Top
Image Alt

الأواني التي ينتبذ فيها، تخلل الخمر، المخدرات الحديثة، ما يباح للمضطر

  /  الأواني التي ينتبذ فيها، تخلل الخمر، المخدرات الحديثة، ما يباح للمضطر

الأواني التي ينتبذ فيها، تخلل الخمر، المخدرات الحديثة، ما يباح للمضطر

. الأواني التي يُنتبذ فيها، وانتباذ شيئين:

يقول ابن رشد: واختلفوا في ذلك –أي: في الانتباذ- في مسألتين:

إحداهما: في الأواني التي ينتبذ فيها.

والثانية: في انتباذ شيئين، مثل البسر والرطب، والتمر والزبيب.

فأما المسألة الأولى: فإنهم أجمعوا على جواز الانتباذ في الأسقية، والأسقية: هي الأواني التي تكون من جلد ونحوه، الأسقية جمع سقاء- واختلفوا فيما سواها من الأواني، فروى ابن القاسم -وهو من تلاميذ وأصحاب الإمام مالك- عن الإمام مالك أنه كره الانتباذ في الدباء -وهو القرع الكبير- والمزفت -أي: المطلي بالزفت.

أما الإمام الثوري فكره الانتباذ في أربعة أوانٍ: الدباء، والحنتم -وهو إناء من الخذف الأسود، والجرة الخضراء- والنقير -وهو خشبة تنقر، أي: تخلى من وسطها، تحفر. قيل: من الشجر، وقيل: من النخل- والمزفت.

وقال أبو حنيفة: لا بأس بالانتباذ في جميع الظروف، والأواني.

قال ابن رشد: وسبب اختلافهم: اختلاف الآثار في هذا الباب، وذلك أنه ورد من طريق ابن عباس النهي عن الانتباذ في الأربع التي كرهها الثوري، وهو حديث ثابت الذي رواه الجماعة، وروى مالك عن ابن عمر في (الموطأ): ((أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الانتباذ في الدباء والمزفت)) وهذا الذي أخذ به مالك.

وجاء في حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق شريك عن سماك أنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: ((كنت نهيتكم أن تنبذوا في الدباء والحنتم والنقير والمزفت فانتبذوا ولا أحل مسكرًا)) كنت قد نهيتكم عن كذا وكذا وكذا، عن الأربعة التي ذكرها الثوري، ثم قال لهم: ((فانتبذوا ولا أحل مسكرًا)) فالانتباذ حلال أما إذا تغير وصار مسكرًا صار حرامًا.

وحديث أبي سعيد الخدري الذي رواه مالك في (الموطأ) ورواه الطحاوي والحاكم والبيهقي بسند صحيح، وهو أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((كنت نهيتكم عن الانتباذ فانتبذوا، وكل مسكر حرام)) هذا نهي عن الانتباذ أصلًا، وليس في أواني دون غيرها.

ثم قال ابن رشد: فمن رأى أن النهي المتقدم الذي نُسخ بالأمر بعد ذلك ((فانتبذوا)) إنما كان نهيًا عن الانتباذ في هذه الأواني؛ إذ لم يعلم ها هنا نهي متقدم غير ذلك. قال صاحب هذا القول: يجوز الانتباذ في كل شيء، ومن قال: إن النهي المتقدم الذي نسخ إنما كان نهيًا عن الانتباذ مطلقًا، قال: بقي النهي عن الانتباذ في هذه الأواني، فمن اعتمد في ذلك حديث ابن عمر قال بالإناءين المذكورين فيه –وهما: الدباء، والمزفت- ومن اعتمد في ذلك حديث ابن عباس قال بالأواني الأربعة –الدباء، والمزفت، والحنتم، والنقير- لأنه يتضمن مزيدًا، والمعارضة بينه وبين حديث ابن عمر إنما هي من باب دليل الخطاب، وفي كتاب مسلم والبخاري: النهي عن الانتباذ في الحنتم -أي: إناء الخزف- وفيه أنه رخص لهم فيه إذا كان غير مزفت.

ويقول ابن قدامة: ويجوز الانتباذ في الأوعية كلها، كما قال أبو حنيفة، وعن أحمد أنه كره الانتباذ في الدباء والحنتم والنقير والمزفت، يعني: كما قال الثوري؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الانتباذ فيها. ثم قال: والدباء هو اليقطين، القرع: {وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِين} [الصافات: 146] والحنتم: الجرار جمع جرة وهو الخزف، والنقير: الخشب سواء كان خشب من شجر أو جزع النخل، والمزفت: الذي يطلى بالزفت.

يقول ابن قدامة: والصحيح الأول؛ لما روى بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((نهيتكم عن ثلاث وأنا آمركم بهن؛ نهيتكم عن الأشربة ألا تشربوا إلا في ظروف الأدم، فاشربوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرًا)) رواه مسلم، وهذا دليل على نسخ النهي، ولا حكم للمنسوخ، أي: لم يعد للنهي بعد هذا النسخ حكم.

المسألة الثانية: في انتباذ الخليطين:

قال ابن رشد: المسألة الثانية هي انتباذ الخليطين، فالجمهور قالوا بتحريم الخليطين من الأشياء التي من شأنها أن تقبل الانتباذ -أي: التحلل- وقال قوم: بل الانتباذ مكروه -يعني: اختلاط ثمرتين في نقيع واحد مكروه- وقال قوم: هو مباح، وقال قوم: كل خليطين فهما حرام، وإن لم يكونا مما يقبلان الانتباذ فيما أحسب الآن.

ثم يقول ابن رشد: والسبب في اختلافهم: ترددهم في هذه المسألة، هل النهي الوارد في ذلك عن انتباذ الخليطين هو على الكراهة أو على الحظر؟ وإذا قلنا: إنه على الحظر -أي: التحريم- فهل يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟ وذلك أنه ثبت عند الجماعة عنه صلى الله عليه وسلم: ((أنه نهى على أن يخلط التمر والزبيب والزهو والرطب والبسر والزبيب)).

وفي بعضها -أي: في بعض الأحاديث أو الروايات- أنه قال صلى الله عليه وسلم: ((لا تنتبذوا الزهو والزبيب جميعًا، ولا التمر والزبيب جميعًا وانتبذوا كل واحد منهما على حدة)) رواه الشيخان. فيخرج في ذلك بحسب التأويل، الأقاويل الثلاثة: قول بتحريمه -أي: بتحريم المختلط من النوعين- وقول بتحليله مع الإثم في الانتباذ، وقول وسط، وهو كراهية ذلك.

وأما من قال: إنه مباح، فلعله اعتمد في ذلك عموم الأثر بالانتباذ في الحديث السابق لأبي سعيد الخدري، وأما من منع كل خليطين، وجعل ذلك محرمًا حتى لو كان مما لا يقبلان الانتباذ، فإما أن يكون ذهب إلى أن علة المنع هو الاختلاط لا ما يحدث عن الاختلاط من الشدة في النبيذ، وإما أن يكون صاحب هذا المنع قد تمسك بعموم ما ورد أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الخليطين.

2. تخلل الخمر:

قال ابن رشد -رحمه الله-: أجمع العلماء على أن الخمر إذا تخللت من ذاتها جاز أكلها، واختلفوا إذا قصد تخليلها على ثلاثة أقوال:

القول الأول: التحريم، وهو قول الشافعي وأحمد.

القول الثاني: الكراهية، وهو قول الإمام مالك.

القول الثالث: الإباحة، وهو قول أبي حنيفة.

ثم يقال ابن رشد -رحمه الله-: وسبب اختلافهم: معارضة القياس للأثر، واختلافهم في مفهوم الأثر، وذلك أن أبا داود خرج من حديث أنس بن مالك: ((أن أبا طلحة سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمرًا؛ فقال: أهرقها. قال: أفلا أجعلها خلّا؟ قال: لا)). فمن فهم من المنع سد الذريعة -حتى لا يشربها أو يتطفل عليها أحد ليشرب منها- حمل ذلك على الكراهية، ومن فهم النهي لغير علة قال بالتحريم.

ويخرج على هذا -أي: يتفرع على هذا- أن لا تحريم أيضًا على مذهب مَن يرى أن النهي لا يعود بفساد المنهي عنه. هذا عن معارضة أو الاختلاف في مفهوم الأثر.

أما عن القياس المعارض لهذا الأثر –أي: المعارض لحمل الخل على التحريم: أنه قد علم من ضرورة الشرع أن الأحكام المختلفة إنما هي للذوات المختلفة، وأن الخمر غير ذات الخل، والخل بإجماع حلال، فإذا انتقلت ذات الخمر إلى ذات الخل، وجب أن يكون حلالًا.

3. المخدرات الحديثة:

ظهرت في الآونة الأخيرة مجموعة من المخدرات التي نسمع عنها كالهيروين، والكوكايين، والماكستنفورد، والمارجوانا، والبانجو، والحشيش، والأفيون… وغير ذلك من أسماء المخدرات الموجودة في العصر الحديث، والتي يتعاطاها بعض الناس، بعض الناس يظن أن هذه المخدرات ليست خمرًا؛ حيث لم يرد اسمها ولا تحريمها في القرآن الكريم، ولا في السنة النبوية الصحيحة.

والواقع أن هذه مغالطة كبرى فإن الخمر هي كل ما خامر العقل -أي: ستره وغطاه وأثر فيه- سواء كان من عصير العنب أو من عصير التمر، كما كان معروفًا من قبل في قوله تعالى: {وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} [النحل: 67] أو من تلك المخدرات الحديثة التي تغطي العقل وتسلبه القدرة على التفكير، والقدرة على اتخاذ القرار، بل تدفعه إلى ارتكاب الكثير من المحرمات، كما تفعل الخمر تمامًا بتمام، بل قد يكون تأثيرها أكثر من تأثير الخمر، فالخمر قد لا يتحقق فيها أو لا تتحول إلى إدمان، بينما هذه المخدرات التي تؤخذ عن طريق الشم أو عن طريق البلع أو عن طريق الحقن تحول متعاطيها إلى مدمن، يدمر في طريقه كل شيء، ويرتكب من أجل إدمانه كل شيء؛ ولذلك علينا أن نعلم أن هذه الأنواع كلها وجميع مشتقاتها التي تخامر العقول وتؤثر عليها، وتؤدي إلى ارتكاب الكثير من المنكرات، إنما هي خمر محرمة تمامًا كالخمر التي حرمها القرآن الكريم.

4. الجملة الثانية: في استعمال المحرمات في حال الاضطرار: السبب المحلل:

يقول ابن رشد: والأصل في هذا الباب قوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119] وأيضًا في قوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم} [المائدة: 3] وأيضًا في آية أخرى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173].

والنظر في هذا الباب في السبب المحلِّل، وفي جنس الشيء المحلل، وفي مقداره.

فأما السبب الأول: فهو ضرورة التغذي -أعني: إذا لم يجد شيئًا حلالًا يتغذى به- وهو لا خلاف فيه.

أما السبب الثاني: طلب البرء، وهذا المختلف فيه، فمن أجازه -كأبي حنيفة- احتج بإباحة النبي صلى الله عليه وسلم الحرير لعبد الرحمن بن عوف؛ لمكان حكة به، رواه الجماعة، مع أنه من المعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك قطعتين من الذهب ومن الحرير وقال: ((هذان حرام على ذكور أمتي، حلال لإناثهم)) فهذا دليل على استعمال المحرم في حال الدواء، أو في حال طلب الشفاء. تلك حجة أبي حنيفة.

ومن العلماء من منع استخدام المحرمات في طلب الشفاء كالشافعي لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لمن يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها)) لأن بعض الناس يريد أن يتداوى بالخمر أو بأمثالها من المحرمات أو يتداوى بالحرير، لوجود أمراض جلدية، كما أذن النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف.

5. جنس الشيء المستباح:

يقول ابن رشد –رحمه الله-: وأما جنس الشيء المستباح فهو كل شيء محرم مثل الميتة وغيرها. ومعنى قوله: “وغيرها” يعني: سائر المحرمات من الطعام ومن الشراب ومن الخمر ومن المخدرات؛ ولذلك قال: والاختلاف في الخمر عندهم هو من قبل التداوي بها، لا من قبل استعمالها في التغذي، ولذلك أجازوا للعطشان أن يشربها، إن كان منها ري، ولا يوجد غيرها. وأجازوا للشرق أن يزيل شرقه بها، إذا لم يوجد مزيل غيرها.

إذًا الخمر شأنها شأن الميتة في حفظ حياة الإنسان، فما تجوز فيه الميتة لحفظ الحياة، تجوز فيه الخمر وغيرها من سائر المحرمات في حفظ الحياة، أما من قبل التداوي -يعني: استخدام الخمر للتداوي أو لطلب العلاج- فهذا هو الذي هو موضع الخلاف.

error: النص محمي !!