Top
Image Alt

الإجماع

  /  الإجماع

الإجماع

المصدر الثالث من مصادر التشريع: الإجماع:

وتعريفه: اتفاق مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد وفاته في عصر من العصور على أمر من أمور الدين، أو هو اتفاق جميع المجتهدين من المسلمين في عصر من العصور بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم على حكم شرعي في واقعة معينة، ومعناه في وضع اللغة: الاتفاق والإزماع وهو مشترك بينهما، والإجماع يدخل في أصول الدين لتعضيد الأدلة وتقويتها، ولقطع الشغب ورفع احتمال الخطأ الذي قد يتطرق إلى الظنيات. ودليله: استدل العلماء على حجية الإجماع بالكتاب والسنة؛ أما الكتاب فالآيات التالية:

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] ولفظ الأمر معناه الشأن وهو عام يشمل الأمر الديني والأمر الدنيوي، وأولو الأمر الدنيوي وهم الخلفاء والولاة، وأولو الأمر الديني وهم المجتهدون وأهل الفتيا، فإذا أجمع المجتهدون على حكم وجب اتباعه بنص القرآن، كما قال سبحانه وتعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115] فجعل من يخالف سبيل المؤمنين قرين من يشاقق الرسول صلى الله عليه وسلم في الذم والعقاب. وسبيل المؤمنين: ما اتفقوا عليه من الأحكام. وأما من السنة فقد روي ((لا تجتمع أمتي على ضلالة)) وصح موقوفًا: “ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن”.

وذلك لأن اتفاق جميع هؤلاء المجتهدين على حكم واحد في الواقعة مع اختلاف أنظارهم والبيئات المحيطة بهم، وتوافر عدة أسباب لاختلافهم دليل على أن وحدة الحق والصواب هي التي جمعت كلمتهم، وغلبت عوامل اختلافهم، والحكم الذي اتفقت عليه آراء المجتهدين في الأمة الإسلامية هو في الحقيقة حكم الأمة ممثلة في مجتهديها، وإجماع العلماء على حكم الحادثة حجة مقطوع بها، وإذا أجمع أهل عصر على شيء كان إجماعهم حجة ولا يجوز إجماعهم على الخطأ.

إن الإجماع على حكم شرعي لا بد أن يكون قد بني على مستند شرعي؛ لأن المجتهد الإسلامي له حدود لا يسوغ له أن يتعداها، وإذا لم يكن في اجتهاده نص فاجتهاده لا يتعدى تفهم النص ومعرفة ما يدل عليه، وإذا لم يكن في الواقعة نص فاجتهاده لا يتعدى استنباط حكمه، بواسطة قياسه على ما فيه نص، أو تطبيق قواعد الشريعة ومبادئها العامة، أو بالاستدلال بما أقامته الشريعة من دلائل؛ كالاستحسان أو الاستصحاب أو مراعاة العرف أو المصالح المرسلة.

وإذا كان اجتهاد المجتهد لا بد أن يستند إلى دليل شرعي؛ فاتفاق المجتهدين جميعا على حكم واحد في الواقعة دليل على وجود مستند شرعي يدل على هذا الحكم؛ لأنه لو كان ما استندوا إليه دليلًا ظنيًّا لاستحال عادة أن يصدر عنه اتفاق؛ لأن الظني مجال حتما لاختلاف العقول، ولذلك اتفقت كلمة الأمة على وجود الإجماع، كما أنه صح عند جميع العلماء، أما المخالفون فهم قلة من أهل الأهواء والبدع، فقد نسب إلى الخوارج الخلاف في حجية الإجماع وقال به أذنابهم في العصر الحديث، وهؤلاء وأولئك قد نشئوا بعد إجماع الأمة على حجية الإجماع حتى صار ضرورة دينية، فمن خالف ذلك فلا يكون لرأيه وزن. والإجماع نوعان:

الأول: الإجماع القطعي وهو القولي المشاهد أو المنقول بعدد التواتر، والأحكام الثابتة بهذا النوع على ضربين:

  • أحكام معلومة من الدين بالضرورة انعقد عليها إجماع العامة والخاصة؛ كوحدانية الله تعالى وربوبيته وأحقيته بالعبادة، ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم وكونه خاتم النبيين، ووجوب الصلاة والزكاة ونحو ذلك من أصول الشرائع والعبادات، وحكم مخالفة هذا الإجماع أنها كفر لا شك فيه.
  • أحكام تثبت بإجماع المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ونقلت بالتواتر؛ كتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وتحريم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك، ومنكر هذا يكفر لأن في إنكاره إنكار حكم شرعي ثبت بدليل قطعي.

الثاني: الإجماع الظني كالإجماع السكوتي وما ندر مخالفه والمنقول بالآحاد، ومنكره يفسق أو يبدع ولكنه لا يكفر. ويكون الإجماع حجة إذا تحققت فيه أركان أربعة:

  1. بأن أحصي في عصر من العصور بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم جميع من فيه من مجتهدي المسلمين، على اختلاف أجناسهم وأوطانهم.
    1. وعرضت عليهم واقعة معينة لمعرفة حكمها الشرعي.
    1. وأبدى كل مجتهد رأيه صراحة في حكمها بالقول بأن أفتى في الواقعة، أو بالفعل بأن قضى فيها بقضاء، سواء أكانوا مجتمعين في حال إبداء الرأي أم كانوا منفردين.
    1. واتفقت آراؤهم جميعًا على حكم واحد في هذه الواقعة.

فإذا تحققت هذه الشروط كان هذا الحكم المتفق عليه قانونًا شرعيًّا، واجبًا اتباعه في كل العصور التي تأتي، ولا يجوز مخالفته ولا نسخه.

شروطه: اشترط جمهور الأصوليين فيمن ينعقد الإجماع بهم ستة شروط:

  1. اتصاف المجمعين بالعدالة؛ لأن النصوص الدالة على حجية الإجماع أثبتت أنهم شهداء على الناس، والشهادة لا تكون إلا من ذوي العدالة.
  2. ثبوت صفة الاجتهاد في المجمعين، سواء أكانت الأحكام من الفروع التي يختص بمعرفتها الخاصة من أهل الرأي كالتفصيلات في الأحكام، أم كانت مما يعرفه الخاصة والعامة كالصلوات الخمس.
  3. إجماع كل المجتهدين وخلاف الواحد الصالح للاجتهاد مانع كخلاف الأكثر.
  4. وجود عدد من المجتهدين في العصر الواحد، فلو لم يكن إلا مجتهد واحد في العصر لا يعتبر قوله إجماعا.
  5. وأن يكون اتفاقهم على الحكم الشرعي إما صراحة بالقول كالفتيا، أو بالفعل كأن يتعامل المجتهدون جميعًا في عصر بالمساقاة، وإما اعتبارًا كأن يذكر البعض حكمًا شرعيًّا ويسكت عنه الآخرون مع العلم به.
  6. ألا يرجع أحد منهم عن رأيه.

وأما إمكان انعقاد الإجماع: فلقد زعم بعض الظاهرية وبعض الشيعة والخوارج أن الإجماع لا يمكن انعقاده عادة؛ لأنه من المتعذر -أولًا- معرفة جميع المجتهدين في عصر من العصور، ومن المتعذر -ثانيًا- الوقوف على آرائهم في واقعة معينة وهم متفرقون في قارات مختلفة. ولكن جمهور العلماء رأوا إمكان انعقاده وأنه انعقد فعلًا. ومثلوا لذلك بانعقاد الإجماع على خلافة أبي بكر، وتحريم شحم الخنزير، وتوريث الجدات السدس، وحجب ابن الابن من الإرث بالابن، وأجمعوا على أن المأموم إذا سها إمامه أن يسجد معه وليس على من سها خلف الإمام سجود، وأجمعوا على أن لا جمعة على النساء ولا الصبيان وإن صلوا أجزأ ذلك عنهم، وغير ذلك بكثير، وكتاب (الإجماع) للإمام ابن المنذر قد تضمن المسائل الفقهية المتفق عليها عند أكثر علماء المسلمين، فمن أراد المزيد فليرجع إليه.

وإن قيل: إن الإجماع في صدر الإسلام كان ميسرًا لأن المجتهدين كانوا معروفين جميعًا، ولم يكونوا قد تفرقوا بعد، وفي عصرنا الحالي أصبح عسيرًا لعدم معرفة المجتهدين وتفرقهم في البلدان. قلنا: بل أصبح في عصرنا الحالي أكثر تيسيرًا؛ لأن تقدم الوسائل العلمية المتعددة يمكن من دعوة من عندهم ملكة الفهم والاجتهاد وسعة العلم -في جميع بقاع الأرض- من الاجتماع في أي وقت، كما هو مشاهد في المؤتمرات الإسلامية الكبرى، ولا سيما إذا تولت مشروع الانعقاد حكومات إسلامية غيورة، تسعى لصالح الإسلام وتعمل لعزة المسلمين. 

error: النص محمي !!