Top
Image Alt

الأمور التي تنعقد بها الإمامة، وشروط الإمام

  /  الأمور التي تنعقد بها الإمامة، وشروط الإمام

الأمور التي تنعقد بها الإمامة، وشروط الإمام

أولًا: الأمور التي تنعقد بها الإمامة:

تنعقد الإمامة عند أهل السنة والجماعة بالنص والإجماع؛ أما النص فكخلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه عند بعض أهل السنة وجماعة من أصحاب الحديث، كالإمام الحسن البصري وابن حجر الهيتمي، والإمام أحمد في إحدى روايتيه -رحمهم الله- وغيرهم، والبيهسية من الخوارج.

ويستدل أصحاب هذا الرأي بأدلة؛ منها: ما ورد في (صحيح مسلم) عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه: ((أن امرأة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا, فأمرها أن ترجع إليه، فقالت: يا رسول الله، إن جئت فلم أجدك -كأنها تعني الموت؟ قال: فإن لم تجدينِي, فأتي أبا بكر)). رواه البخاري ومسلم.

ومن ذلك: ما ورد عن عائشة رضي الله عنها, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لقد هممتُ -أو أردتُ- أن أرسلَ إلى أبي بكر وابنه، وأعهد أن يقول القائلون، أو يتمنى المتمنون! ثم قلتُ: يأبى الله ويدفع المؤمنون، أو يدفع الله ويأبى المؤمنون)) رواه البخاري.

ولم يتم الكتاب؛ لعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المؤمنين لن يختلفوا على أبي بكر رضي الله عنه, فترك الأمر لهم.

وقال الإمام الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: واستدل من قال: إنه نص على خلافة أبي بكر رضي الله عنه بأصول كلية وقرائن حالية، تقتضي أنه أحق بالإمامة وأولى بالخلافة.

وهناك مَن ذهب إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينصّ على أحدٍ بعينه، وهذا مذهب كثير من أهل السنة والجماعة، ويشاركهم المعتزلة والخوارج والمرجئة في هذا، ويستدلون بما نُقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما في (صحيح البخاري) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: “قيل لعمر: ألا تستخلف؟ فقال: إن أستخلفْ فقد استخلفَ من هو خير مني أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني رسول الله صلى الله عليه وسلم” أخرجه البخاري.

ويؤيد -أيضًا- هذا الرأي أن النقاش الذي دار في سقيفة بني ساعدة، وقد حضره كبار المهاجرين والأنصار, لم يذكر فيه أحدٌ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استخلف، ولو ذكر شيء من هذا لكان حاسمًا للنقاش.

يقول القرطبي -رحمه الله-: “لو كان عند أحد من المهاجرين والأنصار نصٌّ من النبي صلى الله عليه وسلم على تعيين أحد بعينه للخلافة؛ لما اختلفوا في ذلك ولا تفاوضوا فيه، وهذا قول جمهور أهل السنة”.

ومن تأمل ما ذكرناه, ظهر له إجماع الصحابة المهاجرين منهم والأنصار على تقديم أبي بكر، وظهر برهان قوله صلى الله عليه وسلم: ((يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر))، وظهر له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينص عينًا لأحد من الناس، لا لأبي بكر كما زعم طائفة من أهل السنة، ولا لعلي كما زعم طائفة من الرافضة، ولكن أشار إشارة قوية، يفهمها كل ذي لُب وعقل إلى الصديق.

إذًا: اختُلف في الطريقة التي انعقدت بها خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقيل: إنها بالنص، وقيل: إنها بالإجماع، لكن بإشارات قوية من النصوص الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, في تفضيل أبي بكر وترجيح خلافته، ولعل هذا الرأي هو الراجح.

ثم كانت خلافة عمر رضي الله عنه بالتعيين؛ حيث عينه أبو بكر رضي الله عنه خليفةً بعده، وهذا من الأمور التي تنعقد بها الإمامة، وهو التعيين، فإن أبا بكر رضي الله عنه خافَ أن يحصل في الأمة ما حصل عند وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم من الاختلاف، فأراد أن يترك المسلمين على قلب رجلٍ واحد، يكون خيرهم وأفضلهم وأحقهم بالإمامة؛ فلذلك سأل عن عمر رضي الله عنه كبار الصحابة، قائلًا: ما رأيكم فيه؟ فأثنوا عليه خيرًا، فطلبَ منهم أبو بكر رضي الله عنه أن يكتموا الأمر، حتى كتب أبو بكر كتابه بتولية عمرَ رضي الله عنه, ثم قرئ الكتاب على الناس علنًا، فقالوا: سمعنا وأطعنا.

ثم كانت خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه بالإجماع، وهذا أيضًا من الأمور التي تنعقد بها الإمامة؛ حيث إن عمر رضي الله عنه جعل الأمر شورى في ستة من خيار الصحابة رضي الله عنهم, وهم أهل الشورى: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف.

وبعد أن تنازل الباقون من هؤلاء الستة كل واحد لأخيه, انحسر الأمر في عثمانَ وعليٍّ رضي الله عنهما, ثم إن عبد الرحمن بن عوف أخذَ يسأل الناس في السر: مَن يفضلون لإمامتهم؛ عثمان أو عليًّا؟ فاستقرّ رأي الجميع على ميلهم لعثمان رضي الله عنه, فتمّ استخلافه رضي الله عنه.

يقول الدكتور أمير عبد العزيز في كتابه (نظام الإسلام)، وهو يتحدث عن طريقة انتخاب رئيس الدولة: “لدى اختيار خليفة للمسلمين, يجتمع أهل الحلّ والعقد -وهم الطليعة العالمة الرائدة في الأمة- لينظروا أكثرَ الناس صلاحًا؛ للاطلاع بثقل الإمامة، وهم في ذلك يحرصون بالغ الحرص على اختيار من هو أشدُّ الناس صلاحًا، وأوسعهم علمًا وفقهًا بأمور الشريعة، وأكثرهم حكمة وحنكة وقربًا من أذهان الناس وقلوبهم، فتهوى إليه رغباتُهم، فيبادرون له بالطاعة عن رضا ومودة، ثم يعرض عليه أهل الحل والعقد رغبتهم في ترشيحه للإمامة ليكون للمسلمين خليفة، فإذا أجابهم موافقًا بايعوه، ثم بادره المسلمون جميعًا بالبيعة، بعد أن يعرض -أي: الخليفة- على الناس في المسجد في مقر رئاسة الدولة, برنامجه وخططه في سياسة البلاد وإدارتها. وإذا تكافأ في شروط الإمامة اثنان اختاروا منهما أكبرهما سنًّا، ولو كان أحدهما أعلم والآخر أشجع، وقع الاختيار تَبعًا لحاجة المسلمين وفي ضوء ما تقتضيه الظروف الملحّة، فإذا كان المسلمون في حالة من الحرب اقتضى ذلك أن يتجلى فيه عنصر الشجاعة، وبذلك يختار الأشجع. وإن كان المسلمون في حال من صراع الفكر وتوارد الفلسفات والمبادئ الغريبة؛ فقد اقتضى ذلك أن يتجلى في الإمام عنصر العلم والمعرفة، وبذلك يُنتخب الأعلم، وإن توافر في الإمام كلا العنصرين -الشجاعة والعلم- كان ذلك خيرًا وأفضل” انتهى كلامه.

error: النص محمي !!