Top
Image Alt

الأمر بتوحيد العبادة لله، وبيان إعجاز القرآن، وتبشير المؤمنين

  /  الأمر بتوحيد العبادة لله، وبيان إعجاز القرآن، وتبشير المؤمنين

الأمر بتوحيد العبادة لله، وبيان إعجاز القرآن، وتبشير المؤمنين

أولا: الأمر بتوحيد العبادة لله:

الآثار:عن ابن عباس، في قوله: {يَاأَيّهَا النّاسُ اعْبُدُواْ رَبّكُمُ}: “فهي للفريقيْن جميعًا، مِن الكفار والمؤمنين. {اعْبُدُواْ}، قال: وحِّدوا”.

وعن السّدّي في قوله: {الّذِي خَلَقَكُمْ وَالّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}، يقول: “خلَقكم وخلَق الذين مِن قبلكم”.

وعن أبي مالك، قوله: {لَعَلّكُمْ}، “يعني: كيْ، غير آية في (الشعراء): {لَعَلّكُمْ تَخْلُدُونَ}، يعني: كأنكم تخلدون”.

وعن عون بن عبد الله قال: “لَعَلَّ” من الله واجب”.

وعن مجاهد في قوله: {لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ}، قال: “تطيعون”.

وعن الضحاك، في قوله: {لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ}، قال: “تتّقون النار”.

وعن السّدّي بأسانيده، في قوله: {الّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشاً}، قال: “هي فراش يمشي عليها، وهي: المهاد والقرار”. {وَالسّمَاءَ بِنَآءً}، قال: “بنى السماء على الأرض كهيئة القبّة، وهي سقف على الأرض”.

وعن ابن عباس، قال: “ما نزل مطر من السماء، إلا ومعه البذر. أمّا أنكم لو بسطتم نطْعا لرأيتموه”.

وهذه الآثار على ما فيها مِن نظر في أسانيدها، ليس فيها شيء  عن النبي صلى الله عليه وسلم وليس فيها ما يُمكن أن يكون في حُكم المرفوع.

وعن ابن عباس، في قول الله تعالى: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للّهِ أَندَاداً}، أي: “لا تشركوا به غيره من الأنداد التي لا تضر ولا تنفع، وأنتم تعلمون أنه لا ربّ لكم يرزقكم غيره”.

وعن ابن عباس، في قوله: الأنداد، قال: “الأشباه”.

وعن مجاهد في قوله: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للّهِ أَندَاداً} أي: عدلاء. {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} قال: “تعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل، لا ندّ له”.

وقال أبو العالية: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للّهِ أَندَاداً} أي: “عدلاءَ شركاء”.

وعن الحسن، في قوله: {وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ}، قال: “هذا قول الله لمَن شكّ مِن الكفار في ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم”.

وعن قتادة، في قوله: {وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ} قال: “في شك، {رَيْبٍ مّمّا نَزّلْنَا عَلَىَ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مّثْلِهِ}، قال: من مثل هذا القرآن، حقًّا وصدقًا، لا باطلَ فيه ولا كَذِب”.

وعن ابن عباس، في قوله: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مّثْلِهِ}.

قال: “مثْل القرآن. {وَادْعُواْ شُهَدَآءَكُم مّن دُونِ اللّهِ} قال: ناس يشهدون لكم إذا أتيتم بها، أنه مثْله”.

وعن ابن عباس، في قوله: {وَادْعُواْ شُهَدَآءَكُم}، قال: “أعوانكم على ما أنتم عليه. {فَإِن لّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ}، فقد بُيِّن لكم الحق”.

وعن قتادة: {فَإِن لّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ}: يقول: “لن تقدروا على ذلك، ولن تطيقوه”.

وعن ابن مسعود، قال: “إن الحجارة التي ذكَرها الله في القرآن في قوله: {وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجَارَةُ}: حجارة من كبريت، خلَقها الله عنده كيف شاء”.

وعن ابن عباس في قوله: {أُعِدّتْ لِلْكَافِرِينَ}، قال: “أيْ: لمن كان على مِثل ما أنتم عليه من الكفر”.

ثانيًا:عجز البشر، عن الإتيان بسورة من مثل القرآن الكريم:

لقد تحدّى الله تعالى، كلّ مَن كان في شكّ من هذا القرآن، المنزَل من عند الله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم أنْ يجتمعوا جميعًا فيأتوا بسورة واحدة تُماثل ما جاء فيه، في بلاغتها ومعانيها العظيمة، وأن يدْعوا مَن يُعينهم، أو يشهد لهم في ذلك، إن كانوا صادقين في دعواهم.

فإن لم يستطيعوا ذلك -وقد علِم الله منهم أنهم لن يستطيعوه أبدًا- فلزم ذلك  منهم  التسليم، وأنْ يسعوا ليجنّبوا أنفسهم عقاب الله الأليم في نار، فهي تتوقد وتتوهّج ويُزاد لهيبها كلّما ألقي فيها الناس المستحقّون لعذاب الله، والحجارة المكوّنة من الكبريت الذي يزيد النار اشتعالًا وتوهّجًا، وهذه النار قد هيّأها الله تعالى، وجهّزها لِمَن كفر به، وجحد ما أمر به؛ مِن توحيده وعبادته.

ثالثًا: تبشير المؤمنين، بما أعدّه الله لهم في جنات النعيم:

الآثار: أخرج ابن ماجه، وابن أبي الدّنيا في صِفة الجنّة، والبزار، وابن أبي حاتم، وابن حبّان وغيرهم، عن أسامة بن زيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا هل مشمِّرٍ للجنة؟ فإنّ الجنة لا خطر لها، هي -ورب الكعبة- نور يتلألأ، وريحانة تزهر، وقصر مشيد، ونهر مطّرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحُلل كثيرة، ومقام في أبد في دار سليمة، وفاكهة خضرة وفيرة، ونعمة في محلّة عالية بهيّة، قالوا: نعم يا رسول الله. قال: قولوا: إن شاء الله. قال القوم: إن شاء الله)).

وأخرج أحمد، والترمذي وغيرهما، عن أبي هريرة، قال: ((قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ حَدِّثْنَا عَن الْجَنَّةِ مَا بِنَاؤُهَا؟ قَالَ: لَبِنَةُ ذَهَبٍ وَلَبِنَةُ فِضَّةٍ وَمِلَاطُهَا الْمِسْكُ الْأَذْفَرُ، وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ، وَتُرَابُهَا الزَّعْفَرَانُ مَنْ يَدْخُلُهَا يَنْعَمُ، وَلَا يَبْأَسُ، وَيَخْلُدُ وَلَا يَمُوتُ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ)).

وأخرج البخاري، ومسلم وغيرهما، عن سهل بن سعد الساعدي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِن الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا)).

والأحاديث في فضل الجنّة، ووصفها ووصف أنهارها، وثمارها، وحُورها، كثيرة جدًّا، قد ألّف فيها العلماء كتبًا مستقلّة، منها: كتاب (صفة الجنة)، لأبي نعيم الأصبهاني، وكذا ابن أبي الدنيا، وغيرهما.

وممّا جاء في قوله تعالى: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ}: أخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم، والبيهقي، في البعث، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنهار الجنة تفجَّر من تحت جبال مسك)).

وفي قوله تعالى: {كُلّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رّزْقاً قَالُواْ}، عن السّدّي بأسانيده في قوله: {كُلّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رّزْقاً قَالُواْ} قال: “أتوا بالثمرة في الجنّة، فينظروا إليها، فقالوا: {هَـَذَا الّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ}، في الدنيا”، وهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.

وفي قوله: {مُتَشَابِهاً} عن ابن عباس: “لا يشبه شيء ممّا في الجنّة ما في الدنيا، إلا في الأسماء”.

وعن السّدّي، بأسانيده: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً}: “اللون والمرأى، وليس يشبه الطعم”.

وفي قوله تعالى: {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مّطَهّرَةٌ}.

وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مّطَهّرَةٌ} قال: ((مِن الحَيْض، والغائط، والنخاعة، والبزاق)).

قال ابن كثير: “هذا حديث غريب، وقد رواه الحاكم في (مستدركه)، وقال: صحيح على شرط الشيخين”.

قال ابن كثير: “وهذا الذي ادعاه فيه نظر؛ فإن عبد الرزاق بن عمر البزيعي قال فيه أبو حاتم بن حبان البستي: لا يجوز الاحتجاج به. قلت: والأظهر: أنّ هذا من كلام قتادة -والله أعلم”.

عن ابن عباس، في قوله: {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مّطَهّرَةٌ} قال: “مِن القذر والأذى”.

عن ابن مسعود، في قوله: {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مّطَهّرَةٌ} قال: “لا يحِضْن، ولا يُحدِثْن، ولا يتنخَّمن”.

عن مجاهد، في قوله: {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مّطَهّرَةٌ} قال: “من الحيض، والغائط، والبول، والمخاط، والنخامة، والبزاق، والمنيّ، والولد”.

عن عطاء، في قوله: {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مّطَهّرَةٌ} قال: “لا يحضن، ولا يُمنين، ولا يلدن، ولا يتغوّطن، ولا يبُلْن، ولا يبزقن”.

عن قتادة، في قوله: {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مّطَهّرَةٌ} قال: “طهّرهنّ الله من كل بول، وغائط، وقذر، ومآثم”.

وفي رواية عنه: “لا حيض، ولا كلف”.

وروي عن الحسن، والضحاك، والسّدّي، نحو ذلك.

وأخرج الترمذي، وصححه والبزار، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يزوّج العبد في الجنة سبعين زوجة، فقيل: يا رسول الله، يطيقها؟ قال: يُعطى قوّة مائة)).

وأخرج البخاري، عن أنس: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَاب قَوْسِ أَحَدِكُمْ أَوْ مَوْضِعُ قَدَمٍ مِن الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِن الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، اطَّلَعَتْ إِلَى الْأَرْضِ لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا، وَلَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا -يَعْنِي الْخِمَار- خَيْرٌ مِن الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا)).

أما قوله تعالى: {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}، عن ابن عباس، في قوله: {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} “أي: خالدون أبدًا؛ يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله لا انقطاع له”.

وعن سعيد بن جبير، في قوله: {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} “يعني: لا يموتون”.

وأخرج الطستي، في (مسائله)، عن ابن عباس: أن نافع بن الأزرق، قال له: أخبرني عن قوله عز وجل: {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}، قال: ماكثون، لا يخرجون منها أبدًا، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول عدي بن زيد:

فهل من خالد لما هلكنا

*وهل بالموت يا للناس عارُ

أقوال المفسِّرين:

لما ذكر تعالى ما أعدّه لأعدائه مِن الأشقياء الكافرين به وبرسله من العذاب والنكال، عطف بذكْر حال أوليائه من السعداء المؤمنين به وبرسله، الذين صدقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة؛ وهذا معنى: تسمية القرآن مثاني، على أصحّ أقوال العلماء؛ وهو: أن يذكر الإيمان، ويتبعه بذِكْر الكفر، أو عكسه، أو حال السعداء، ثم الأشقياء، أو عكسه، وحاصله: ذكر الشيء ومقابله.

وأمّا ذكر الشيء ونظيره، فذاك التّشابه؛ فلهذا قال تعالى: {وَبَشّرِ الّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ أَنّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ}، فوصفها بأنها {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ} ، كما وصف النار بأن {وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجَارَةُ}.

فإن قلت: مَن المأمور، بقوله تعالى: {وَبَشّرِ}؟

قلت: يجوز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يكون كلّ أحد، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((بَشِّر الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) لم يأمر بذلك واحدًا بعينه، وإنما كلّ أحد مأمور به؛ وهذا الوجه أحسن وأجزل، لأنه يؤذِن بأن الأمر لعظمه وفخامة شأنه حقيقٌ بأن يبشِّر به كل مَن قدر على البشارة به.

ومعنى: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ}، أي: من تحت أشجارها وغُرفها؛ وقد جاء في الحديث أنّ أنهارها تجري في غير أخدود، وجاء في الكوثر أن: “حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف”، ولا منافاة بينهما. ((وطينها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والجوهر))، نسأل الله من فضله، إنه هو البر الرحيم.

قوله: {قَالُواْ هَـَذَا الّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ}، تقديره: مثل الذي رزقناه من قبل، أي: في الدنيا.

والحكمة في التشابه، أنّ النفس تميل إلى ما يُستطاب وتطلب زيادته.

والمراد بتطهير الأزواج: أنّ طُهرهنّ ممّا يختص بالنساء من الحيض والاستحاضة، وما لا يختص بهن من الأقذار والأدناس.

ويجوز -لمجيئه مطلقًا- أن يدخل تحته الطّهر من دنس الطباع، وطبع الأخلاق الذي عليه نساء الدنيا، مما يكتسبن بأنفسهن، ومما يأخذنه من أعراق السوء، والمناصب الرديئة، والمناشئ المفسدة، ومن سائر عيوبهن ومثالبهن وخبثهن وكيدهن.

وقوله تعالى: {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}، هذا هو تمام السعادة؛ فإنهم مع هذا النعيم في مقام أمين، آمنين من الموت والانقطاع؛ فلا آخر له ولا انقضاء؛ بل في نعيم سرمديّ أبديّ على الدوام، والله تعالى المسئول أن يحشرنا في زمرتهم، إنه جواد كريم.

error: النص محمي !!