Top
Image Alt

الإشهاد في عقد الزواج، وما يتعلق به من أحكام

  /  الإشهاد في عقد الزواج، وما يتعلق به من أحكام

الإشهاد في عقد الزواج، وما يتعلق به من أحكام

معنى الشهادة:

الشهادة لغة: اسم من المشاهدة، وهي الاطلاع على الشيء عيانًا، قال تعالى عن أولاد يعقوب عليه السلام : {وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا} [يوسف: 81]، أي: بما عايناه من إخراج صواع الملك من رحل يوسف، وقال ابن فارس: الشهادة الإخبار بما قد شُوهد؛ فيقال: شهدتُ الشيء اطلعت عليه وعاينته؛ فأنا شاهده، والجمع شهود وأشهاد، وشهدت المجلس حضرته، قال تعالى: { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]، أي: من كان حاضرًا في الشهر غير غائب.

الشهادة في الاصطلاح: هي أحد إطلاقات اللغة لها؛ وهو الإخبار؛ ولذلك فقد عرف المالكية الشهادة بأنها: إخبار عدل حاكمًا بما علم ولو بأمر عام؛ ليحكم بمقتضاه.

ثانيًا: حكم الإشهاد على الزواج: اتفق جمهور الفقهاء على أن الإشهاد على عقد الزواج شرطٌ فيه، وإن اختلفوا في نوع شرطيته، هل هو شرط صحة، أو شرط جواز؟

فذهب الحنفية إلى أنه شرط جواز للعقد، أي: إن النكاح لا يجوز انعقاده إلا بالإشهاد عليه، وذهب المالكية إلى أنه شرط صحة في النكاح، ولم يشذ من بين أهل العلم سوى أبي ثور الشافعي؛ حيث قال: يصح عقد الزواج وإن لم يحضره شهود، فليست الشهادة شرط صحة، ولا شرط تمام للعقد، فعل ذلك الحسن بن علي؛ فقد تزوج بغير شهادة، ثم أعلن النكاح، وقاسه أبو ثور على عقد البيع في عدم اشتراط الشهادة، وممن قال بعدم اشتراط الإشهاد في عقد الزواج، الشيعة الإمامية؛ بل هو مستحب عندهم.

ثالثًا: دليل اشتراط الإشهاد في عقد الزواج: استدل الجمهور على اشتراط الإشهاد بالسنة، والمعقول، أما السنة: فأحاديث كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل))، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن بغير بينة))، دل الحديث الأول على أن الشهادة شرط في عقد الزواج، ولا زواج بدونها؛ ولأن قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل))، يدل على أنه لا نكاح صحيح إلا بهذا؛ لأن وقوع النكاح بدون الإشهاد عليه ممكن حدوثه لكن إذا وقع؛ فلا قيمة له شرعًا؛ فالنفي في الحديث يتوجه إلى المعنى -وهو الصحة، أو الجواز- لا إلى الذات، أي: حصول العقد، والمعنى: لا نكاح صحيح، أو جائز شرعًا إلا بشاهدي عدل.

يؤكد الحديث الثاني المعنى السابق ويقويه؛ فالحديث الثاني يرويه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو وصف المرأة التي تتزوج بغير بينة بأنها بغي، أي: زانية؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن بغير بينة))، فهذا دليل على اشتراط الشهادة في الزواج، ويؤيده ما روي عن ابن عباس أيضًا، في الحديث الصحيح، من قولهصلى الله عليه وسلم: ((لا نكاح إلا ببينة)).

دليل الجمهور من المعقول:

إنّ عقد الزواج عقدٌ دائم، وتترتب عليه آثاره مالية وغيرها كالإرث والنفقة، وحرمة المصاهرة، وإنجاب النسل، وقد يعتريه الجحود والإنكار في يوم ما؛ فتضيع الحقوق، فكان من الضروري الإشهاد على هذا العقد الخطير، وحتى لا يضيع نسب الولد فقد يجحده أبوه، وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء؛ لدفع تهمة الزنا عن المرأة، ولا تندفع التهمة إلا بالشهود.

الرد على أبي ثور، والشيعة الإمامية -في قولهم بصحة الزواج بغير إشهاد، أو إعلام: مع أن أبا ثور من الشافعية؛ إلا أنّ الشافعية قد تصدوا له بالرد والإبطال؛ لقوله: بأن الزواج يصح بغير إشهاد، أو إعلام، وقد أبطلوا قوله بالسنة، والمعقول؛ أما السنة: فالأحاديث التي مرت في استدلال الجمهور، والتي تشترط حضور شاهدين على العقد، وكذا قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا نكاح إلا بأربعة: خاطب، وولي، وشاهدين))، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا بد في النكاح من أربعة: الولي، والزوج، والشاهدين))، فجملة هذه الأحاديث تؤكد اشتراط الشهود في عقد الزواج، وإذا كان في بعضها ضعف، أو كلام فضمها بعضها إلى بعض يؤيد المعنى ويؤكده؛ لأنه يعضد بعضها بعضًا.

وأما المعقول؛ فهو ما سبق للجمهور عامة من خطورة هذا العقد، وما قد يعتريه من جحود وإنكار، وأما قياس عقد الزواج على عقد البيع في أنه لا يشترط فيه الإشهاد؛ فهذا قياس غير سديد؛ لأن البيع المقصود منه المال، وهو أمرٌ لا خطورة في فواته كالأبضاع، أما النكاح؛ فإن المقصود منه بعد المال الاستمتاع، وطلب الولد وما إليهما، وهذه أمور مبناها على الاحتياط؛ فإذًا كان لا بد من الإشهاد على عقد الزواج.

الرأي الراجح: والأولى بالترجيح، هو رأي جمهور الفقهاء؛ وهو ضرورة الإشهاد على عقد الزواج، وأنه بدون الإشهاد يكون باطلًا؛ لأهمية هذا العقد وخطورته، أما كلام أبي ثور، فإنه لا يلتفت إليه؛ لمخالفته السنة الصحيحة، وللإجماع الذي جرى عليه السلف والخلف، وعدم قبول كلامه شرعًا وعقلًا.

error: النص محمي !!