، وكان هذا أمرًا مؤلمًا لقلوبهم ولشعورهم، فلما طلبوا من رسول اللهصلى الله عليه وسلم أن يعاملوا المشركين الذين يمرون بهم كما عاملهم مشركو مكة، جاء الوحي يضع الأمر في نصابه ويقول: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ} وهنا أيضًا: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ} فهو يأمر بالعدل مؤكَدًا كل التأكيد، وهذا العدل أقرب للتقوى، {وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون}.

error: النص محمي !!