Top
Image Alt

الإعلام الإسلامي

  /  الإعلام الإسلامي

الإعلام الإسلامي

أولًا: مقدمات في الإعلام: ويشتمل على:

أ. تعريف الإعلام الإسلامي:

الإعلام الإسلامي: هو تزويد الجماهير بصفة عامة بحقائق الدين الإسلامي، المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بصورة مباشرة، أو غير مباشرة، من خلال وسيلة إعلامية دينية متخصصة، أو عامة، وبواسطة قائم بالاتصال تكون لديه خلفية واسعة ومتعمقة في موضوع الرسالة التي يتناولها؛ وذلك بغية تكوين رأي عامٍّ صائبٍّ، يعي الحقائق الدينية، ويدركها، ويتأثر بها في معتقداته وعباداته ومعاملاته.

والمفروض أن الإعلام يقوم على الوضوح والصراحة، ودقة الأخبار مع ذكر مصادرها، كما أنه يشترط الالتزام بمعايير الصدق والأمانة، فالإعلام: هو تزويد الجماهير بأكبر قدر ممكن من المعلومات الصحيحة، والحقائق الواضحة، التي يمكن التثبت من صحتها أو دقتها بالنسبة للمصدر الذي تنبع منه، أو تنتسب إليه.

وبقدر ما في الإعلام من حقائق صحيحة، ومعلومات دقيقة، منبثقة من مصادر أمينة؛ بقدر ما يكون هذا الإعلام سليمًا وقويًّا؛ لذلك نجد أن الصحف والإذاعاتِ، وغيرها من أجهزة الإعلام، تحرص دائمًا على ذكر المصادر التي استقت منها الأخبار، مثل وكالات الأنباء أو غيرها من المصادر؛ حتى يكون الجمهور على بينة من الأمر.

ب. الإعلام قديم قدم الإنسان:

لقد عرف الإعلام إلى كل البيئات، واحتل مكانه في كل العصور، ذلك أن مطالب الإنسان لا تقتصر على تزويده بالحاجات المادية: كالطعام والشراب والمأوى، ولكنها تتعدى ذلك إلى رغبته في الاتصال بأمثاله من ذوي البشر، وتعتبر هذه الرغبة في الاتصال، من المطالب الأساسية التي أصبحت ضرورة حيوية للحفاظ على الجنس البشري.

والإعلام لم يكن وليد عصر من العصور أو حضارة من الحضارات؛ فلا يوجد مجتمع من المجتمعات مهما تفاوتت درجة تقدُّمه أو تخلُّفه، كما لا يوجد زمن من الأزمنة قديمًا كان أو حديثًا أو وسيطًا، إلا واحتل الإعلام مكانة فيه؛ ذلك لأن الإنسان بطبيعته لا يستطيع الاكتفاء بأخباره الشخصية فقط، أو أخبار المجتمع المحدود الذي يحيا بداخله: كمجتمع القرية أو القبيلة أو الأسرة؛ ذلك أنه من الصعب أن تسير الحياة دون أن يتصل الناس بعضهم ببعض.

وقد كان الإنسان في المناطق النائية -كما كان العربي في الصحراء على سبيل المثال- يعرف بخبرته وتجاربه الضيقة مواضع الكلأِ، ومنابع المياه، ومطالع النجوم الذي يهتدي بها السائرون في البر والبحر، كما يعرف -بطريقة بدائية أيضًا- أخبار القبائل المجاورة من قبيلته، وطبيعة هذه القبائل، وعاداتها وتقاليدها، ونوع العلاقات التي بينها وبين القبائل المجاورة، وكانت لديه معلومات حصل عليها بهذه الوسيلة، وتركزت أهم وظائف الإعلام في ذلك الوقت، في تبليغ المنشورات والأوامر التي كانت يصدرها الحاكم أو السلطان، كما كانت الدعوة العامة إلى الجهاد إحدى الوظائف الأساسية للإعلام في ذلك الحين.

وهكذا عرفت المجتمعات البدائية الإعلام بأساليبه البسيطة الأولى، وكان الإنسان يمارس الإعلام بطرق فطرية لم يبذل فيها مجهودًا كبيرًا: كالحفر على الأحجار والأشجار، والمناداة في الطرق أو من أعلى الجبال والتلال، وعلى ظهر الدواب أو من أعلى المآذن والمنابر.

والفرق بين الإعلام في العصور التي أشرنا إليها الآن، والإعلام في العصر الحديث: هو ما استحدثته المدنية من مخترعات غيرت شكل العمل الإعلامي، وجعلت الحكومات توليه من الاهتمام ما لا يقل عن اهتمامها بأهم المرافق الأخرى في الدولة: كمرفق الصحة، أو المواصلات، أو الجيش، أو غير ذلك، ووضعت من الخطط ورصدت له من الإمكانيات ما يتناسب مع أهميته، وأصبح الإعلام علمًا له نظريات ونظمه، وارتقى إلى مستوى العلوم الحديثة: كالطب، والهندسة؛ بل إن الإعلام في العصر الحاضر أصبح ملزَمًا بأن يسبق ويواكب ويلحق بأي مشروع تنوي الدولة القيام به؛ بهدف إقناع المواطنين بجدوى هذا المشروع؛ حتى يتم له النجاح المأمول، وبذلك أصبحت كلمة “إعلام” في هذه الأيام كلمة شائعة ومألوفة يرددها الكثيرون.

وهكذا أصبح للإعلام قوة تأثير في العصر الحديث، وغدت مختلف الحكومات تضعه في اعتبارها دائمًا، وأصبح الإنسان في كل يوم وفي كل مكان: سواء في العمل أو في المنزل أو في الشارع، يعتمد على وسائل الإعلام كمصادر رئيسية للحصول على معلوماته.

جـ. أهداف الإعلام:

إن الهدف من الإعلام، هو تزويد الناس بالأخبار الصحيحة والمعلومات السليمة والحقائق الثابتة، التي تساعدهم على تكوين رأيٍ صائب في واقعة من الوقائع أو مشكلة من المشكلات؛ بحيث يعبر هذا الرأي تعبيرًا موضوعيًّا عن عقلية الجماهير وميولهم واتجاهاتهم.

وهذا يعني: أن الغاية الوحيدة من الإعلام هي توسيع مدارك الجماهير، عن طريق تزويدهم بالمعارف، وإقناعهم بأن يسلكوا سلوكًا معينًا، ولا يتم إقناع الجمهور بالرسالة الإعلامية إلا بتزويده بالمعلومات والحقائق والأرقام والإحصاءات وغير ذلك.

ويشترط لتقديم الأرقام والإحصاءات أن تكون كاملة غير منقوصة، أي أن التحريف أو العبث في الأرقام والإحصاءات والحقائق والمعلومات لا يخدم أهداف الإعلام، ولكنه يحقق أهداف المغرضين، الذين يقومون بهذا الزيف أو العبث؛ لغاية في نفوسهم، على حين أن رجل الإعلام -بالمعنى الصحيح- يجب أن يقدم الأرقام الصحيحة والإحصاءات الدقيقة في الموضوع الذي يريد أن ينقله إلى الآخرين.

فالهدف من الإعلام إذًا: هو توصيل فكرة معينة إلى المرسل إليه، وهو إما فرد أو جماعة أو شعب، وهذا واضح غاية الوضوح، ولا بد من التأكيد على ذكر هذه الأهداف في الإعلام؛ حتى يتنبه المشتغلون بالإعلام إليها، وحتى يكون الإعلام سليمًا صادقًا صحيحًا دقيقًا، لا يقدم معلومات كاذبة ولا يقدم أهواء عند بعض الناس يريدون أن ينشروها، وما إلى ذلك مما نشاهد بعضه في العصر الحاضر.

د. مكانة الإعلام في الإسلام:

وهذه نقطة مهمة؛ لأن حديثنا يدور ويتعلق بالإسلام، ونحن نتحدث عن ميادين الدعوة الإسلامية، وعن الإعلام كوسيلة من وسائل تبليغ دعوة الله -تبارك وتعالى- إلى الناس، وما ذكرناه آنفًا من مقدمات، يخدم ما نشير إليه في هذه النقطة؛ فمكانة الإعلام في الإسلام مهمة للغاية، فعلى الرغم من أن الإعلام بأجهزته ووسائله ونظرياته وتقنياته الحديثة كان غير معروف وقت نزول الوحي على صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم، إلا أنه بتطبيق المقاييس العلمية الحالية على الدور الملقى على عاتق الدعوة الإسلامية.

ونستطيع أن نقول: إن الإعلام كان -ولا يزال- أداة هذا الدين ودعامته الرئيسية، ولم نتجاوز الحقيقة -إذا سمينا الأشياء بمسمياتها الصحيحة- حين نقول: إن الدين الإسلامي دين دعوة، والدعوة عمل إعلامي، بكل ما تحمل هذه العبارة من معنى في أذهان أساتذة وخبراء الإعلام والاتصال بالجماهير؛ ذلك أن الدعوة ما هي إلا عمل إعلامي يخاطب العقل ويستند إلى المنطق والبرهان، ويعمل على الكشف عن الحقيقة.

وإذا استعرضنا التعريف العلمي للإعلام؛ نجد أنه يكاد يكون متطابقًا مع مفهوم الدعوة بمعناها الأصيل: فالإعلام هو تزويد الناس بالأخبار الصحيحة، والمعلومات السليمة، والحقائق الثابتة؛ بهدف تكوين رأي عام صائب في واقعة من الوقائع، أو حادثة من الحوادث، أو مشكلة من المشكلات.

وتتضح لنا مكانة الإعلام في الدين الإسلامي من خلال استعراضنا للحقائق الإعلامية الحديثة والحقائق الدينية الثابتة، التي تؤكد المكانة المرموقة والأهمية البارزة للعمل الإعلامي في الإسلام، ومن هذه الحقائق:

1. الحياة الإعلامية الحافلة، التي عاشها رسول الإسلام محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم والداعي الأول لهذا الدين، قد حقق منجزات مذهلة في حقل الدعوة الإسلامية؛ وذلك استجابة لنداء ربه، وتحقيقًا للمهمة التي كلفه به، وقد أنجز الرسول صلى الله عليه وسلم في عشرين عامًا من حياته، ما عجزت عن إنجازه قرون من جهود غيره.

وعلى الرغم من أنه كان أمام الرسول صلى الله عليه وسلم تراث أجيال من الوثنية، والجهل والخرافات، واضطهاد الضعفاء، وكثرة الحروب بين القبائل، ومئات من الشرور الأخرى، إلا أنه استطاع صلى الله عليه وسلم بحياته الدعوية والإعلامية، أن يوصل دين الله -تبارك وتعالى- إلى عدد كبير من الناس، وأن يحمل أتباعه هذا الدين؛ كي يبلغوه إلى الناس ولم يُقْبَضْ صلى الله عليه وسلم إلا وقد وصل صوته إلى آفاق بعيدة من العالم، وقد أرسل في ذلك رسلًا وكتبًا، ووقف في مواقف متعددة يدعو الناس إلى رب العزة والجلال سبحانه وتعالى.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: كيف أنجز الرسول صلى الله عليه وسلم كل هذا في هذا الزمن القياسي؟!

ويجيبنا القرآن الكريم عن هذا السؤال من واقع المهمة التي كلف الله بها رسوله الكريم، وهي مهمة إعلامية بالدرجة الأولى، فقد حدد الله تعالى له هذه المهمة في كلمات دقيقة واضحة لا تحتمل لبسًا أو غموضًا، وذلك في عديدٍ من الآيات الكريمة، كما في قوله تعالى: {يَأَيّهَا النّبِيّ إِنّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشّراً وَنَذِيرا (45) وَدَاعِياً إِلَى اللّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مّنِيراً} [الأحزاب: 45- 46]، وتؤكد هذه الآية أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان داعيًا للإسلام؛ فالدعوة إلى دين الله كانت مهمته الرئيسية التي كلفه ربه بها.

ويحدد الله عز وجل مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم في سورة المائدة، في قوله: {فَإِن تَوَلّيْتُمْ فَاعْلَمُوَاْ أَنّمَا عَلَىَ رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ} [المائدة: 92] والبلاغ هنا: هو الأخبار أو الإعلام برسالة الحق -جل وعلا، وقد قال الله عز وجل في نفس السورة: {يَـَأَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رّبّكَ وَإِن لّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ} [المائدة: 67].

ويتضح لنا من هذه الآيات، أن مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم هنا، مقصورة على إعلام الناس بالرسالة التي كلفه بها ربه، ثم هو -بعد ذلك- غير مكلف بشيء أكثر من هذا، وغير مسئول عن هدايتهم، ولم يطلب منه ربه فرض دعوته على الغير، ويؤكد ذلك قول الحق -تبارك وتعالى-: {إِنّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـَكِنّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} [القصص: 56].

أي أن مهمة رسول الله صلى الله عليه وسلم مركزة في التبليغ والدعوة فقط، قال الله له: {لّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـَكِنّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} [البقرة: 272]، وقال -جل وعلا-: {فَإِنّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} [الرعد: 40]  وقال: {فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاّ الْبَلاَغُ} [الشورى: 48].

فهل بعد استعراضنا للآيات الكريمة، نستطيع أن نجادل في أن المهمة التي حملها الرسول صلى الله عليه وسلم على عاتقه كانت مهمة إعلامية بالدرجة الأولى، تقوم على الإقناع وليس على الإكراه، تعتمد على الكلمة الطيبة والدعوة بالحسنى.

2. تتأكد لنا المكانة السامية التي يتبوؤها العمل الإعلامي في الإسلام أيضًا؛ إذا أدركنا أن المهمة الإعلامية لم تكن مقصورة على صاحب الرسالة وحده صلى الله عليه وسلم، أو على الدعاة المتخصصين والمتفرغين لشئون الدعوة الإسلامية فقط؛ ولكن هذه المهمة تمتد لتشمل المسلمين جميعًا؛ ذلك: أن الله سبحانه وتعالى قد كلف بها كل مسلم عاقل؛ والمقصود بالدعوة إلى الله: الدعوة إلى دينه وإبلاغ رسالته إلى الناس.

إن المهمة الإعلامية هي التي ميز الله بها أمة الإسلام على سائر الأمم الأخرى، وذلك انطلاقًا من قول الله عز وجل: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 110]، ولن يتأتى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا حينما يأخذ كل مسلم على عاتقه أداء المهمة الإعلامية التي كلفه بها ربه، ألا وهي الدعوة إلى الله، والتي فضل الله بها الذين يتصدرون لها وميزهم وقربهم إليه عمن سواهم، وفي ذلك يقول سبحانه: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمّن دَعَآ إِلَى اللّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السّيّئَةُ ادْفَعْ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنّهُ وَلِيّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقّاهَا إِلاّ الّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقّاهَآ إِلاّ ذُو حَظّ عَظِيمٍ} [فصلت: 33- 35].

3. الذي يبين مكانة الإعلام في الإسلام- هو: أن التقصير في تحمل المسئولية الإعلامية الإسلامية؛ يعني عدم الامتثال لأوامر الله -تبارك وتعالى- وهذا ينذر بغضب من الله عز وجل وبسوء العاقبة لأصحابه: قال تعالى: {إِنّ الّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيّنَاتِ وَالْهُدَىَ مِن بَعْدِ مَا بَيّنّاهُ لِلنّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ (159) إِلاّ الّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التّوّابُ الرّحِيمُ} [البقرة: 159، 160].

ويظهر من هذا أن المسئولية الإعلامية في الإسلام تلقي على كاهل كل مسلم ضرورة أن يتفقه في أمر دينه، وتدفعه إلى البحث والدرس؛ لمعرفة ما لم يكن يعرفه، فإذا كان مطلوبًا منه أن يدعو إلى دين ربه؛ فإن عليه أن يسعى إلى معرفة أصول وأحكام هذا الدين، بقدر ما تسمح له بذلك قدراته وإمكاناته؛ حتى لا يقع في ما لا يحمد عقباه.

4. وهي الحقيقة الرابعة، التي تؤكد مكانة الإعلام في الإسلام وأهميته، وهي تتمثل في تكريم الله سبحانه وتعالى للعلماء، والتأكيد على أنهم يتمتعون بمنزلة أرفع من منزلة غيرهم من المسلمين العاديين، ذلك أن الله -جل شأنه- قد كرم العلماء ورفع منزلتهم؛ لأنهم ورثة الأنبياء في الدعوة إلى دينه وهداية الناس إلى طريق الخير.

هـ. من أبرز خصائص الإعلام الإسلامي ومميزاته:

للإعلام الإسلامي خصائص كثيرة، من أبرزها:

1. أن الإعلام الإسلامي يعمل في مجال العقيدة بالدرجة الأولى، وهذا يختلف عن مجال الأخبار والمعلومات، التي قد تتفوق فيه وسائل الاتصال الجماهيرية، ذلك: أن هذا المجال يتطلب المواجهة المباشرة بين المرسل والمستقبل؛ بما لا يسمح للمستقبل بتجاهل هذا المرسل الذي أمامه، وقد مارس الرسول صلى الله عليه وسلم الاتصال الشخصي، بل إن الاتصال الشخصي هو أول خطوة من خطوات العمل الإعلامي الكبير الذي قام به والتزم به رسول الهدى والرحمة صلى الله عليه وسلم إلى أن توفاه الله -تبارك وتعالى.

وكان في ممارسته لهذه الوسيلة لا يفرق بين غني وفقير، أو أبيض وأسود، أو قوي وضعيف، ومن أبرز الشواهد على اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الوسيلة واعتماده عليها واهتمامه بها ما يلي:

الاتصالات التي كان يجريها مع أصدقائه وخلصائه وأفراد أسرته، في مراحل الدعوة الأولى، والرسل الذين بعث بهم إلى الملوك والأباطرة، في الممالك المجاورة بعد عودتهم من صلح الحديبية في العام السادس الهجري، حاملين معهم رسائله وتعليماته إلى هؤلاء الملوك؛ يدعونهم فيها للإسلام، وأيضًا لقاءاته الشخصية صلى الله عليه وسلم مع أفراد القبائل التي تفد إلى مكة في مختلف المواسم، وأشهرها لقاؤه مع طائفة من أهل الخزرج في يثرب؛ حيث تمت على إثر هذه المقابلة البيعة الأولى، والتي كانت مقدمة لهجرته إلى المدينة فيما بعد.

ونشير هنا إلى رحلته صلى الله عليه وسلم الشهيرة إلى الطائف، لعله يجد هناك من يستجيب لدعوته من أهل ثقيف -سادة القوم هناك- ولكنه صلى الله عليه وسلمعانى من عنتِ هؤلاء القوم، وصدهم عن دعوته، واضطهادهم له، معاناة شديدة، وكان الهدف من وراء كل ما فعل صلى الله عليه وسلم هو نشر العقيدة الصحيحة.

2. من خصائص الإعلام الإسلامي: القدوة الحسنة:

القدوة الحسنة طريق يجب أن يسلكه من يتصدى للإعلام الإسلامي في أي موقع؛ حتى لا تأتي أفعاله متناقضة مع أقواله، قال الله -تبارك وتعالى- محذرًا من ذلك: {أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ} [البقرة: 44], وإذا تعود وتزود دعاة الإسلام بهذه الصفة؛ فإنهم سيحققون الكثير ويختصرون الطريق ويوفرون على أنفسهم جهودًا كبيرة يمكن أن تضيع إذا فقد الداعي المسلم هذه الصفة، ذلك أن رجل الإعلام الديني أو الداعي المسلم في نظر الجماهير يمثل الدين، وعلى دعاة الإسلام أن يدركوا هذه الحقيقة.

فإلى جانب المواصفات اللازمة لخلق رجل الإعلام بصفة عامة، فإنه لابد أن يتصف رجل الإعلام الإسلامي -إضافة إلى ذلك- بصفات خاصة تجعله قدوة حسنة لجماهيره، وقد قال رب العزة والجلال: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} [الصف: 2 – 3]، وهذا يشير إلى أهمية هذه الخاصية، مما يؤكد أن القدوة الحسنة في حد ذاتها تعتبر واحدة من أهم الوسائل الإعلامية، وقد كانت نبينا صلى الله عليه وسلم مضرب الأمثال في هذا الصدد، وكان به من الصفات النبيلة ما تفيض به كتب السيرة، والتي كانت سببًا مباشرًا في دخول الكثيرين دين الإسلام، وهو الذي اشتهر بين قومه قبل نزول الوحي والرسالة بأنه الصادق الأمين، وهما صفتان يجب توافرهما في رجل الإعلام الإسلامي؛ حتى يكون موضع ثقة جماهيره واحترامهم له.

ثانيًا: الأجهزة الإعلامية الإسلامية المتخصصة:

هناك وسائل للأجهزة الإعلامية تفيد الدعوة الإسلامية، ويقوم على عاتقها نشر الإسلام والدعوة إليه، ومن هذه الوسائل:

أ. جهاز الدعوة بوزارات الأوقاف:

يعتبر جهاز الدعوة الإسلامية بوزارات الأوقاف واحدًا من أبرز أجهزة الإعلام الإسلامي، ووسائل الإعلام التي يمارس جهاز الدعوة الإسلامية نشاطه من خلالها كثيرة ومتعددة في داخل هذه الوزارة، منها:

الوسيلة الأولى: الوسائل الشفوية:

وتتمثل في الأشكال التالية:

1. خطبة الجمعة.

2. الدروس الدينية: التي تتم غالبًا ما بين صلاة المغرب والعشاء، أو في أوقات أخرى يتم تحديدها حسب طبيعة وظروف العمل في كل مسجد، كما يتم عقد هذه الدروس غالبًا بعد صلاة المغرب، وتكثر أكثر وأكثر في شهر رمضان، وتعقد هذه الدروس عادة في بيوت الله -تبارك وتعالى- أو في أماكن التجمعات المختلفة للناس.

3. الندوات والمحاضرات الدينية: سواء أكانت في المساجد أم خارجها في الأماكن العامة.

الوسيلة الثانية: الوسائل المطبوعة:  وهذه هي الوسيلة الثانية التي يمارس من خلالها جهازُ الدعوة الإسلامية في وزارات الأوقاف عملَه الإعلامي:

وتتمثل في نشرات مطويات ومجلات وكتب وكتيبات تصدر في أوقات مختلفة، إلى جانب المكتبة الدينية التي توجد في معظم المساجد، وهي تسهم في نشر الثقافة الدينية، وتضم المصاحف والمراجع الدينية المختلفة: من كتب التفسير والحديث والسيرة النبوية والبطولات الإسلامية إلى غير ذلك، وكذلك النشرات والمجلات الدينية ويختلف حجم وثقل هذه المكتبات باختلاف درجة المسجد ومكانته ودوره في المنطقة التي يخدمها، وتعمل هذه المكتبات لخدمة غرضين:

الغرض الأول: نشر الثقافة الدينية لدى الجماهير.

الغرض الثاني: تعميق الثقافة والفكر لدى أئمة وخطباء المساجد.

وفي المساجد أيضًا يتم مقارئ للقرآن الكريم، وهي إحدى الوسائل الإعلامية؛ بل نقول: إن القرآن الكريم من أهم الدعائم التي يقوم عليها الإعلام الإسلامي، وأكثرها فعالية لدى الرأي العام، ذلك: أنه دستور الإسلام، وتنتشر مقارئ كثيرة للقرآن الكريم التابعة لجهاز الدعوة الإسلامية بوزارات الأوقاف في بلدان العالم الإسلامي وفي المساجد التابعة للوزارة.

ب.  محطات إذاعة القرآن الكريم:

محطات إذاعة القرآن الكريم من أبرز الوسائل السمعية للإعلام الإسلامي، وهي تحقق الأهداف التالية:

  1. إذاعة القرآن الكريم بطريقة مرتبة من مشاهير القراء.
  2. التزود بمعاني الخير والفضيلة والتقوى والصلاح وغير ذلك من الآثار العميقة، التي يحدثها دوام الاستماع إلى القرآن الكريم.
  3. حفظ القرآن الكريم من التحريف الذي تقوم به بعض الجهات المغرضة والمعادية للإسلام.
  4. تزويد المستمعين بالثقافة القرآنية المختلفة من برامج تدور حول القرآن الكريم، باعتباره مصدر الحياة الدينية للإنسان المسلم.
  5. ربط المستمع عن طريق تقدم نماذج له في حياته التي يعيشها، من خلال القصص والأمثال التي بالقرآن الكريم، ومن خلال التوجيهات والأحاديث النبوية الشريفة.
  6. نشر الثقافة القرآنية باعتبارها أساسًا للسلوك الإنساني القويم، ومنبعًا لتوجيه جميع عناصر الثقافة الإسلامية، فمحطات إذاعة القرآن الكريم إذًا لها أهداف عظيمة ومكانة جليلة، وهي منتشرة وموجودة في بلاد العالم الإسلامي -ولله الحمد والفضل- وتعمل في غالب البلاد الإسلامية على مدار اليوم نهارًا وليلًا.

جـ. القنوات التلفزيونية:

للإعلام المرئي دور كبير بين عموم الناس اليوم، وقد برزت في العصر الحاضر قنوات فضائية متعددة، وكثرت وانتشرت بشكل سريع وكبير، ولها دورها وأثرها في عموم الناس، وقد تنبه المسلمون إلى أهمية هذه القنوات؛ فأنشئوا قنوات فضائية كثيرة تبث الخير للعالم أجمع، وما زال المسلمون إلى يومنا هذا يحتاجون إلى بذل مزيدٍ من الجهد في استغلال هذه الوسيلة الإعلامية الكبيرة، التي وصلت اليوم إلى كل بيت، وإن كان هناك قنوات متخصصة في تعليم الدين الإسلامي تعليمًا صحيحًا على منهج السلف الصالح وأهل السنة والجماعة، ولكن أيضًا نحتاج إلى المزيد.

ونشير في هذا الصدد إلى قناة المجد الفضائية، التي تحتوي اليوم تسع قنوات فضائية، تغني المسلم عن أن يسمع غيرها مما يحتاج إليه: ففيها بث إخباري، وفيها عمل إعلامي جيد، وتوجيه برامج للأطفال، إلى جانب ما يتعلق بمسائل الدين والشريعة من دروس علمية متخصصة، بل فيها أكاديمية علمية يمكن أن تخرج رجال يحملون شهادات علمية متقدمة، وهي في الحقيقة تسير بخطى ثابتة؛ لتحقيق أهداف نبيلة، وأهم ما يميز هذه القناة صفاؤها واعتناؤها، واهتمامها بنشر عقيدة السلف الصالح، ولا زلت أكرر وأطلب المزيد وأناشد المسئولين في الدول الإسلامية أن يهتموا بهذه القنوات، وأن يجعلوا منها أداة خير وبركة، تنشر الخير للعالم أجمع.

إننا -معشر المسلمين- بحاجة إلى أن نحمل هذا الدين إلى البشرية كلها، ويجب أن يحتل العمل الإعلامي النبيل مكانةً في نشر هذا الدين الإسلامي؛ لخطورة وأهمية هذا العمل ألإعلامي ولانتشاره في كل مكان؛ ولإقبال الناس عليه؛ فيجب أن تجند الطاقات، وأن تخلص الهمم؛ سواء أكان ذلك على مستوى الأفراد أم الجماعات أم الهيئات، فالمسئولية على الجميع أن يهتم وأن يعتنوا بهذا الأمر غاية الاعتناء.

وأيضًا -وأذكر هذا من باب تبليغ الدعوة وإبراء الذمة أمام رب العزة والجلال سبحانه- أناشد المسئولين في الإعلام في جميع بلاد العالم الإسلامي أن يخلصوا عملهم لله -تبارك وتعالى- وأن تكون قنواتهم وبرامجهم نظيفة خالية مما يثير الشهوات، أو يدفع إلى الشبهات؛ لأننا في الحقيقة في عصرٍ يوجد فيه صراع كبير بين الخير والشر، وبين الحق والباطل.

د. المجلات الدينية المتخصصة:

الصحافة الدينية واحدة من أهم وسائل الإعلام الإسلامي المتخصصة والمباشرة؛ ذلك أنها تتناول مختلف الموضوعات، وتتميز بما تتميز به مختلف الوسائل المطبوعة من خصائص إعلامية، وهي قدرتها على الاحتفاظ بالمعلومات التي لديها أطول مدة ممكنة، وبالتالي؛ فهي تتيح فرصة للقارئ أن يطلع على المطبوع أكثر من مرة، لكي يثبت أو يتثبت من بعض النقاط التي يود أن يركز عليها.

والمطبوعات، هي وسائل الإعلام الوحيدة التي يستطيع القارئ الاطلاع عليها في الوقت الذي يناسبه ويتفق مع ظروفه، وهذه الوسائل -أي: المطبوعات والمجلات الدينية المتخصصة- تمتاز بالقدرة على التصرف في محتوياتها في أي حجم وبأية تفصيلات تظهر الحاجة إليها؛ ومن هذا المنطلق، فهي أفضل وسيلة لتقديم الموضوعات الدينية الطويلة والآراء المتعددة والتفسيرات المطولة التي يمكن للإنسان العادي أن يحتفظ بها للرجوع إليها في الوقت الذي يحتاج أو يريد ذلك.

هـ. مكانة القرآن الكريم والحديث الشريف في الإعلام الإسلامي:

ونختم كلامنا بكلمات عن هذين المصدرين العظيمين، وفي الحقيقة هما الأساس الذي يقوم عليهما الدين الإسلامي.

القرآن الكريم:

القرآن الكريم هو المصدر الذي تعتمد عليه الدعوة الإسلامية في استقاء موضوعاتها، وفي تحديد أساليبها ومنهجها، ومنه تأخذ حججها وبراهينها، وهو الرافد الحيوي لدعاة الإسلام.

والقرآن الكريم هو الدستور الشامل الجامع المنظم لشئون المسلمين في الدنيا والآخرة، مصداقًا لقول الله -جل ذكره-: {مّا فَرّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} [الأنعام: 38]، فهو الرسالة الإعلامية المقدسة، معجزة الإسلام الخالدة، والمصدر الأول للتشريع، وأهم عوامل نجاح الرسالة الإعلامية الإسلامية؛ ذلك أن القرآن الكريم يحوي كل ما يهم المسلمين ويرد على تساؤلاتهم، كما أنه ينظم للرسول صلى الله عليه وسلم ولدعاة المسلمين من بعده أساليب الدعوة ومجالاتها وجماهيرها.

ولسنا هنا في معرض ذكر الميادين التي تناولها القرآن الكريم؛ ولكن رجل الإعلام الإسلامي سيجد فيه بغيته إذا أراد معالجة أي أمر من أمور المسلمين، فإذا كان -مثلًا- يعالج موضوع الجهاد في سبيل الله؛ فسيجد من آيات القرآن الكريم ما تعرضت له وحددت أصوله، وإذا أراد تناول قضية سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو علمية؛ فسيجد هذا الكتاب قد تعرض لها بصورة واضحة ومحددة، فهو إذًا، له مكانة إعلامية عالية ورفيعة.

أما الحديث الشريف:

فالأحاديث النبوية تلعب دورًا إعلاميًّا بارزًا في نشر الدعوة الإسلامية؛ وتتضح أهميتها الإعلامية في أنها جاءت في مجملها تأكيدًا وتفسيرًا للمعاني التي وردت في القرآن الكريم، وتتأكد القيمة الإعلامية الكبيرة للحديث النبوي الذي يتلوه المسلم في أنه جاء تبيانًا أو تخصيصًا لكثير من آيات القرآن الكريم التي جاءت مجملة أو مطلقة أو عامة.

فالقرآن الكريم -مثلًا- لم يبين تفاصيل الصلاة التي أمر الله بها مجملة، وجاء حديث النبي صلى الله عليه وسلم وفعله؛ فأوضح أوقاتها وكيفياتها، وحينما حرم القرآن الكريم الخمر؛ جاء الحديث الشريف فبين المراد بالخمر وما إلى ذلك.

كذلك تعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لكثير من الحوادث التي قضى فيها، وكثير من الأسئلة التي أجاب عنها، وكان صلى الله عليه وسلم ينطق بالحق ويتكلم بالصدق، وقد قال تعالى عنه: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىَ (3) إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَىَ} [النجم: 3 – 4].

ولذلك نقول: إن كل حديث من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم يعتبر شعارًا للإسلام، ويؤدي وظيفة مهمة إعلامية أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبلغها للأمة، وكان يشرح من خلال ذلك الآيات القرآنية، ويوجه الأمة الإسلامية إلى العقيدة الصحيحة والعبادات القويمة، وكيف أنها لا تقبل عند رب العزة والجلال إلا إذا اتبع المسلم فيها هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كما كان النبي صلى الله عليه وسلم بكلماته ورسائله وأفعاله دعوة إعلامية إلى الخير وإلى الهدى وإلى النور وإلى الضياء، فهو صلى الله عليه وسلممثال حي للسلوك الحسن وللخلق القويم وللرجل النبيل صلى الله عليه وسلم فحياته صلى الله عليه وسلم نموذج إعلامي كبير.

والشاهد من كل ذلك هو: دعوة عموم المسلمين وعموم الإعلاميين إلى الاعتناء بكتاب الله -تبارك وتعالى- وحديث النبي صلى الله عليه وسلم، وأن تكون الوسيلة الإعلامية التي يقومون بها مستمدة من هدي هذين المصدرين الكريمين، وبالتالي ستُقدم إلى العالم الإسلامي مادة صحيحة من خلال برامج إعلامية إسلامية متميزة.

ثالثًا: الإسلام في مواجهة الإعلام الكاذب: ويشتمل على:

أ. الحرب الإعلامية ضد الإسلام:

نعيش اليوم في عصر الحروب الإعلامية والصراع البارد لنشر الأفكار والمبادئ، ولقد كان هذا من ثمرات الحرب العالمية الثانية واكتشاف الأسلحة الرهيبة الجديدة، ولقد عرف العالم منذ وجد الإنسان صراع الخير والشر والحق والباطل، هذا الصراع الذي كان نتيجة لاختلاف البشر وتباين عقائدهم واختلاف مصالحهم، وحب كل منهم -إلا من رحم الله- للعلو في الأرض وتحصيل أكبر قد من الخير لنفسه ولو على حساب الآخرين، ورغبة كل منهم في إبعاد الشر عن نفسه ولو على رءوس الآخرين.

ولقد أرسل الله سبحانه وتعالى رسله إلى أهل الأرض مبشرين ومنذرين ومعلمين للناس طريق ربهم -تبارك وتعالى- ليعبدوا الله وحده دون سواه؛ وليقيموا العدل فيما بينهم، وقام الصراع بين حق وباطل: قام الصراع بين حق الرسل وأتباعهم، وباطل المكذبين ومن على شاكلتهم، وسيظل هكذا إلى قيام الساعة، كما قال الله سبحانه: {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاّ مَن رّحِمَ رَبّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 118، 119].

ولقد حارب البشر بعضهم بعضًا لاستلاب أموالهم واحتلال أراضيهم واستعبادهم، ولقد وجدوا أنفسهم في مأزق خطير بعد اختراع آلات الدمار الحديثة؛ ولذلك فكر هؤلاء الشياطين في حروب أخرى يصلون من خلالها إلى مآربهم، في استلاب خيرات الآخرين وعلوهم عليهم، وكانت هذه الحرب الجديدة هي الحرب الإعلامية؛ وهذه الحرب تزداد أهميتها يومًا بعد يوم للأمور التالية:

أولًا: أنها أصبحت بديلًا لا مفر منه للحروب التقليدية القديمة، فلقد كانت الحروب الساخنة هي الملجأ الذي يلجأ الأقوياء إليه؛ لفرض أفكارهم وعقائدهم أو سلطانهم أو احتلال أراضي الآخرين وسلب الخيرات التي بين أيديهم، ولقد تصارع الأقوياء في الأرض فيما بينهم تسابقًا على الفريسة وتسلطًا على الآخرين، واليوم وجد الأقوياء من الدولة الغاشمة أنهم على شفا الهلاك إن استخدموا ما بأيديهم من السلاح الذري وغيره ضد بعضهم البعض، في سبيل الاستعمار والسيطرة ونشر المبادئ والأفكار والأنظمة؛ ولهذا كان الإعلام بديلًا عن الحروب.

ثانيًا: لقد توسعت معاني الحرية الشخصية والسياسية في حياتنا الراهنة، وتبع ذلك كثرة المذاهب والأفكار والعقائد، ووجد كل مذهب وعقيدة وفكرة نفسه مرغمًا إلى إجادة فن الإعلان والدعاية؛ ليجد لنفسه مكانًا تحت الشمس في هذا العالم، وبذلك أصبحت الحرب الإعلامية من الأفكار والمبادئ قائمة على قدم وساق؛ ولذلك ازدهرت سوق الإعلام والدعاية.

ثالثًا: أن توق الناس ولهفتهم إلى جديد من الاختراعات المادية عودهم التبرم بالقديم والثورة عليه، وهيأ نفوسهم  إلى الاحتفال بالجديد دائمًا، وفي غمرة هذه الانقلابات الخلقية تجددت المفاهيم والقيم والعقائد تجدد النماذج الحديثة للمخترعات والسيارات والملابس، وهذا من ألوان وأنواع الحرب الإعلامية.

رابعًا: الوسائل الضخمة للإعلام التي يسرتها المخترعات الحديثة جعلت للدعاية والإعلام شيئًا آخر، فقد أصبح العالم الآن كقرية صغيرة أمام الموجات التي تنقل ليس الصوت فقط؛ بل الصوت الصورة؛ ولذلك تخطت الحروب الإعلامية الحدود السياسية لتدخل إلى عقر دار المخالفين بل إلى مخادع الزوجات.

وهكذا خلقت الآلات الحديثة كالراديو والتلفاز والصحافة عالمًا جديدًا هو عالم الصراع الفكري والإعلامي؛ لأن كل واحد يقدم ما لديه، وقد أشرنا سابقًا إلى أن الصراع بين الحق والخير أو بين الحق والباطل، والشر والخير قائمًا على قدم وساق.

والإسلام -كعقيدة ونظام يتصل بحياة الناس صغيرها وكبيرها- يجد اليوم نفسه في صراع رهيب مع هذه الأنظمة والعقائد والأفكار الكثيرة، التي تملأ الأرض شرقًا وغربًا، وقد سبق أعداء الإسلام إلى استخدام وسائل الإعلام المختلفة ضد دين الله -تبارك وتعالى- وقد تنبه المسلمون اليوم لذلك؛ فدخلوا في الميدان ولا بد من إتقان المواجهة ضد هؤلاء الأعداء: {وَاللّهُ مُتِمّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [الصف: 8].

ب. موقف المسلم من الحرب الإعلامية ضد الإسلام:

الشبهات والاعتراضات ضد الإسلام كثيرة ومتعددة، وهي مسموعة ومقروءة؛ ولأن هذه الشبهات والاعتراضات تشكل عند بعض الناس عقبة حقيقية، تمنعهم من الإذعان للإسلام والإيمان به والدخول في سلك المؤمنين؛ كان لا بد من رد علمي شامل لأصول هذه الشبهات؛ ولأن كثير من مثيري هذه الشبهات والاعتراضات لا يريدون بها إلا إشغال للمسلمين وإنهاكًا لقواهم وإهدارًا لإمكانياتهم ورفعتهم؛ كان الواجب أن يقابل هؤلاء بما أمر الله سبحانه وتعالى به حيث يقول: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً} [الفرقان: 63].

ونعني بذلك أن إشغال الأوقات بالردود على كل جاهل مضيعة للوقت؛ ولذلك لا بد من مسلكين ضروريين لكل داع إلى الله عز وجل، هذان المسلكان يعبران عن موقف المسلم من الحرب العدائية والإعلامية ضد الإسلام، وهما:

المسلك الأول: الرد العلمي الذي يعتمد على الدليل والبرهان لرد شبهات المضللين واعتراضات المعترضين.

المسلك الثاني: الصفح الجميل والإعراض بالحسنى عن جهالات الجهلاء، وسفاهة السفهاء، وكلا الموقفين ثابتان بالكتاب والسنة.

فدليل الموقف الأول: هو هذا الحشد الهائل من آيات القرآن الكريم؛ التي نزلت جميعها ردًّا على شبهات واعتراضات المشركين واليهود والنصارى، فلم يترك رب العزة والجلال سبحانه وتعالى شبهة لهم إلا وكشف زيفها وبطلانها، ولا اعتراضًا إلا ودمغ القائلين به بالحق.

من هذا على سبيل المثال: اتهام النبي صلى الله عليه وسلم بافتراء القرآن وقد قال تعالى ردًّا عليهم في ذلك: {قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} [هود: 13]، وقال -جل ذكره- للنبي صلى الله عليه وسلم مبينًا مكانته واستحالة أن يأتي بهذا الكتاب من عند نفسه؛ مشيرًا إلى بعض الأدلة التي يعرفها عنه من عرفه وعايشه وشاهده، وذلك فيما قال تعالى: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48] أي ما كنت قارئًا ولا كاتبًا حتى تنقل مثل هذه الإخبار عن الأمم السابقة.

وقال الله -تبارك وتعالى-: {قُل لّوْ شَآءَ اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [يونس: الآية: 16] أي: كيف أمكث فيكم أربعين سنة من عمري لا أنطق بكلمة من هذا ثم أبدأ في الكذب المطلق والافتراء على الله -تبارك وتعالى- وقول هذه الآيات التي لم يكن عندي علم بشيء منها قط.

وهكذا نجد أن الله -تبارك وتعالى- لم يترك مناسبة إلا وردَّ فيها على هذا الاعتراض الذي يتوجه إلى رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم أو من يشكك في أمانته وصدقه، وتحدى الله عز وجل المجادلين والمكذبين له أن يأتوا بدليل واحد يثبت دعواهم في كذب الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك لم يعد أمامهم إلا الإذعان أو الكفر والنكران؛ ولذلك قال الله -تبارك وتعالى- عن المكذبين: {فَإِنّهُمْ لاَ يُكَذّبُونَكَ وَلَـَكِنّ الظّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33].

وفي الاعتراض على البعث ناقشهم الله سبحانه وتعالى وآتاهم الدليل تلو الدليل لإثبات البعث والنشور؛ فقال لهم سبحانه وتعالى ما معناه أن البعث الذي تكذبون به لا يختلف عن النشأة الأولى التي تنسبونها إلى الله، وأن الذي تقرون له بخلق السموات والأرض -وهي أكبر من خلقكم- قادر على إعادتكم للحياة مرة ثانية بعد أن تموتوا، وأن إحياء الأرض بعد موتها لا يختلف عن خلق الحياة في الأجساد المَيْتَة، ثم إن الله سبحانه وتعالى قد أعاد إلى الحياة أناسًا وبهائمَ وطيورًا بأعيانها إلى الحياة مرة ثانية: كقتيل بني إسرائيل.

وهكذا في كل الشئون العقائدية والإيمانية جادل القرآن الكريم أرباب الشبهات، ودمغ باطلهم، وصدق الله في قوله: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 18].

وفي الأوقات التي يضعف فيها المسلمون يتعالى استهزاء الكفار بالإسلام وأهله، ويؤدبنا الله -تبارك وتعالى- في مثل هذه الأوقات بآداب الإسلام من الصفح الجميل والتذرع بالصبر والإعراض عن الجاهلين، والفزع إلى الصلاة والاستئناس في هذه الفرية بحب الله ومرضاته، وحسن التضرع إليه، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاّ بِالْحَقّ وَإِنّ السّاعَةَ لاَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصّفْحَ الْجَمِيلَ} [الحجر: 85]، وكون الساعة آتية أي أن كل مستهزئ سيبلغ جزاءه، وقال تعالى أيضًا: {وَاصْبِرْ عَلَىَ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً} [المزمل: 10]، وقال: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199].

وكل من لم يعرف ربه وخالقه وخالق هذا الكون، وفيما خلق، وإلى أين يسير؛ فهو جاهل، وما أكثر هؤلاء الجهلة في عصرنا الحاضر، وإن كانوا أمام الناس يحملون شهادات عليا، وهم في الحقيقة من أجهل الناس وأكفرهم، وذلك بجحودهم لخالقهم سبحانه وتعالى، وهل هناك أظلم قلبًا وأعمى فؤادًا ممن لم يعرف خالقه وربه، وهل هناك أشد غباوة وإثمًا مما لم يقدم شيئًا لآخرته ينجو به من عذاب الله وسخطه.

والشاهد أن مقابلة هؤلاء الجاهلين بالصبر والصفح الجميل أحيانًا، وبدمغ باطلهم والرد عليهم أحيانًا أخرى هو المنهج الرباني الذي يجب أن يلتزمه الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى، وعلى الدعاة أن يعلموا أن لكل حادث حديث، وبالتالي يظهر موقف الإسلام من الحرب الإعلامية الموجهة ضد الإسلام.

جـ. مسئولية المسلم الإعلامية:

إنه لجدير بالذكر أن نتحدث عن مسئولية المسلم الإعلامية؛ كي تقوم الأمة كلها بالدعوة إلى الله -تبارك وتعالى، ولم يخصص النبي صلى الله عليه وسلم أناسًا للوعظ والإرشاد وآخرين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو للدعوة والتعليم، وإنما جعل من كل مسلم داعية ومعلمًا وآمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر، وحمَّل أمانة تبليغ العلم لكل من حمل علمًا.

وبهذا عبَّأ صلى الله عليه وسلم المسلمين جميعًا إعلاميًّا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فَرُبَّ مُبلَّغ أوعى من سامع))، وقال: ((بلغوا عني ولو آية))، وقال: ((من رأى منكم منكرًا؛ فيلغيره بيده، فإن لم يستطع؛ فبلسانه، فإن لم يستطع؛ فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)).

وجاء القرآن الكريم كتاب الله ليعلن للمسلمين أنهم جميعًا أمة مرسلة، وأن شأنهم هو الدعوة إلى الله -تبارك وتعالى، فهم مسئولون عن تعليم الناس دين الله -تبارك وتعالى- كما قال -جل ذكره-: {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، وقوله تعالى: {مّنْكُمْ} هنا: ليس معناه التبعيض؛ بل معناه: ابتداء الغاية، كما هو معلوم في القواعد، أي: لتكونوا أمة يدعون إلى الخير، كأننا نقول مثلًا: ليكن منك رجل صالح، أي: لتكن أنت رجلًا صالحًا، وجاء أيضًا قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} أي:  هذه صفتكم، الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإيمان بالله.

ومعلوم أن الموصوف بصفة، لا يكون موصوفًا بها إلا إذا كانت ملازمة له، فإذا انفكت عنه؛ لم يوصف بهذا الوصف، ومعنى هذا: أن الأمة الإسلامية لا تكون خير أمة إلا بتحقيق هذه الأوصاف الثلاثة الآنفة.

وكذلك جاء قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً لّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}، والشهادة على الناس من لوازمها العلم بما عند الناس وإقامة الحُجَّةِ عليهم، ولا تقوم الحُجَّة إلا بالعلم والدعوة والجهاد والصبر.

وهكذا عبَّأ القرآن الكريم المؤمنين جميعًا للجهاد والدعوة، وحمل كل مسلم أمانة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحكم على الذي لا ينكر المنكر بوسيلة من وسائل الإنكار الثلاث: اليد واللسان والقلب، أنه ليس على شيء من الدين؛ بل جرده من أقل الإيمان المنجي من عذاب الله، وهو مقدار حبة الخردل، وبهذا جعل الله سبحانه وتعالى من كل فرد آمن مع الرسول صلى الله عليه وسلم داعية، ولم يحتج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يجعل فئة خاصة تتولى هذا الأمر. وهذه التعبئة الإعلامية جعلت من كل فرد حارسًا للشريعة، وقائمًا بأمر الله سبحانه وتعالى ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن عليكم ذلًا فلا يرفعه عنكم؛ حتى تعودوا إلى دينكم))، فجعل الذل نتيجة ترك جهاد الكلمة، وجعل العودة إلى جهاد الكلمة هو  العودة إلى الدين، فهل يقدر دعاة الإسلام اليوم جهاد الكلمة؟! وهل يعلم المسلمون أن الدعوة واجبة على كل فرد فيهم؟! وهل يعلم الذين يكتمون العلم ويشترون به الدنيا أن الله -تبارك وتعالى- قال فيهم: {إِنّ الّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَـَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاّ النّارَ وَلاَ يُكَلّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}؟!

error: النص محمي !!