Top
Image Alt

الإيلاء، وما يتعلق به من أحكام

  /  الإيلاء، وما يتعلق به من أحكام

الإيلاء، وما يتعلق به من أحكام

تاريخ الإيلاء؛ معناه، ولفظه:

الإيلاء في اللغة: بمعنى الحلف؛ وهو اليمين، وكان هو والظهار طلاقًا في الجاهلية، وكان يستخدمه العرب بقصد الإضرار بالزوجة عن طريق الحلف بترك قربانها السنة فأكثر، ثم يكرر الحلف بانتهاء المدة، ثم جاء الشرع فغير حكمه، وجعله يمينًا ينتهي بمدة أقصاها أربعة أشهر، فإن عاد حنث في يمينه، ولزمته كفارة اليمين إن حلف بالله تعالى، أو بصفة من صفاته التي يحلف بها.

قال ابن عباس رضي الله عنه: “كان إيلاء أهل الجاهلية السنة، والسنتين وأكثر من ذلك، فوقته الله أربعة أشهر، فمن كان إيلاؤه أقل من أربعة أشهر فليس بإيلاء”، أي: إن الشرع أقره طلاقًا، وزاد فيه الأجل.

والأصل في تنظيم يمين الإيلاء، وحكمه: قول الله تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 226، 227]، وعدي الإيلاء في الآية بـ “من”، والأصل أن يتعدى بـ “على”؛ لأنه ضمن كلمة: “يؤلون”، معنى يعتزلون، أو معنى البعد؛ كأنه قال: يؤلون مبعدين أنفسهم من نسائهم، والفيء: الرجوع في اللغة، والمراد به في الاصطلاح: الجماع باتفاق أهل العلم.

والإيلاء حرامٌ عند الجمهور؛ للإيذاء، ولأنه يمين على ترك واجب، ومكروه كراهة تحريمية عند الحنفية.

الإيلاء شرعًا: الحلف بالله -تعالى- أو بصفة من صفاته، أو بنذر، أو تعليق طلاق على ترك قربان زوجته مدة مخصوصة، وهذا تعريف الحنفية، ويترتبُ عليه أنه لا يصح إيلاء الصبي، والمجنون، ويصح إيلاء الكافر؛ لأنه من أهل الطلاق.

وعَرّفه المالكية: بأنه حلف زوج مسلم مكلف ممكن الوطء بما يدل على ترك وطء زوجته، وغير المرضع أكثر من أربعة أشهر؛ سواء أكان الحلف بالله، أو بصفة من صفاته، أو بالطلاق، أو بمشي إلى مكة، أو بالتزام قربة، فالإيلاء يختص عن المالكية بالزوج المسلم لا الكافر، وبالمكلف البالغ، العاقل، لا الصبي، والمجنون، وبالممكن وطؤه، ولو سكرانًا، لا المجبوب، والخصي، والشيخ الفاني فلا ينعقد لهم إيلاء، كما لا إيلاء في المرضع؛ لما في ترك وطئها من إصلاح الولد، ولا إيلاء فيما دون الأربعة أشهر.

وعرفه الشافعية: بأنه حلف زوج يصح طلاقه على الامتناع من وطء زوجته مطلقًا، أو فوق أربعة أشهر؛ سواء في المذهب الجديد أكان حلفًا بالله، أو بصفة من صفاته، أو باليمين بالطلاق؛ كإن وطئتك فأنت أو ضرتك طالق؛ لأنه يمين يلزمه بالحنث فيها حق، فصح به الإيلاء كاليمين بالله عز وجل أو بنذر؛ كإن وطئتك فلله علي صوم، أو صلاة، أو حج، وذلك وفاقًا للمالكية، فلا يصح الإيلاء من الصبي، ولا من المجنون، ولا من المكره؛ لعدم صحة طلاقهم، ولا يصح أيضًا إيلاء من عنين، أو مجبوب؛ لأنه وإن صح طلاقهما فإنه لا يصح إيلاؤهما؛ لأنه لا يتحقق منهما قصد الإيلاء بالامتناع عن الجماع.

وعرفه الحنابلة: بأنه حلف زوج يمكنه الجماع بالله -تعالى- أو بصفة من صفاته، على ترك وطء امرأته الممكن جماعها، ولو كان الحلف قبل الدخول مطلقًا، أو أكثر من أربعة أشهر، أو ينويها؛ فلا يصح إيلاء من عنين، أو مجبوب؛ لعدم إمكان الجماع منهما، ولا الحلف بالطلاق ونحوه ولا بنذر، ولا إيلاء من رتقاء ونحوها.

ألفاظ الإيلاء:

الإيلاء إما بلفظ صريح، وإما بلفظ كناية، يدل على الامتناع من الجماع:

فمن الألفاظ الصريحة عند الحنفية، والمالكية؛ قول الزوج لزوجته: والله لا أقربك، أو لا أجامعك، أو لا أطؤك، أو لا أغتسل منك من جنابة ونحوه من كل ما ينعقد به اليمين، أو قوله: والله لا أقربك أربعة أشهر، حتى ولو كان الكلام موجهًا لحائض؛ لتعيين المدة، أو قوله عند الجمهور غير الحنابلة: إن قربتك فعلي حج أو نحوه، مما يشق فعله، أما ما لا يشق فعله؛ مثل: فعلي صلاة ركعتين فليس بمول عند الحنفية؛ لعدم مشقتهما، بخلاف قوله: فعلي مائة ركعة، فإنه يكون موليًا، أو قوله عند غير الحنابلة: إن قربتك فأنت طالق.

وعلى هذا؛ فالصريح عند الحنفية، لفظان: الجماع، والنيك.

وما يجري مجرى الصريح، ألفاظ ثلاثة: القربان، والمباضعة، والوطء. فهذا هو صريح الإيلاء عند الحنفية.

أما صريح الإيلاء عند الشافعية؛ فهو: الحلف على ترك الوطء، أو الجماع، أو افتضاض البكر ونحو ذلك.

والصريح عند الحنابلة، ثلاثة ألفاظ؛ وهي قوله: والله لا آتيك، ولا أدخل، ولا أغيب، أو أولج ذكري في فرجك، ولا افتضضتك وهذه للبكر خاصة.

وعندهم ألفاظ عشرة صريحة في الحكم، أو القضاء، ويدين فيها ما نواه عندهم فيما بينه وبين الله -تعالى- وهي: لا وطئتك، ولا جامعتك، ولا أصبتك، ولا باشرتك، ولا مسستك، ولا قربتك، ولا أتيتك، ولا باضعتك، ولا باعلتك، ولا اغتسلت منك؛ فهذه صريحة قضاء؛ لأنها تستعمل عرفًا في الوطء.

والجديد عند الشافعية: أن الحلف بألفاظ الملامسة، والمباضعة، والمباشرة، والإتيان، والغشيان، والقربان، والإفضاء، والمس، والدخول ونحوها، كنايات تفتقر لنية الوطء؛ لأن لها حقائق غير الوطء، ولم تشتهر اشتهار ألفاظ الوطء، والجماع، والإيلاء، وإفضاض بكر.

ومن ألفاظ الكناية التي تحتاج إلى نية عند الحنفية؛ أن يحلف بقوله: لا أمسك، لا آتيك، لا أغشاك، لا أقرب فراشك، لا أدخل عليك، ولو قال: أنت علي حرام فهو إيلاء إن نوى التحريم، أو لم ينو شيئًا، وظهار إن نواه، فإن نوى الكذب فهو إيلاء قضاء؛ لأن تحريم الحلال يمين، وهدر باطل ديانة.

وأما ألفاظ الكناية التي لا تكون إيلاءً إلا بالنية عند الحنابلة؛ فهي ما عدا الألفاظ السابقة الصريحة في حكم الصريح؛ كقول الزوج لزوجته: “والله لا يجمع رأسي ورأسك شيء”، و”لا قاربت فراشك”، و”لا آويت معك”، و”لا نمت عندك”، و”لأسوأنك”، و”لأغيظنك”، و”لتطولن غيبتي عنك”، و”لا مس جلدي جلدك” ونحوها؛ فإن أراد بها الجماع، واعترف بذلك كان موليًا، وإلا فلا؛ لأن هذه الألفاظ ليست ظاهرة في الجماع كظهور التي قبلها، ولم يرد النص لاستعمالها فيه، إلا أن هذه الألفاظ، نوعان: نوع منها يفتقر إلى نية الجماع، والمدة معه؛ وهي: لأسوأنك، ولأغيظنك، ولتطولن غيبتي عنك، فلا يكون موليًا حتى ينوي ترك الجماع في مدة تزيد على أربعة أشهر، وفي بقية الألفاظ يكون موليًا بنية ترك الجماع فقط.

لغة الإيلاء:

يصح الإيلاء بكل لغة؛ عربية، أوأعجمية سواء أكان المولي ممن يحسن العربية، أو لا؛ فيصح من عجمي بالعربية، ومن عربي بالعجمية إن عُرف المعنى، كما في الطلاق وغيره؛ لأن اليمين تنعقد بغير العربية، وتجب بها الكفارة، والمولي: هو الحالف بالله على ترك زوجته الممتنع من ذلك بيمينه.

error: النص محمي !!