Top
Image Alt

الإمامة وشروطها

  /  الإمامة وشروطها

الإمامة وشروطها

الفصل الثاني من فصول صلاة الجماعة، وفيه نتعرف على:

  • شروط الإمامة، ومن الأوْلى بالتقديم، وبعض الأحكام المتعلّقة بالإمامة.
  • هل تجوز صلاة الصبي، إمامته للآخَرين؟
  • هل تجوز الصلاة بإمامة الفاسق؟
  • هل تجوز إمامة المرأة؟

ولذلك قال ابن رشد: “وفي هذا الفصل مسائل أربع: المسألة الأولى: من هو أوْلى بالناس بالإمامة؟ المسألة الثانية: حُكم إمامة الصبي. المسألة الثالثة: حُكم إمامة الفاسق. المسألة الرابعة: إمامة المرأة”.

المسألة الأولى: أوْلى الناس بالإمامة:

أ. ما قاله ابن رشد:

يقول ابن رشد: “إنّ الفقهاء اختلفوا فيمن هو أوْلى بالإمامة:

فقال مالك: يؤمّ القومَ أفقهُهم، لا أقرؤهم. الفقيه: العالِم بأحكام الدِّين. والقارئ هو: الذي يعلم قراءات القرآن الكريم. وبه قال الشافعي أيضًا. إذًا مالك والشافعي على أنه يؤمّ القوم أفقهُهم.

وقال أبو حنيفة والثوري وأحمد: يؤمّ القوم أقرؤُهم، أي: أكثرهم جَودة في قراءة القرآن الكريم.

ب. ما قاله ابن قدامة:

يقول ابن قدامة في كتابه (المغني)، تحت مسألة قالها الخرقي: “ويؤمّ القومَ أقرؤُهم لكتاب الله سبحانه وتعالى”. قال ابن قدامة: “لا خلاف في التّقديم بالقراءة والفقه”.

تنبيه: ابن رشد ذكَر أن الفقهاء مختلفون على تقديم الفقيه أو تقديم القارئ؟

لكن ابن قدامة قال: لا خلاف في التقديم بالقراءة والفقه على غيرهما، لكن اختلف في أيّهما يقدّم على صاحبه؟ فمذهب أحمد -رحمه الله: تقديم القارئ، أي: الأجود قراءة. وبهذا قال ابن سيرين، والثوري، وأصحاب الرأي -يعني: أبو حنيفة وأصحابه.

وقال عطاء، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور: يؤمّهم أفقههم، إذا كان يقرأ ما يكفي في الصلاة؛ لأنه قد ينوبه في الصلاة ما لا يدري ما يفعل فيه إلَّا بالفقه؛ فيكون أوْلى، كالإمامة الكبرى والحُكم.

رجح ابن قدامة رأي الإمام أحمد -رحمه الله- ومعه أصحاب الرأي: في أنّ المقدّم هو الأجود قراءة، فيقول: “لنا ما روى أوس بن ضَمْعَج عن أبي مسعود، أنّ النبيصلى الله عليه وسلم قال: ((يَؤمّ القومَ أقرؤُهم لكتاب الله. فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلَمُهم بالسُّنّة. فإن كانوا في السُّنّة سواء، فأقدمُهم هجرة. فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمُهم سِنًّا)) أو قال: ((إسلامًا)).

وروى أبو سعيد أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا اجتمع ثلاثة، فلْيؤُمَّهم أحدُهم؛ وأحقّهم بالإمامة أقرؤُهم))، الحديثان رواهما مسلم. وعن ابن عمر قال: ((لمّا قدم المهاجرون الأوَّلون العُصْبَة -موضع بقباء- كان يؤمّهم سالم مولى أبي حذيفة، وكان أكثرهم قرآنًا))، رواه البخاري وأبو داود. مع أنه كان فيهم عمر بن الخطاب، وأبو سلمة بن عبد الأسد.

وفي حديث عمر بن سلمة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لِيؤُمّكم أكثرُكم قرآنًا)). ولأن القراءة ركن في الصلاة، فكان القادر عليها أوْلى، كالقادر على القيام مع العاجز عنه.

فإن قيل: إنما أمَر النبي صلى الله عليه وسلم بتقديم القارئ؛ لأن أصحابه كان أقرؤهم أفقهَهم؛ فإنهم كانوا إذا تعلّموا القرآن تعلّموا معه أحكامه؟ قال ابن مسعود: ((كنّا لا نُجاوز عشْر آيات حتى نَعرف أمْرَها ونهْيَها وأحكامها)).

قلنا: اللفظ عامّ، فيجب الأخذ بعمومه دون خصوص السبب، ولا يخصّص ما لم يكن دليل على تخصيصه. على أن في الحديث ما يُبطل هذا التأويل، فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((فإن استوَوْا، فأعلمُهم بالسُّنّة))؛ ففاضَل بينهم في العلْم بالسُّنّة مع تساويهم في القراءة. ولو قُدِّم القارئ لزيادة علْم، لما نقَلهم عند التساوي فيه إلى الأعلم بالسُّنة. ولو كان العلْم بالفقه على قدْر القراءة، للَزم من التساوي في القراءة التساوي فيه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أقرؤُكم أبَيُّ، وأقضاكم عليُّ، وأعلمُكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضُكم زيد بن ثابت)). فقد فضَّل بالفقه من هو مفضول بالقراءة، وفضّل بالقراءة من هو مفضول بالقضاء، والفرائض، وعلْم الحلال والحرام.

قيل لأبي عبد الله: حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((مُروا أبا بكر يُصلِّي بالناس))، أهو خلاف حديث أبي مسعود؟ قال: لا، إنما قوله لأبي بكر عندي يُصلّي بالناس بالخلافة. يعني: أن الخليفة أحقّ بالإمامة، وإن كان غيره أقرأَ منه. فأمْر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بالصلاة يدلّ على أنه أراد استخلافه.

ثم قال -ونحن نُجمل ما قال: “ويرجَّح أحَد القارئيْن على الآخَر بكثرة القرآن، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لِيؤُمّكم أكثرُكم قرآنًا)).

وإن تساويا في قَدْر ما يَحفظ كلّ واحد منهما، وكان أحدهما أجود قراءة وإعرابًا، فهو أولى؛ لأنه أقرأ؛ فيدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: ((يؤُمّ القومَ أقرؤُهم لكتاب الله)).

وإن كان أحدهما أكثر حفظًا، والآخَر أقلّ لحنًا وأجود قراءة، فهو أوْلى؛ لأنه أعظم أجرًا، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((مَن قرأ القرآن فأعرَبه، فله بكل حرف عشْر حسنات. ومن قرأه ولحَن فيه، فله بكل حرف حسَنة))، رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

ثم قال: “فإن استوَوْا فأفقهُهم”، وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلَمُهم بالسُّنّة))، ولأنّ الفقه يُحتاج إليه في الصلاة للإتيان بواجباتها، وسُننها، وجَبْرها إن عرَض ما يُحوِج إليه فيها.

فإن اجتمع فقيهان قارئان، وأحدُهما أقرأ والآخَر أفقه، قُدِّم الأقرأ؛ نصّ عليه الخبر. وقال ابن عقيل: قُدِّم الأفقه، لتميّزه بما لا يُستغنَى عنه في الصلاة. وهذا يخالف عموم الخبر.

وإن اجتمع فقيهان، أحدهما أعلَم بأحكام الصلاة، والآخَر أعرف بما سواها، فالأعلم بأحكام الصلاة أوْلى.

ثم قال: “فإن استوَوْا -أي: في القراءة والفقه- فأسنُّهم”، يعني: أكبرُهم سِنًّا يقدَّم عند استوائهم في القراءة والفقه. وظاهر قول أحمد: أنه يقدّم أقدمهما هجرة، ثم أسنّهما.

فإن استويا في الهجرة؛ لِهِجرتهما معًا أو عدمها منهما، فأسنّهما، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث وصاحبه: ((لِيؤُمّكما أكبرُكما))، متفق عليه. ولأن الأسنّ أحق بالتوقير والتقديم. وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سهم لما تكلّم في أخيه: ((كبِّرْ! كَبِّرْ!))، أي: دعِ الأكبر يتكلّم. وقال أبو عبد الله بن حامد: أحقّهم بعد القراءة والفقه، أشرفهم، ثم أقدمهم هجرة، ثم أسنّهم.

ثم قال تحت فصل آخَر: “فإن استوَوْا في هذه الخصال -أي: القراءة، والفقه، والهجرة، والسّن- قدِّم أتقاهم وأورعهم”؛ لأنه أشرف في الدِّين، وأفضل، وأقرب إلى الإجابة. وقد جاء: ((إذا أمَّ الرّجل القومَ وفيهم من هو خير منه، لم يزالوا في سفال))، أي: تدنٍّ؛ ذكره الإمام أحمد في (رسالته). ويُحمل تقديم هذا على الأشرف؛ لأن شرف الدِّين خير من شرف الدنيا.

“فإذا استووا في هذا كلِّه، أقرع بينهم”؛ نصّ عليه أحمد -رحمه الله- وذلك لأنّ سعد بن أبي وقاص أقرع بينهم في الأذان؛ فالإمامة أوْلى. ولأنهم تساووْا في الاستحقاق، وتعذّر الجمع، فأقرع بينهم كسائر الحقوق. وإن كان أحدهما يقوم بعمارة المسجد، وتعاهده، وخدمته، والإشراف عليه، فهو أحقّ به. وكذلك إن رضي الجيران واحدًا دون الآخَر، قُدِّم لإرضاء الجيران. ولا يُقدّم بحُسن الوجه، أو جمال الشكل أو المنظر؛ لأنه لا مدخل له في الإمامة، ولا أثر له فيها.

وهذه الأمور كلّها تقديم استحباب لا تقديم اشتراط ولا إيجاب، ولا نعلم في ذلك خلافًا. فالصلاة تصحّ لو تقدّم المفضول مع وجود الفاضل. فالأمر بعد هذا، أمر أدب واستحباب، لا أمر فرْض ولا إيجاب.

ج. سبب اختلاف الفقهاء:

يقول ابن رشد -رحمه الله: “السبب في هذا الاختلاف: اختلافهم في مفهوم قولهصلى الله عليه وسلم: ((يَؤمّ القومَ أقرؤُهم لكتاب الله. فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلَمُهم بالسُّنّة. فإن كانوا في السُّنة سواء، فأقدمُهم هجرة. فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمُهُم إسلامًا. ولا يؤمُّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته -أي: فراشه- إلَّا بإذنه))، وهو حديث متفق على صحّته، لكن اختلف العلماء في مفهومه. فمنهم مَن حمله على ظاهره، وهو أبو حنيفة. ومنهم من فهم مِن “الأقرأ” ههنا: الأفقه؛ لأنه زعم أنّ الحاجة إلى الفقه في الإمامة أمسّ من الحاجة إلى القراءة. وأيضًا فإنَّ الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه ضرورة، وذلك بخلاف ما عليه الناس اليوم.

ومِن هذا، نعلم: أنّ الأوْلى بالإمامة عند مالك والشافعي هو: الأكثر فقهًا، وأنّ الأوْلى بالإمامة عند أبي حنيفة وأحمد هو: الأجْود في القراءة. وكِلا الرأييْن صحيح، والأولويّة هنا ليست أولويّة إيجاب ولا فرض، ولكنها -كما قال ابن قدامة- أولويّة ندب، وأدب، واستحباب، وأفضلية، وإلا فالصلاة صحيحة لو تقدم المفضول وتأخّر الفاضل. الصلاة صحيحة، والجماعة صحيحة، والأجر عليها بسبع وعشرين أو بخمس وعشرين أيضًا صحيح. وكل ذلك جائز. وهذا من تيسير الإسلام، ومرونة الشريعة الإسلامية.

المسألة الثانية: إمامة الصّبِيّ.

هل يجوز للصبيّ أن يؤمّ الرجال الكبار؟ أو يؤمّ النساء؟ أو غير ذلك من المصلِّين؟ أو لا يجوز؟ يحكي ابن رشد -رحمه الله- اختلاف الناس في إمامة الصبي على النحو التالي:

اختلف الناس في إمامة الصبي الذي لم يبلغ الحُلُم إذا كان قارئًا: فأجاز إمامة الصبي قوم، لعموم حديث عمرو بن سلمة: أنه كان يؤمّ قومَه وهو صبيّ. والحديث رواه البخاري، وأبو داود، والنسائي. ومنع ذلك -أي: منع إمامة الصبي- قوم مطلقًا؛ سواء كان يجيد القراءة أو الفقه أو لا يُجيد.

وأجازه قوم في النّفل ولم يُجيزوه في الفريضة. وهو مروي عن مالك، وأحمد، وأبي حنيفة. أما الشافعي: فأجاز إمامة الصبي مُطلقًا.

أ. ما قاله ابن رشد:

يقول ابن رشد في ذلك: هل “يؤمّ أحد في صلاة غير واجبة عليه مَن وجبت عليه، وذلك لاختلاف نية الإمام والمأموم”. هذا هو السبب -يعني: مسألة فهْم- لأن الصلاة على الصبي ليست واجبة، والصلاة على المكلّف واجبة؛ فهل يؤمّ من ليست الصلاة واجبة عليه مَن وجبَتْ عليه -وهو: المكلّف- والنِّيّتان مختلفتان: نية عدم الوجوب على الصبي، مع نية الوجوب والتكليف على المكلف؟

ب. ما قاله ابن قدامة:

يقول ابن قدامة -رحمه الله- في إمامة الصبي: “ولا يصحّ ائتمام البالغ بالصبيّ في الفرض؛ نصّ عليه أحمد. وهو قول ابن مسعود، وابن عباس، وبه قال عطاء، ومجاهد، والشعبي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة”.

الرأي الثاني: أجازه -يعني: إمامة الصبي للبالغ في الفرض- الحَسن، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر. ويتخرَّج لنا مثل ذلك بناء على إمامة المتنفِّل للمفترض. يعني: هناك بالتخريج عند الحنابلة مثل ذلك.

ووجْه ذلك القول -جواز إمامة الصبي للبالغ: عموم قوله صلى الله عليه وسلم: ((يؤمّكم أقرؤُكم لكتاب الله سبحانه وتعالى))، وهذا داخل في عمومه. يعني: النبي صلى الله عليه وسلم لم يُحدِّد صبيًّا ولا بالغًا، المهمّ أن يكون أقرأ وأجود قراءة لكتاب الله سبحانه وتعالى. وروى عمرو بن سلمة الجرمي، أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لقومه: ((يؤمّكم أقرؤُكم)). قال: ((فكنت أؤمّهم وأنا ابن سبع سنين -هذا عمرو بن سلمة- أو ثمانِي سنين))، رواه أبو داود وغيره. ولأنه – أي: الصبي- يؤذِّن للرجال، فجاز أن يؤمّهم كالبالغ.

أذان الصبي، سبق أن تعرّضنا إليه وقلنا بجوازه؛ لأن البلوغ لا يُشترط في المؤذن، فكما يؤذِّن للرجال، يُصلي بهم إمامًا.

لكن ابن قدامة يردُّ على ذلك بقوله: “ولنا -في عدم صحّة ائتمام البالغ للصبي: قول ابن مسعود، وابن عباس، من الصحابة. ولأن الإمامة حال كمال، والصبي ليس من أهل الكمال؛ فلا يؤمّ الرجال كالمرأة”. أي: كما أنّ المرأة لا تؤمّ الرجال، فكذلك الصبي لا يؤمّ الرجال. ولأنه لا يؤمَنُ من الصبي الإخلال بشرط من شرائط الصلاة، كالطهارة، أو القراءة، أو نحو ذلك، حال الإسرار بالصلاة”.

ثم يُؤوِّل حديث عمرو بن سلمة الجرمي -الذي كان يصلي بقومه وهو ابن سبع سنين أو ثمان: “فأما حديث عمرو بن سلمة الجرمي، فقال الخطابي: كان أحمد يضعِّف أمرَ عمرو بن سلمة. وقال مرة: دعْه، ليس بشيء بيِّن. وقال أبو داود: قيل لأحمد: حديث عمرو بن سلمة؟ قال: لا أدري أي شيء هذا؟ ولعله إنما توقّف عنه؛ لأنه لم يتحقّق بلوغ الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه كان بالبادية في حيّ من العرب بعيد من المدينة. وقوَّى هذا الاحتمال قولُه في الحديث: ((وكنت إذا سجدت خرجَتْ اسْتِي)). وهذا غير سائغ”. تأويل هذا الحديث كلّه بهذا المعنى أو بهذه المعاني غير سائغ؛ لأن عمرو بن سلمة كان فعلًا في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم هو وقومه، وقال: ((يؤمّكم أقرؤُكم)).

ثم قال: “فأمّا إمامته في النّفل” يعني: إمامة الصبي للبالغ في النفل، كالتراويح، أو قيام الليل، أو العيديْن، أو نحو ذلك من النوافل “ففيها روايتان: إحداهما: لا تصحّ، لِما ذكَرنا في الفرض. والثاني: تصحّ؛ لأنه متنفِّل يؤمّ متنفِّلين. ولأن النافلة يَدخلها التخفيف، ولذلك تنعقد الجماعة به فيها إذا كان مأمومًا”.

ج. خلاصة الآراء في إمامة الصبي:

من هذا، يتبيّن لنا: أنّ إمامة الصبيّ فيها قولان:

القول الأوّل: أنها جائزة، ما دام يُجيد القراءة ويُحسنها، كما كان عمرو بن سلمة يفعل مع قومه. ونحن نرجِّح ذلك.

القول الثاني: أنّ إمامة الصبي غير جائزة للبالغ، كما هو عند الإمام أحمد، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة. ومنهم من فرّق بين الفريضة والنفل، فلم يُجز إمامة الصبي للبالغ في الفريضة، وأجازها في النفل.

المسألة الثالثة: إمامة الفاسق:

أ. تعريف الفاسق والفسق:

الفاسق هو: الذي يرتكب المعاصي، يقع في الكبائر من الذنوب والمعاصي، لكنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

تعريف الفسق: درجة وسَط بين الكفر -والعياذ بالله- وبين الإيمان والصلاح. الفاسق في ظاهره مسلم؛ لأنه يشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا رسول الله. ونحن لنا الظاهر، والله يتولّى السرائر. هل يجوز للفاسق أن يؤمَّ الصالحين؟ أو لا يجوز؟ وهل يجوز للصالحين أن يُصلّوا خلف الفاسق؟ أو لا يجوز؟ هل تكون صلاتهم صحيحة إذا صلّوْا خلْف الفاسق؟ أو لا تصح وتكون باطلة؟

ب. ما قاله ابن رشد:

يقول ابن رشد: “اختلفوا -أي: الفقهاء- في إمامة الفاسق:

الرأي الأول: “فردَّها قوم بإطلاق، منهم الإمام أحمد في أشهَر روايتَيْه”.

الرأي الثاني: “وأجازها قوم بإطلاق، ومنهم أبو حنيفة، والشافعي، لكن مع الكراهة”.

الرأي الثالث: “فرّق قوم بين أن يكون فسقُه مقطوعًا به أو غير مقطوع به؛ فقالوا: إن كان فسقُه مقطوعًا به أعاد الصلاةَ المصلي وراءه أبدًا؛ لأن الصلاة باطلة. وإن كان مظنونًا، استُحبّت له الإعادة في الوقت. وهذا الرأي اختاره الأبهري تأولًا على المذهب المالكي”.

الرأي الرابع: “ومنهم -من المالكية- من فرّق بين أن يكون فسقه بتأويل، أو يكون بغير تأويل. مثل: الذي يشرب النبيذ، ويتأوّل أقوال أهل العراق. فأجازوا الصلاة وراء المتأوِّل، ولم يجيزوها وراء غير المتأوِّل”.

نحن إذًا، أمام عِدّة آراء في إمامة الفاسق. من الفقهاء مَن منَعها مطلقًا. ومنهم مَن أجازها مطلقًا. ومنهم من فرّق بين أحوال الفاسق: إن كان فسقه مقطوعًا به لم تصحّ الإمامة، وإن كان فسقه غير مقطوع به صحّت الإمامة. أو إن كان متأوِّلًا صحّت إمامته، وإن كان غير متأوِّل لم تصحّ إمامته.

ج. ما قاله ابن قدامة:

يقول ابن قدامة في كتابه (المغني)، تحت مسألة: قول الخرقي:

“ومَن صلّى خلْف مَن يُعلن ببدعة -يُعلن أي: يُجاهر بها أو يَسكر، أعاد”. قال ابن قدامة: “الإعلان: الإظهار، وهو ضدّ الإسرار”. وظاهر هذا أنّ مَن ائتم بمن يُظهر بدعته، ويتكلّم بها، كالمُرابي، أو شارب الخمر، أو الزّاني، أو غير هؤلاء من مرتكبي الكبائر، ويدعو إليها، أو يناظر عليها، فعليه الإعادة. ومَن لم يُظهر بدعَتَه، فلا إعادة على المؤتمِّ به، وإن كان معتقدًا لها. قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: الرافضة الذين يتكلمون بما تعرف؟ أي: يرفضون إمامة أبي بكر وعمر على إمامة علي. فقال: نعم، آمُره أن يعيد. قيل لأبي عبد الله: وهكذا أهل البدع كلهم؟ قال: لا، إنّ منهم من يسكت، ومنهم من يقف ولا يتكلّم.

وقال: لا تصلِّ خلْف أحَد من أهل الأهواء إذا كان داعية إلى هواه. وقال: لا تصلِّ خلف المرجئ إذا كان داعية. وتخصيصه الداعية ومن يتكلّم بالإعادة دون من يقف ولا يتكلّم، يدلّ على ما قلناه. وقال القاضي: المُعلن بالبدعة: مَن يعتقدها بدليل، وهو الذي سمّاه ابن رشد: “المتأوِل”، وغير المُعلن: من يعتقدها تقليدًا.

قال ابن قدامة: “ولنا: أنَّ حقيقة الإعلان هو الإظهار، وهو ضد: الإخفاء والإسرار، قال الله سبحانه وتعالى: {وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} [النحل: 19]، وقال سبحانه وتعالى مُخبرًا عن إبراهيم: {رَبّنَآ إِنّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ} [إبراهيم: 38]. ولأن المظهر لبدعته لا عُذر للمصلي خلْفه لِظهور حاله. والمُخفي لها، مَن يصلّي خلفه معذور، وهذا له أثر في صحة الصلاة. ولهذا، لم تجب الإعادة خلْف المُحدِث، والنجس إذا لم يُعلمْ حالُهما، لخفاء ذلك منهما. ووجبت على المصلّي خلف الكافر والأمِّي، لِظهور حالِهما غالبًا”. فحصل من هذا، أنَّ من صلَّى خلْف مُبتدِع معلِن ببدعته، فعليه الإعادة. ومَن لم يُعلنها، ففي الإعادة خلفه روايتان.

ثم قال -أيضًا في تفصيل هذا الكلام: “فأمّا من يشرب من النبيذ المختلَف فيه ما لا يُسكره، معتقدًا حِلّه، فلا بأس بالصلاة خلْفه. وفي معنى شارب ما يُسكر: كلّ فاسق؛ فلا يُصلّى خلفه؛ نص عليه أحمد”. وذكر عدّة نصوص، وهذه النصوص تدلّ على: أنه لا يُصلّى خلف فاسق. وعنه رواية أخرى: أنّ الصلاة جائزة، ذكَرها أصحابنا، وهو مذهب الشافعي، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((صلُّوا خلْف مَن قال: “لا إله إلَّا الله”)). وكان ابنُ عمر يصلِّي خلف الحجاجِ، والحسينُ، والحسنُ -أي: أيضًا كانوا يصلّون خلْفه. وغيرهم من الصحابة كانوا يصلّون مع مروان. والذين كانوا في ولاية زياد وابنه كانوا يصلّون معهما. وصلّوا وراء الوليد بن عقبة -وقد شرب الخمر- وصلّى الصبح أربعًا، وقال: أزيدكم؟ فصار هذا إجماعًا.

فأمّا الجُمَع، والأعياد، فإنها تصلّى خلْف كلِّ بَرٍّ وفاجر. وقد كان أحمد يشهدها مع المعتزلة، وكذلك العلماء الذين في عصره. هذا من باب الضرورة، أمّا الصلوات الخمس، فلا ضرورة لأن تصلّى خلْف فاسق. أما تلك الصلوات التي يقوم بها الإمام أو مَن يُنيبه، فالناس مُضطرّون إلى الاقتداء بهم حتى لا تضيع عليهم الجمعة ولا العيد. وقد روينا أنّ رجلًا جاء محمدَ بن النضر فقال له: إنّ لي جيرانًا من أهل الأهواء لا يشهدون الجمعة؟ قال: حسبك! ما تقول فيمن ردَّ على أبي بكر وعمر؟ قال: رجل سوء. قال: فإن ردّ على النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال: يكفر. قال: فإن ردّ على العليِّ الأعلى؟ ثم غشي عليه. ثم أفاق، فقال: ردُّوا علي! والذي لا إله إلا هو، فإنه قال: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِذَا نُودِيَ لِلصّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَىَ ذِكْرِ اللّهِ} [الجمعة: 9]، وهو يعلم أنّ بني العباس سيَلُونها؛ ولأن هذه الصلاة من شعائر الإسلام الظاهرة، وتليها الأئمّة دون غيرهم، فترْكها خلْفهم يُفضي إلى ترْكها بالكُلِّية.

د. أسباب اختلاف الفقهاء في إمامة الفاسق:

وبعد هذا التفصيل الذي ذكره ابن قدامة -رحمه الله- نأتي إلى ابن رشد لنتعرّف على ما أورده من أسباب اختلاف العلماء في إمامة الفاسق. يقول:

“سبب اختلافهم في هذا: أنه شيء مسكوت عنه في الشرع، والقياس فيه متعارض. فمن رأى أنّ الفسق لمّا كان لا يُبطل صحّة الصلاة، ولم يكن يحتاج المأموم من إمامه إلَّا صحة صلاته فقط -على قول من يرى أنّ الإمام يَحمل عن المأموم- أجاز إمامة الفاسق”.

ومن قاس الإمامة على الشهادة، واتّهم الفاسق أن يكون يُصلِّي صلاة فاسدة، كما يُتّهم في الشهادة أن يكذب، لم يُجز إمامته. ولذلك فرَّق قوم بين أن يكون فسقُه بتأويل أو بغير تأويل. وإلى قريب من هذا، يرجع أيضًا مَن فرَّق بين أن يكون فسقُه مقطوعًا به أو غير مقطوع به؛ لأنه إذا كان مقطوعًا به، فكأنه غير معذور في تأويله. وقد رام أهل الظاهر أن يُجيزوا إمامة الفاسق بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: ((يؤمُّ القومَ أقرؤُهم))؛ قالوا: فلم يستثْنِ من ذلك فاسقًا من غير فاسق، ولا صبيًّا من بالغ. والاحتجاج بالعموم في غير المقصود ضعيف. ومنهم من فرَّق بين أن يكون فسقه في شروط صحّة الصلاة، أو في أمور خارجة عن الصلاة، بناء على أنّ الإمام إنما يشترط فيه وقوع صلاته صحيحة.

المسألة الرابعة: إمامة المرأة:

هل يجوز للمرأة أن تكون إمامًا في الصلاة؟ ولكن، إمامًا لمن؟ هل يجوز أن تكون إمامًا للرِّجال؟ هل يجوز أن تكون إمامًا للنساء؟ هل يجوز أن تكون إمامًا للصبيان؟ هذه المسألة اختلف فيها العلماء -كما ذكر ابن رشد، وابن قدامة- على النحو التالي:

أ. ما قاله ابن رشد:

قال ابن رشد: “اختلفوا في إمامة المرأة: فالجمهور على أنه لا يجوز للمرأة أن تؤمّ الرِّجال. ثم اختلفوا في إمامتها أيضًا للنساء، فأجاز الشافعي للمرأة أن تؤمّ النساء. ومنع ذلك مالك وأبو حنيفة وأحمد. كأنهم يقولون: لا تجوز إمامة المرأة مطلقًا، لا للرجال، ولا للنساء. هناك رأي غريب وعجيب، ولذلك قال عنه ابن رشد: إنه شاذّ. شذَّ أبو ثور، والطبري فأجازا إمامتها على الإطلاق. تكون إمامًا للرجال، وتكون إمامًا للنساء، وتكون إمامًا للصبيان.

ب. ما قاله ابن قدامة:

هذا الكلام الذي ذكره ابن رشد مجملًا، يُفصِّله ابن قدامة -رحمه الله- حيث يقول في كتابه (المغني)، يقول في مسألة الخرقي:

“وإن صلت امرأة بالنساء، قامت معهن في الصف وسطًا”. اختلفت الرواية، هل يستحب أن تصلّي المرأة بالنساء جماعة؟ فروي أنّ ذلك مستحب. وممّن روي عنه ذلك -أن المرأة تؤم النساء: عائشة، وأم سلمة، وعطاء، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور. وروي عن أحمد -رحمه الله- أنّ ذلك غير مستحب.

وكرهه أصحاب الرأي، وإن فعلتْ أجزأهنّ، أي: الصلاة والإمامة.

وقال الشعبي، والنخعي، وقتادة: لهن ذلك في التطوع دون المكتوبة، أي: الفريضة.

وقال الحسن وسليم بن يسار: لا تؤم في فريضة ولا نافلة.

وقال مالك: لا ينبغي للمرأة أن تؤمّ أحدًا؛ لأنه يُكره لها الأذان -وهو دعاء الجماعة- فكُره لها ما يُراد الأذان له.

ولم يذكر ابن قدامة ما ذكَره ابن رشد -رحمه الله- عن شذوذ الطبري، وأبي ثور في إجازة إمامة المرأة للرجال وللنساء. لكنه يستدل على جواز إمامة المرأة بقوله: “ولنا حديث أم ورقة. ولأنهن من أهل الفرض، فأشبهْن الرجال، أي: يُصلِّين في جماعة كما يفعل الرجال. وإنما كره لهن الأذان، لما فيه من رفع الصوت، ولسن من أهله”. إذا ثبت هذا -أي: صحة إمامة المرأة للنساء- فإنها إذا صلت بهنّ قامت في وسطهنّ، لا نعلم فيه خلافًا بين من رأى لها أن تؤمّ هنا.

ولأن المرأة يستحب لها التستّر، ولذلك لا يستحب لها التجافي. أي: فرز اليديْن أو الرِّجليْن أثناء السجود أو الركوع. وكونها في وسط الصف أستر لها؛ لأنها تستر بهنَّ من جانبيْها، فاستحبّ لها ذلك. فإن صلَّت بين أيديهن -يعني تقدَّمت كما يفعل إمام الرجال- احتمل أن يصحّ؛ لأنه موقف في الجملة، ولهذا كان موقفًا للرجل. واحتمل أن لا يصحّ؛ لأنها خالفت موقفها، أشبه ما لو خالف الرجل موقفه.

ثم قال: “وتجهر في صلاة الجهر، وإن كان ثَمّ رجال لا تجهر، إلَّا أن يكونوا من محارمها، فلا بأس. ويباح لهن حضور الجماعة مع الرجال؛ لأن النساء كنَّ يصلِّين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم “، كما جاء في رواية عائشة رضي الله عنها: ((كان النساء يُصلِّين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ينصرفن متلفِّعات بمروطهن، ما يُعرفْن من الغلَس))، متّفق عليه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، ولْيخْرُجْن تَفِلات)).

يقول ابن رشد -رحمه الله: “إنما اتفق الجمهور على منع المرأة أن تؤمّ الرجال؛ لأنه لو كان جائزًا لنُقل ذلك عن الصدر الأوّل -أي: الصحابة والتابعين. ولأنه أيضًا لمّا كانت سُنّتهنَّ في الصلاة التأخير عن الرجال -أي: أن يكنَّ في الصفوف الخلفية وراء الرجال- عُلم أنه ليس يجوز لهنَّ التقدّم عليهم -يعني: إذا كنَّ مأمومات- فعليهن أن يكنَّ في الصفوف الخلفية بعد المأمومين من الرِّجال، وبعد المأمومين من الصبيان. فكيف يجوز لهنَّ أو لإحداهنَّ أن تتقدَّم وتكون إمامًا للرجال؟!” يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أخِّروهنّ حيث أخَّرهُنّ الله))، رواه عبد الرزاق في “مصنّفه”.

ولذلك أجاز بعضهم إمامتها النِّساءَ؛ إذ كنَّ متساويات في المرتبة في الصلاة، مع أنه أيضًا نُقل ذلك عن بعض الصدر الأول.

ثم علَّل ابن رشد لِمَن أجاز إمامتَها، ولمَن منَعها، فقال: “ومَن أجاز إمامَتها، فإنما ذهب إلى ما رواه أبو داود، وصحَّحه ابن خزيمة، من حديث أمّ ورقة: ((أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزورها في بيتها، وجعل لها مؤذِّنًا يؤذِّن لها، وأمَرها أن تؤمّ أهل دارها)).

error: النص محمي !!