Top
Image Alt

الأوطان

  /  الأوطان

الأوطان

معرفة أوطان الرواة من الأمور التي اهتم بها العلماء جدًّا وألفت فيها مؤلفات عدة.

فالأوطان: جمع وطن، وهو الإقليم والناحية التي يولد فيها الإنسان أو يقيم بها.

والبلدان أيضًا: جمع بلد، وهي المدينة أو القرية التي يكون فيها الإنسان كذلك، وعلى هذا فالمراد بهذا النوع عند المحدثين هو معرفة أوطان الرواة وبلدانهم، إما التي ولدوا فيها أو التي أقاموا بها.

وهذا نوع في الحقيقة من أنواع علوم الحديث يحتاج إليه أهل الحديث للتمييز بين الرواة عند وقوع الالتباس ومعرفة الاتصال والانقطاع.

يقول الإمام النووي -رحمه الله- في (التقريب): “هو مما يفتقر إليه حفاظ الحديث أثناء ترجمتهم للعلماء في دروسهم ومصنفاتهم”.

وسبب نشأة هذا النوع: أن العرب كانوا يهتمون بالأنساب إلى القبائل وإلى الأوطان وإلى كذا، فكان ارتباطهم بالقبيلة أوثق من ارتباطهم بالأرض، فلماء جاء الإسلام وهاجر من هاجر ورحل من رحل في الجهاد، وفي تحصيل العلم، وفي نشر دعوة الإسلام، غلب عليهم سكنى الأوطان والبلاد والقرى التي لم يكونوا قد نشأوا بها أصلًا، فانتسبوا إليها.

يقول الحافظ العراقي: وإنما حدث للعرب الانتساب إلى البلاد والأوطان لمَّا غلب عليهم سكنى القرى والمدائن وضاع كثير من أنسابها، فلم يبقَ لهم غير الانتساب إلى البلدان، وقد كانت تنتسب قبل ذلك إلى القبائل، أما العجم، فإنهم ينتسبون إلى الأوطان والبلدان من قديم الزمان.

وهذا النوع مهم جدًّا من عدة وجوه: لمعرفة الراوي المدلس مثلًا، أو ما في الإسناد من إرسال خفي؛ لأنه عن طريق معرفة الأوطان والبلاد يمكن التحقق من ثبوت اللقاء، فمثلًا إذا لم يكن الراويان من بلد واحد ولم يرحل أحدهما إلى الآخر ولم نعرف أنهما التقيا في حج أو في غيره وليست بينهما رواية بالإجازة، إذًا في هذه الحالة سنتوقف في الإسناد، ونعرف أن فيه إرسالًا أو انقطاعًا أو إعضالًا أو تدليسًا وعلينا أن نحله.

أيضًا، التمييز بين الاسمين المتفقين في اللفظ، فيُنْظر في شيخه وتلميذه الذي روى عنه؛ ولذلك كثيرًا ما يقولون: هذا بصري وهذا مصري مثلًا، أو هذا شامي، فميزوا بينهما بالبلد.

أيضًا يساعد الباحث على الوصول إلى التراجم بسهولة في الكتب المؤلفة على البلدان التي أشرنا إلى نموذج منها، مثل: (تاريخ بغداد) أو (تاريخ دمشق).

أيضًا الوقوف على مواطن وصلات الشيوخ والتلاميذ بعضهم ببعض، وأيضًا الاطلاع على الجوانب الطيبة والبلاد والمدن، ومَن نشأ فيها من العلماء.

ومن دقة علماء الحديث أنهم تكلموا في مسألة: كيف ننسب من انتقل من بلد إلى آخر؟

فقالوا: من سكن في بلدتين وأردنا انتسابه إلى أحدهما فلنبدأ بالبلدة التي سكنها أولًا ثم بالثانية التي انتقل إليها، وحسُن أن نأتي بـ”ثم” في النسب للبلدة الثانية، فنقول مثلًا: المصري ثم الدمشقي؛ لأن “ثم” كما نعلم تدل على الترتيب والتراخي، أما مَن كان من أهل قرية من قرى بلد وتابع لها مجموعة من القرى فجائز أن ينسب إلى القرية بذاتها أو إلى مدينتها أو إلى الناحية التي منها القرية، فمثلًا من كان من أهل دارية نقول في نسبه: الداري والدمشقي والشامي. الدمشقي؛ لأنها قريبة من دمشق، والشام: الإقليم الأوسع، فإذا أردنا الجمع بين هذه فترتيب النسب يبدأ بالأعم سواء في البلدان أو في القبائل، فمثلًا نقول: القرشي الهاشمي، والداري فنقول: الشامي الدمشقي الداري، الأعم أولًا ثم الذي يليه ثم الذي يليه.

واتفق العلماء على أن الإنسان له أن ينتسب إلى أي البلاد شاء دون تحديد لمدة معينة للإقامة ما دام قد أقام بها، إلا أن عبد الله بن المبارك -رحمه الله- قد اشترط أنه لا ينسب إلى بلد إلا إذا أقام فيه أربع سنين.

وابن كثير -رحمه الله- يقول تعقيبًا على هذا الرأي: “وفي هذا نظر”، أي: لا داعي لاشتراط المدة.

وهناك مؤلفات كثيرة نستفيد منها في معرفة أوطان الرواة منها: (التاريخ الكبير) للإمام البخاري، و(تاريخ بغداد)، و(تهذيب الكمال) و(تهذيب التهذيب) لابن حجر، و(الطبقات الكبرى) لابن سعد، ومنها (الأنساب) للسمعاني؛ لأنه يذكر الأنساب إلى الأوطان وغيرها، وهو كتاب عظيم في هذا الفن، وأيضًا (الأنساب) لأبي محمد اللخمي، ومنها (اللباب في تهذيب الأنساب) لابن عز الدين ابن الأثير الجزري المتوفى سنة 603، و(لب الألباب في تحرير الأنساب) للسيوطي، وهو اختصار للكتاب السابق وزاد فيه أشياء. وهكذا اهتم العلماء بكل شيء يتعلق بالرواة حتى بِبُلدانهم وأوطانهم.

error: النص محمي !!