Top
Image Alt

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

  /  الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

أولًا: ورود كلمة المعروف في القرآن الكريم, وما تدل عليه.

ثانيًا: ورود كلمة المنكر في القرآن الكريم, وما يقصد بها.

ثالثًا: ما ورد في السنة وأقوال السلف, في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

رابعًا: بواعث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

خامسًا: من له الحق في أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

سادسًا: أثر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في إصلاح المجتمعات.

وقد وردت مادة العين والراء والفاء عدة مرات في كتاب الله، كما وردت مادة النون والكاف والراء عدة مرات كذلك، وهي غالبًا تأتي مقترنة بالمعروف، وأحيانًا تنفرد كلٌّ منهما فتذكر وحدها، والذي يعنينا منها ما له صلة بموضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالنظر في كتاب الله نجد أنها قد وردت بهذا المعنى في سورة “آل عمران”، في ثلاثة مواضع؛ الموضع الأول في سياق الحديث عن واجب الأمة المسلمة تجاه مجتمعها، بل والمجتمع البشري, في قول الله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون} [آل عمران: 104].

فهذا أمر من الله لأمة الإسلام أن تكون بكامل أفرادها قائمة على قدم وساق، لا يغفلون ولا يتهاونون ولا يتوانون في الدعوة إلى الخير, وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما دلّ على ذلك استعمال الفعل المضارع في قوله: {يَدْعُونَ} و{وَيَأْمُرُونَ} و{وَيَنْهَوْنَ}. وقد حكم الله بأنّ الفلاح مختص بهذه الأمة وحدها إن هي فعلت ذلك، كما يفهم من أسلوب القصر في قوله: {وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون}, وإنها قد بلغت الغاية التي لا تُدرك، كما يرشد إليه استعمال اسم الإشارة البعيد في قوله: {وَأُوْلَـئِكَ}. ويجوز أن تكون “من” في قوله: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ} للتبعيض، وهذا يعني أن يكون في الأمة أناسٌ هم أعمدة الأمة والحراس لدين الله، يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولو خلت الأمة من هؤلاء لانفرط عقدها، وانتشر الفساد في أرجائها، وكانت عرضة للزوال؛ ولذلك قال الضحاك في هذه الفرقة: “هم خاصة الصحابة, وخاصة الرواة” يعني: المجاهدين والعلماء، وهذا لا يتعارض مع أن تكون أمة الإسلام بأكملها قائمة على شريعة الله, حامية لحوزة الدين، وليقم كل واحد بدوره حسب موقعه وظروفه.

ومما يؤيد ذلك ما جاء في الموضع الثاني في السورة -سورة آل عمران- من بيان سبب خيرية الأمة الإسلامية، كما قال تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} [آل عمران: 110]؛ يقول ابن كثير بعد أن ذكر بعض الأحاديث والأقوال: “والصحيح: أنّ هذه الآية عامّة في جميع الأمة؛ كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذي بعث فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم”.

والموضع الثالث في سورة “آل عمران” جاء في ذكر صفة فئة من أهل الكتاب، عرفوا الحق فاتبعوه؛ كعبد الله بن سلام وغيره ممّن أسلموا من أهل الكتاب؛ قال تعالى: {لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُون * يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـئِكَ مِنَ الصَّالِحِين} [آل عمران: 113، 114]، فذكر من صفاتهم التي تميزوا بها وكانوا بها من الصالحين؛ أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.

وفي سورة “النساء” في قوله تعالى: {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء: 114] ترى أنّ الله حصر خير الكلام في ثلاثة؛ في الأمر بصدقة، أو معروف، أو إصلاح بين الناس، ومع أنّ الأمر بالصدقة أمرٌ بالمعروف، والأمر بالإصلاح بين الناس أمر بالمعروف، إلّا أن الأمر بالمعروف أعمّ وأشمل، فقد ذكر أمرًا خاصًّا ثم عامًّا ثم خاصًّا؛ ليكون هذا الأمر العام -وهو المعروف- واسطة العقد, إظهارًا لمنزلته وأهميته.

وفي سورة “المائدة” في بيان ما كان من أمر بني إسرائيل، يقول تعالى: {كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُون} [المائدة: 79]، وقد ذكر الله ذلك؛ ليبين: لماذا استحق بنو إسرائيل اللعنة على لسان داود وعيسى ابن مريم، كما قال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُون} [المائدة: 78]؟ ثم قال: {كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ} [المائدة: 79], ومعنى {كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ} أي: لا ينهى بعضهم بعضًا عن المنكر الذي يشيع بينهم، وهذا يعني: أنّ أي إنسان لا يسلم من النقص، ولا يخلو من الوقوع في الخطأ، فكل بني آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوّابون.

وإذا كان المجتمع نابضًا بوحي الله، مشرقًا بنور ما أنزل الله؛ لم يقبل أن يرى أحد أفراده غارقًا في بحار المعاصي، ملوثًا بالخطيئة، فينبري كل واحد يأخذ بيد أخيه يدلّه على الطريق الصحيح، فإن لم يحدث هذا واستمرأ الناس المعاصي، وسكت الآخرون فلم ينكروا المنكر، وإنما كما سنرى في الحديث: ((آكلوهم وشاربوهم)), وكأنّ هؤلاء العصاة لم يرتكبوا منكرًا يستحق الإنكار؛ إن حدث هذا غرق الجميع وضاع الجميع، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وفي سورة “الأعراف” نرى ذلك في بيان صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن أهل الكتاب يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، كما قال ربنا: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157].

وفي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يأخذ العفو، ويأمر بالعرف -أي المعروف- وأن يعرض عن الجاهلين، قال تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين} [الأعراف: 199].

وفي سورة “التوبة” في ذكر صفات المنافقين والمنافقات، قال تعالى: {يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} [التوبة: 67].

وفي بيان صفات المؤمنين والمؤمنات، قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيم} [التوبة: 71].

وقد جعلها صفة من صفات المؤمنين، الذين باعوا أنفسهم وأموالهم لله وجاهدوا في سبيله، فكانت لهم البشرى من الله بالنعيم المقيم في جنات النعيم، قال تعالى: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِين}      [التوبة: 112].

وفي سورة “النحل” يقول تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون} [النحل: 90].

وفي سورة “الحج” في ذكر عمل المؤمنين إن نصرهم الله ومكّن لهم في أرضه، قال تعالى: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُور} [الحج: 41].

وفي سورة “النور” يحذّر الله من اتباع خطوات الشيطان؛ لأنه كما قال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ} [النور: 21].

وفي سورة “العنكبوت” في موضعين؛ في ذكر ما كان من فعل قوم لوط عليه السلام يقول ربنا على لسان لوط: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ} [العنكبوت: 29], وفي بيان أثر الصلاة في السلوك: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون} [العنكبوت: 45].

وفي سورة “لقمان” في قوله, في وصايا لقمان لابنه: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور} [لقمان: 17].

وفي سورة “المجادلة” في بيان أن من يقول لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي؛ يقول منكرًا من القول وزورًا، كما ذكر ربنا ذلك فقال: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُور} [المجادلة: 2].

وفي سورة “الممتحنة” فيما بايع عليه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم النساءُ، قال عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيم} [الممتحنة: 12].

هذه هي الآيات التي وردت فيها كلمة المعروف, وكلمة المنكر في كتاب الله، ومن سياق الآيات نستطيع أن نفهم المعنى المقصود بكلٍّ منهما؛ فليس المعروف أو المنكر ما تواضعت عليه المجتمعات ورضيه الناس طريقًا لحياتهم، فكثيرًا ما يختار الناس ما فيه ضرر بهم، فقد يرى بعضهم أنّ الخمر لذة للشاربين، فيشربها ويستمتع بها، وينكر على من لا يحضر مجلسها، ويشارك الآخرين في شربها مع أنها أم الخبائث، وقد قدر بعض الأمم أنّ الزنا لا حرمة فيه؛ لأنه متعة مشتركة بين الرجل والمرأة، وأمر يرجع إلى حرية الفرد في اختياره، وإنما يمنع ويعاقب المجتمع على ذلك إذا ما كان هذا الأمر على فراش الزوجية، أو كان عن طريق الإجبار والإكراه، والحرمة هنا لا لذات الزنا، وإنما للاعتداء على حرية الفرد.

وهكذا لو تتبعنا عادات الشعوب والأمم، وما وضعته من قوانين تحكم حياتها، لوجدنا أمورًا لا يصدقها عقل راجح وفكر صائب، ولا يرتضيها دين؛ ولذلك لا بُدّ من أن تكون المرجعية أولًا لما ورد في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في تحديد ما يُفعَل وما لا يفعل، فما يفعل قد يكون واجبًا أو مندوبًا أو مباحًا، وما لا يفعل قد يكون نهي تحريم أو نهي تنزيه، وهكذا. وما يأتي به دين الله في التحريم والتحليل، وما يذكره من أنّ هذا مِن المعروف وهذا من المنكر، لا يتعارض مع ما ترتضيه العقول السليمة والفطر المستقيمة، ولعلكم لا ترضون معي ما ذكره الراغب في مفرداته وذكره غيره، من أن المعروف اسم لكل فعل يعرَف بالعقل أو الشرع حسنه، وأن المنكر ما ينكر بهما؛ لأنّ الشرع هو الأصل والعقل تابعٌ له، والعقل لا ينفرد بالحكم على الفعل بالحسن أو القبح؛ لأنه لا يستطيع ذلك، إنما يهديه ويرشده نور الوحي الإلهي.

ومن نور الوحي الإلهي ما جاء في السنة المطهرة، من ترغيب وحثٍّ على القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد وردت جملة من الأحاديث في ذكر ذلك، فلنذكر بعضها:

روى الإمام البخاري بسنده، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إياكم والجلوس على الطرقات، فقالوا: ما لنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: فإذا أبيتم إلّا المجالس فأعطوا الطريق حقها، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غَضّ البصر، وكف الأذى، ورد السلام، وأمر بالمعروف, ونهي عن المنكر)).

وروى بسنده عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقطابه في النار, فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان، ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه)).

وروى الإمام مسلم بسنده، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يُصبح على كل سُلامَى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتين يركعهما من الضحى)) وروى الترمذي بسنده, عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقّر كبيرنا، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر)).

وروى بسنده, عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تبسمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة، وإماطة الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة)).

وروى بسنده عن حذيفة بن اليمان, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((والذي نفسي بيده، لتأمرنّ بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم)).

وروى بسنده عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنَّكُمْ مَنْصُورُونَ وَمُصِيبُونَ وَمَفْتُوحٌ لَكُمْ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ منكم فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَلْيَنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)).

وروى بسنده عن أبي أمية الشعباني قال: ((أتيت أبا ثعلبة الخشني، فقلت له: كيف تصنع بهذه الآية؟ قال: أي آية؟ قلت: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105], قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرًا، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحًّا مطاعًا, وهوًى متبعًا ودنيا مؤثرة، وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه، فعليك بخاصّة نفسك، ودع العوام، فإن من ورائكم أيامًا الصبر فيهنّ مثل القبض على الجمر، للعامل فيهنّ مثل أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عملكم)), قال عبد الله بن المبارك: وزادني غير عتبة: ((قيل: يا رسول الله, أجر خمسين منا أو منهم؟ قال: بل أجر خمسين منكم)).

وروى النسائي بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من والٍ إلّا وله بطانتان؛ بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالًا، فمن وُقي شرها فقد وقي، وهو من التي تغلب عليه منهما)).

وروى أبو داود بسنده, عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل، كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا، اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك. ثم يلقاه من الغد، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك، ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قال: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} [المائدة: 78] إلى قوله: {فَاسِقُون} ثم قال: كلّا والله، لتأمرنّ بالمعروف، ولتنهونّ عن المنكر، ولتأخذنّ على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرًا، ولتقصرنه على الحق قصرًا)), وفي رواية أخرى زاد: ((أو ليضربنّ الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم يلعنكم كما لعنهم)).

وروى ابن ماجه بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم)).

وروى بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله ليسأل العبد يوم القيامة, حتى يقول: ما منعك إذا رأيت المنكر أن تنكره؟ فإذا لقّن الله عبدًا حجته قال: يا رب, رجوتُكَ وفَرِقْتُ من الناس)).

وروى الإمام مسلم بسنده عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)).

وروى النسائي بسنده عن طارق بن شهاب قال: قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من رأى منكرًا فغيره بيده فقد برئ، ومن لم يستطع أن يغيره بيده فغيّره بلسانه فقد برئ، ومن لم يستطع أن يغيره بلسانه فغيّره بقلبه فقد برئ، وذلك أضعف الإيمان)).

فمن هذه الآيات والأحاديث نستطيع أن نعرف الدوافع, التي تدعو أيّ إنسان ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، كما نستطيع أن نعرف من له الحق في أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وما للقيام بهذا الواجب من أثر في إصلاح المجتمع، فالذي يدعو أيّ إنسان ليكون مما أكرمهم الله واختارهم، ووصفهم في قوله: {الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ} [التوبة: 112] هو من الإيمان بالله، وعلى قدر إيمان المؤمن يكون جهده في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ولذلك رأينا في الحديث المرحلة الأخيرة وهي التغير بالقلب، وفيها يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((وذلك أضعف الإيمان)).

كما أنّ الظروف الاجتماعية لها أثرها في ذلك، فالمجتمع المتكافل في ضبط خطا أبنائه على طريق الثبات، وفي محاربة كل مظاهر الفساد، يساعد أفراده على القيام بواجبهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فحين ينبري أحد الناس آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، يجد بجانبه مجتمعًا يؤازره، وحكومة تحميه بقوانينها وسلطانها، فلا يخشى ظلم الظالمين وجهل الجاهلين.

ولعل مما يصوّر هذا أنّ الآيات التي جاءت تدعو إلى ذلك -جاءت تتحدث عن أمة وعن جماعة- أتى الفعل فيها مسندًا إلى ضمير الجمع: يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، أو الاسم جمعًا كما في قوله: {الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ}, ولم يرد الفعل مسندًا إلى المفرد إلّا فيما كان خطابًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما في قوله: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} أو جاء ذلك إخبارًا عنه، كما في قوله: {يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ} [الأعراف: 157], أو نصيحة يوجهها لقمان لابنه: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ} [لقمان: 17].

ولهذا جاء توجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته، وهو يضرب لها مثلًا للعلاقة بين القائمين على حدود الله والواقعين فيها، فيقول: ((مَثَلُ القائمِ على حدود الله والواقع فيها، كمثل قومٍ استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذِ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا, ونجوا جميعًا)).

كما أنّ هذا الأمر يحتاج إلى تربية إيمانية ونفسية، تجعل كل فرد في الأمة واثقًا من نفسه، ويدرك أنه قادر على رد القافلة الشاردة ورأب الصدع في مجتمعه، وأنه إذا قال استمع الناس لقوله؛ لما يرون فيه من صدق اللهجة وحسن الأدب وقوة البيان والقدرة على الإقناع.

إنها عوامل مشتركة تؤدي في النهاية إلى القيام بهذا الأمر على أحسن الوجوه، وهذا يجعلنا نتساءل عمّن له الحق في أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهناك فرقٌ بين من له الحق في ذلك ومن يجب عليه القيام به، وهذا شأن ما جاء من تكاليف شرعية تراها واجبة على أناس تحققت فيهم شروط الوجوب، وبقي الباب مفتوحًا لغيره؛ كما ترى في وجوب الصلاة على المسلم البالغ العاقل، فلو أداها صبي دون البلوغ صحّت منه، وهكذا في الصيام والحج وغير ذلك.

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم مكلف قادر على ذلك، كل بحسب قدرته، كما بيّن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ((من رأي منكم منكرًا فليغيره بيده…)) إلى آخر الحديث، واشترط قوم العدالة، فإن فاقد الشيء لا يعطيه، والواقع في المعاصي كيف تُقبل نصيحته لغيره في ترك المعاصي، وقد عاب الله على المؤمنين أن يقولوا ما لا يفعلون, فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُون * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُون} [الصف: 2-3]؟

وقال مؤنّبًا أهل الكتاب من بني إسرائيل: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُون} [البقرة: 44]. وقال صلى الله عليه وسلم: ((مررت ليلة أُسري بي على قوم تُقرض شفاههم بمقاريض من نار، قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاءِ خطباءُ أمتك من أهل الدنيا، كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم, وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون؟)) والواقع أنّ هذا شرط كمال.

ومن الأدب أن يكون من يأمر غيره بمعروف أو ينهاه عن منكر، هو أول من يأتمر بما أمر به وينتهي عما نهى عنه، وما عاب الله على هؤلاء أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وإنما عاب عليهم هذا التناقض بين قولهم وفعلهم، ولو أنّ كل من يريد أن يأمر غيره بمعروف، أو ينهاه عن منكر، لا يفعل ذلك إلّا إذا ضبط سلوكه واستقام على الجادة، لما وجدت أحدًا يؤدي هذا الواجب؛ ولذا قال سعيد بن جبير: “إن لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر إلّا من لا يكون فيه شيء، لم يأمر أحد بشيء”.

ولو قام الآمرون بالمعروف, والناهون عن المنكر بواجبهم وفق الضوابط الشرعية، بأن يجعلوا لكل حالة ما يناسبها من الوعظ أو الزجر أو التخويف أو التغيير باليد، وهكذا، لو فعلوا ذلك كلٌّ في موقعه الاجتماعي أو العلمي أو السياسي، وتعاون الجميع في ذلك؛ لما وجدت مقصّرًا أو منحرفًا أو متهاونًا في أداء فرائض الله، أو مفسدًا في أرض الله، حينذاك تكون الأمة في مجموعها جديرة بشرف الخيرية، كما قال تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} [آل عمران: 110].

والواو لا تفيد ترتيبًا ولا تعقيبًا، إلّا أنّ ذكر أمر قبل أمر آخر له أسراره في تعبيرات القرآن الكريم، وهنا جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سابقًا للإيمان بالله، فدل على مكانته ومنزلته؛ ولذلك قال الإمام الغزالي في (الإحياء) في مقدمة كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: “أمّا بعد، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو طوي بساطه وعمله لتعطلت النبوة واضمحلت الديانة، وعمت الفترة, وفشت الضلالة وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد، وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلّا يوم التناد”.

ثم أخذ الإمام الغزالي يشكو من فساد زمانه، وما آل إليه حال الناس من تقصيرهم في أداء هذا الواجب، ومدى عِظَم أجر من قام به آنذاك، فكان مما قال: “فاستولت على القلوب مداهنة الخلق, وانمحت عنها مراقبة الخالق، واسترسل الناس في اتّباع الهوى والشهوات استرسال البهائم، وعزّ على بساط الأرض مؤمن صادق، لا تأخذه في الله لومة لائم”.

ثم يقول: “فمن سعى في تلافي هذه الفترة، وسد هذه الثلمة، إما متكفلًا بعملها، أو متقلدًا لتنفيذها، مجددًا لهذه السنة الدائرة، ناهضًا بأعبائها، ومتشمّرًا في إحيائها؛ كان مستأثرًا من بين الخلق بإحياء سنة أفضى الزمان إلى إماتتها، ومستبدًّا بقربة تتضاءل القرب دون ذروتها”. ولا أدري ماذا كان سيقول الإمام أبو حامد الغزالي، المتوفّى عام خمسة وخمسمائة من الهجرة، وبعد أكثر من تسعة قرون؛ حين يرى ما آل إليه حال الدنيا من الفساد والانحراف عن دين الله، وعلى قدر انتشار الفساد وقوته يكون أجر من يقاومه ما يستطيع من ألوان المقاومة؛ حتى يستقيم الناس على طريق الحق، فيعود الأمن والسلام والسعادة لبني الإنسان.

error: النص محمي !!