Top
Image Alt

الإيمان بالأصول الأولى للتوراة والإنجيل فقط؛ لوقوع التحريف في الموجود منهما الآن، وبيان بعض المزايا للقرآن الكريم وهيمنته على الكتب السابقة

  /  الإيمان بالأصول الأولى للتوراة والإنجيل فقط؛ لوقوع التحريف في الموجود منهما الآن، وبيان بعض المزايا للقرآن الكريم وهيمنته على الكتب السابقة

الإيمان بالأصول الأولى للتوراة والإنجيل فقط؛ لوقوع التحريف في الموجود منهما الآن، وبيان بعض المزايا للقرآن الكريم وهيمنته على الكتب السابقة

1. وجوب الإيمان بأصول التوراة والإنجيل:

لقد بعث الله تعالى رسوله موسى بن عمران نبي الله، وكليمه إلى بني إسرائيل، وأنزل عليه كتابه التوراة فيها هدى ونور، كما ثبت في القرآن الكريم أن موسى عليه السلام طلب من ربه  عز وجل أن يرسل معه أخاه هارون لفصاحته, وأن موسى عليه السلام كلمه الله تعالى مباشرة من غير واسطة من الملائكة، وأوحى إليه التوراة، حتى صار يعرف موسى عليه السلام من بين سائر الرسل بالكليم؛ وذلك لقوله تعالى: {وَكَلّمَ اللّهُ مُوسَىَ تَكْلِيماً} [النساء: 164].

وبينما كانت الرسل يأتي إليهم الوحي من الله  عز وجل بواسطة الملائكة -والملك المُوَكّل بالوحي إلى الرسل هو جبريل عليه السلام, وقد ينزل معه بعض الملائكة، ولكن يكون ذلك بالتبعية لا الاستقلال- إلا أنه ثبت كلام الله  عز وجل مباشرة من غير واسطة لثلاثة, هم: كليم الله موسى عليه السلام وقد اشتهر بذلك؛ لأن الرسالة الموحى بها إلى موسى عليه السلام ثبت أنها أوحيت إليه كفاحًا من غير واسطة، وثبت التكليم كذلك بدون واسطة لنبي الله آدم أبي البشر، وذلك في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]، كذلك ثبت في قوله تعالى: {وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنّةَ} [البقرة: 35]، فثبت النداء هنا لآدم عليه السلام مباشرة من غير واسطة، والمكلم الثالث أيضًا من غير واسطة هو خاتم الرسل والأنبياء نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم, وذلك في ليلة المعراج عندما عرج به جبريل إلى السَّمَوَات السبع، وكلم الله  عز وجل وأوحى الله إليه الصلوات الخمس، فثبت التكليم هنا أيضًا لآدم عليه السلام, ولخاتم المرسلين والنبيين محمد صلى الله عليه وسلم.

وقد بلّغ موسى عليه السلام رسالته إلى قومه بني إسرائيل على أكمل وجه وأتمه، حتى أتاه اليقين من ربه صلى الله عليه وسلم، فيجب في شريعة الإسلام الإيمان بالأصول الأولى لكتاب الله تعالى التوراة؛ لأنها اشتملت على صدق وحقّ وعدل, ولهذا وصف الله تعالى التوراة بأنها اشتملتْ على الهدى والنور، قال تعالى: {إِنّآ أَنزَلْنَا التّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ} [المائدة: 44]، وفي آية أخرى من كتاب الله تعالى وُصفت التوراة بأن فيها حكمَ الله؛ قال تعالى: {وَكَيْفَ يُحَكّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ} [المائدة: 43].

وكثيرًا ما يردُ في القرآن الكريم في معرض جدال أهل الكتاب, أن الله تعالى يأمر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بأن يحتجّ عليهم بما في التوراة من الحقّ، الذي يخالف ما عليه أهل الكتاب. وهذا أكبر دليل على أن أصول التوراة كانت باقية، وفيها الحق والتوحيد، قال الله تعالى مخاطبًا نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم في إحدى المجادلات بينه وبين أهل الكتاب: {قُلْ فَأْتُواْ بِالتّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 93].

فأهل التوراة كتابيّون موحِّدون في الأصل؛ لأن أصل التوراة فيها التوحيد والإيمان, قبل أن تحرفها أيدي المحرفين من البشر.

وكما وجب الإيمان بأصول التوراة يجب أيضًا الإيمان بأصول الإنجيل، فلقد بعث الله نبيه عيسى عليه السلام رسولًا إلى بني إسرائيل، وأنزل عليه كتابًا أيّده به كما ثبت ذلك في القرآن الكريم، وكتاب عيسى عليه السلام اسمه الإنجيل، وهو أحد كتب الله المنزلة التي صرّح القرآن الكريم بأسمائها، قال الله تعالى: {وَيُعَلّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ} [آل عمران: 48]، وقال تعالى: {وَإِذْ عَلّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ} [المائدة: 110].

يقول الشيخ عبد القادر شيبة الحمد في كتابه (الأديان والفرق والمذاهب المعاصرة) في تعريف الإنجيل:

“الإنجيل كلمة يونانيّة معناها: البشارة، أما في الاصطلاح فيطلق على كتاب الله تعالى المنزّل على عيسى عليه السلام. وقد وصف الله -تبارك وتعالى- هذا الإنجيل بقوله  عز وجل : {وَقَفّيْنَا عَلَىَ آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لّلْمُتّقِينَ} [المائدة: 46]، بيد أن هذا الإنجيل لا وجود له عند النصارى، ولم يذكر أحد من علماء التاريخ أنه رأى نسخةً منه، ويبدو أن عيسى عليه السلام لم يكتبْه وإنما كان يبشّر به في بني إسرائيل، وقد وَرَدَ ذكرُهُ في الأناجيل التي أُلّفت بعد رفع المسيح عليه السلام؛ فقد ذكره متَّى في إنجيله في الإصحاح الرابع منه” انتهى كلامه -حفظه الله.

فممّا سبق يتّضح لنا أنه يجب الإيمان بأصول التوراة والإنجيل، المنزّلين على النبيّين الكريمين, موسى وعيسى -عليهما الصلاة والسلام.

أما الآن فقد لحق التحريف بهذين الكتابين، ومُدَّتْ إليهما أيدي الذين يبدّلون كتاب الله، ويشترون به ثمنًا قليلًا، ولم يبقَ لليهود ولا للنصارى شيء صحيح من الوحي يتمسّكون به في هذين الكتابين, ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ((آمنوا بالتوراة والإنجيل، وليسعكم القرآن)) أو كما قال صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذه الكتب السماوية السابقة لم يتكفّل الله  عز وجل بحفظها من التغيير والتحريف والتبديل؛ لأنها كانت رسالات لأمم مخصوصين، ولفترات زمنية محدّدة، فتنتهي بانتهاء تلك الأمة، ولعلّ هذا هو السر في تحريف وضياع أصول تلك الكتب.

ولأن هذه الرسالات، وهذه الكتب السماوية كانت الحكمة منها أن تنقذ أمة معينة من الضلال إلى الهدى والنور، ولأن هذه الرسالات لم تكن رسالة عامة لجميع الناس, صالحة لكل زمان ومكان كما هو الحال والشأن في رسالة الإسلام، رسالة خاتم النبيين والمرسلين محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

فهذه قد تكفّل الله تعالى بحفظها أولًا، وثانيًا أتتْ رسالة عامة لجميع البشر ولجميع الناس، ولكل زمان ومكان؛ فلذلك كانت قادرة على البقاء، وتكفُّل الله سبحانه وتعالى بحفظها يدلّ دلالة قوية على أنها لن تصلْ إليها أيدي المحرفين والعابثين, إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

إذًا: لم يتكفل الخالق سبحانه وتعالى بحفظ كتابٍ غير القرآن الكريم، فهو الكتاب السماوي الوحيد المحفوظ من التحريف والتبديل إلى يوم الدين؛ قال تعالى: {إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].

2. تحريف التوراة الموجودة الآن:

الكتب السماوية التي نزلت قبل القرآن أنزلت لأقوام معينين، ولفترة زمنية محدودة، ولم تنزلْ شريعة خالدة عامة؛ فلذلك لم يتكفّل الله  عز وجل بحفظها كما تكفل بحفظ القرآن الكريم، فضاعت أصول تلك الكتب وتغيّرت أحكامها؛ والتوراة فُقدت منذ زمن قديم وضاعت بسبب التنكيل، والنكبات التي مرّت ببني إسرائيل من قتلٍ وتشريدٍ، وتسليط الله عليهم من يسومهم سوء العذاب؛ جزاء بغيهم وإفسادهم في الأرض.

وعليه؛ فالتوراة الموجودة الآن محرفة، وليست هي التوراة التي أنزلت على نبي الله موسى بن عمران عليه السلام، وإنما هي مجموعة من الأسفار كتبها اليهود بأيديهم، ثم قالوا: هي من عند الله؛ ليشتروا بها ثمنًا قليلًا، قال تعالى: {فَوَيْلٌ لّهُمْ مّمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لّهُمْ مّمّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79].

ومن الأدلة على تحريف التوراة ما تضمّنته من عقائد فاسدة، وحكايات كاذبة، وتناقضات واضحة، وإفسادٍ للأخلاق، وتزويرٍ للأحكام، فالله سبحانه وتعالى نسبت إليه التوراة من صفات النقص ما يتنزّه عنه سبحانه وتعالى؛ فجعلته إلهًا خاصًّا ببني إسرائيل وهو سبحانه وتعالى ربّ العالمين، وصوّرته كالإنسان يتعب ويستريح, فتقول: إنه خلق السَّمَوَات والأرض في ستة أيام، ثم استراح في اليوم السابع يوم السبت -تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا. وقد ردّ الله على كذبهم وضلالهم بقوله  عز وجل : {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتّةِ أَيّامٍ وَمَا مَسّنَا مِن لّغُوبٍ} [ق: 38].

يقول الشيخ محمد أبو زهرة, في كتابه (محاضرات في النصرانية):

“الكتاب المقدس لدى النصارى يشمل التوراة والأناجيل ورسائل الرسل، وتسمى التوراة أسفار الموسوية وغيرها كتب العهد القديم، وتُسمّى الأناجيل ورسائل الرسل كتب العهد الجديد؛ فمن العهد القديم يعرفون أخبار العالم في عصوره الأولى وأجياله القديمة، وشرائع اليهود الاجتماعية والدينية”.

ثم ذكر التحريف الذي حصل للتوراة، وهي العهد القديم.

يقول الشيخ عبد القادر شيبة الحمد:

“اتفق المسلمون على أن التوراة قد دخلها تحريف وتغيير وتبديل، غير أن بعض العلماء يذهب إلى أن هذا التحريف لم يكن تحريفًا في حروف التوراة، وإنما كان في صرف المعاني التي جاءت بها التوراة إلى غير وجهها، وحملها على غير ما وُضعت له.

وسائر علماء المسلمين على أن التوراة قد دخلها تحريف في ألفاظها ومعانيها، وقد جاء التصريح بذلك في كتاب الله تعالى حيث يقول: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمّ يُحَرّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 75]، فدلّ هذا على أن التوراة كانت قد فُقِدَتْ، وأن الذي جاء بها هو حِلْقِيَا الذي سلّمها لِشَافَانَ الكاتب، وسلمها هذا بدوره إلى الملك.

على أن فقد التوراة أمر متفق عليه عند جميع بني إسرائيل؛ فقد أقرّ الجميع أنها فُقدت مع التابوت لما خرّب بُخْتنَصّر الهيكل، وفي بعض الأخبار أنه حرّق جميع نسخ التوراة، ونحن -المسلمين- نعتقد أن التوراة لم تحرّف تحريفًا كليًّا، وإنما وقع التحريف في بعض ألفاظها، وأن بعض الأحكام التي شرّعها الله لبني إسرائيل في التوراة لم تُبَدّل كرجم الزناة، والقصاص، وإن كان اليهود قد انْحَرَفُوا عن العمل بهذه الأحكام، فبدلّوا الرجم بتسويد وجه الزاني وتشهيره.

وكذلك بعض صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بَقِيَتْ في التوراة، وإن حاول اليهود كتمان كل صفة تدلّ عليه صلى الله عليه وسلم, ولهذا المعنى يطلب الله من بني إسرائيل العمل بالتوراة وتحكيمها؛ إذ إن هذا موافق لما جاء به محمدٌ صلى الله عليه وسلم، ونعتقد أن من التحريف ادّعاءهم أن العزير ابن الله، وقولهم: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الاُمّيّينَ سَبِيلٌ} [آل عمران: 75]، وكذلك ما وَصَفوا به بعض الأنبياء -عليهم السلام- كوصفهم ليعقوب بأنه صارع الرب جلّ وعلا، وكذكرهم أن لوطًا شرب الخمر، وزنى بابنتيه بعد نجاته إلى جبل صوغر، وكوصفهم لداود بأنه قَبُحَ في عين الرب، إلى غير ذلك، والله أعلم” انتهى كلامه حفظه الله.

ومن هنا نعتقد أن تحريف التوراة أمرٌ ثابت لا مرية فيه، والعقلاء من جميع الطوائف يؤكّدون ذلك ويصرّحون به؛ لأن هذه الأحكام الموجودة الآن بأيدي المتّبعين للتوراة كلها تُخالف شرع الله، فهي ضدّ التوحيد، وضدّ الأحكام الثابتة التي أقرتها رسالة الإسلام. يضاف إلى ذلك تاريخ ضياع هذا الكتاب، والتشريد والاضطهاد الذي لحق بأتباعه، والقصص التاريخية التي ثبت من خلالها أن بختنصر لما حكم على اليهود بالاضطهاد؛ حرّق الكتب التي كانت بأيديهم, التوراة.

3. تحريف الإنجيل الموجود الآن:

وأما الإنجيل وهو الكتاب المنزّل على نبي الله عيسى عليه السلام, والمعروف عند النصارى في الكتاب المقدس بالعهد الجديد -وسنذكر أنه عدّة أناجيل- فهو محرّف أيضًا مثل التوراة كتاب العهد القديم؛ حيث إن الإنجيل قد فُقِدَ واندثر لأمور منها -كما ذكرها صاحب كتاب (البيان في أركان الإيمان):

أولًا: الاضطهادات التي تعرّضت لها النصارى بعد المسيح عليه السلام, وكانت سببًا في اختفاء النسخة الحقيقية.

ثانيًا: أن عيسى عليه السلام كان رسولًا إلى بني إسرائيل, فرسالته محدّدة لقوم مخصوصين، والإنجيل الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على عيسى ابن مريم كتاب واحد، والإنجيل الموجود اليوم ليس إنجيلًا واحدًا؛ بل هو أناجيل كثيرة، وقد اتّفق النصارى على أربعة منها، وهي: إنجيل لوقا، إنجيل متّى، إنجيل مرقص، إنجيل يوحنّا.

فنحن أمام كُتُب أربعة وليس أمامنا كتاب واحد, وهذا أكبر دليل على التحريف؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يثبت أنه أنزل أناجيل على عيسى عليه السلام, وإنما الثابت أنه أنزل إنجيلًا واحدًا.

ثالثًا: أننا لم نجد إنجيلًا واحدًا يُنسب لعيسى عليه السلام, وإنما هي منسوبة إلى مؤلفيها من البشر؛ وهذا -لعمر الله- أكبر دليل وأقواه على أن هذه الأناجيل مكتوبة بأيدي البشر، وأن الإنجيل -الرسالة السماوية التي أنزلت على عيسى عليه السلام- حُرّف وبُدّل، وضيّع وفقد، وقد اختيرت هذه الأناجيل الأربعة من سبعين إنجيلًا، ومع ذلك فبينها اختلافات كثيرة، وتُسَمّى هذه الأسفار الأربعة: العهد الجديد.

ومما يدلّ على تحريف الإنجيل أن هذه الأناجيل الموجودة عبارة عن قصص، وروايات في سيرة المسيح عليه السلام تُنسب إلى مؤلفيها، وقد اشتملتْ على عقائد باطلة لا يقرّها دين ولا يقبلها عقل؛ ومن ذلك:

أ. نسبة الولد إلى الله تعالى: فقد اتّفقت الأناجيل الأربعة على أن عيسى عليه السلام هو ابن الله -تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا- والله تعالى يقول في سورة الإخلاص: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لّهُ كُفُواً أَحَدٌ} [الإخلاص: 3، 4].

ب. نسبة الصلب إلى عيسى عليه السلام؛ تكفيرًا عن خطيئة آدم وفداءً للبشر, القصة المشهورة في دين النصارى، وأن عيسى عليه السلام صُلِبَ وقتل في هذه الدنيا؛ ليكفّر الخطيئة التي ارتكبها آدم من أكله للشجرة لما نهاه الله سبحانه وتعالى، فعندما أكل آدم من تلك الشجرة لصقت هذه الخطيئة بالبشر، فأرسل الله عيسى عليه السلام, ثم قدّم عيسى عليه السلام نفسه فداءً لجميع البشر من أجل أن تُمحى عنهم هذه الخطيئة.

وهذه القصة الخرافية ردّ عليها القرآن الكريم وكذّبها، وذلك في قوله تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـَكِن شُبّهَ لَهُمْ} [النساء: 157]، وفي آية أخرى يقول الله تعالى: {بَل رّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 158]، أي: إن عيسى عليه السلام لم يُقتل ولم يُصلب، وإنما ألقى الله شبهه على رجل فقتله اليهود وظنوا أنه عيسى عليه السلام, بل المسيح عليه السلام رفعه الله إليه.

جـ. تحميل خطيئة آدم في أكله الشجرة لبنيه؛ ليكون صلبه فداءً لهم، والله تعالى يقول: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَ} [الزمر: 7], فلا يمكن أن تعذّب نفس بما كسبت نفسٌ أخرى؛ وهذا لا يقرّه دين ولا يقبله عقل. كما أن الله سبحانه وتعالى صرّح بقبول توبة آدم، وذلك في قوله تعالى: {ثُمّ اجْتَبَاهُ رَبّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىَ} [طه: 122]، وهذا أكبر دليل في الردّ على هذه القصة الخرافيّة؛ قصة الصلب والفداء.

د. اعتماد الإنجيل المحرّف في أحكامه وشرائعه على التوراة العهد القديم: والتوراة محرفة، فيكون الإنجيل محرّفًا كذلك؛ لأن القاعدة المشهورة تقول: ما بني على باطل فهو باطل، وهنا نقول: ما بني على محرّفٍ, فهو محرّف مثله.

يضاف إلى ذلك التضارب بين كتب العهد الجديد -أي: الأناجيل نفسها- وأول ما يقابل المرء من ذلك اختلافٌ في أمر واحد لا يقبل إلا حقيقة واحدة، وهو اختلاف إنجيل متَّى عن إنجيل لُوقا في نسب المسيح عليه السلام, وهذا مثال واحد والأمثلة كثيرة, إلى غير ذلك من التضادّ والاختلاف؛ مما يدل على أن النصارى واليهود ليسوا على شيءٍ، بل هي كتابات كتبها قساوستهم وعلماؤهم بأيديهم؛ ليشتروا بها ثمنًا قليلًا, ممّا جعل التحريف أمرًا مجمعًا عليه بين العقلاء عند هاتين الطائفتين، ولم يبقَ وحيٌ من عند الله يُتْلَى لم تمسّه أيدي المحرفين, سوى كتاب خاتم النبيين حبيبنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم, ألا وهو القرآن الكريم.

والدليل على ذلك هو حفظ الله سبحانه وتعالى لهذا الكتاب من التبديل والتحريف، وذلك في قوله تعالى: {إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، فلو ظهر لنا رجل؛ سواء كان ينتمي إلى ملّة الإسلام أو هو معادٍ لها، وقرأ علينا كتاب الله سبحانه وتعالى، ثم دسّ لنا حرفًا واحدًا محرفًا, زيادة أو نقصًا -فإننا سنجد الأمة بعلمائها ونسائها وأطفالها يردّون عليه؛ لأن هذا الكتاب حُفظ في الصدور قبل أن يحفظ في السّطور، وهذا أكبر دليل على أن حفظه باقٍٍ إلى يوم القيامة، كما تكفّل الله  عز وجل بذلك؛ لأنه رسالة الوجود الخالدة, وكما أن نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين لا نبيّ بعده، كذلك كتابه خاتم الكتب ورسالته خاتمة الرسائل, فلا رسالة بعده ولا كتاب بعد القرآن, فلذلك حفظ الله هذا الكتاب؛ لأن الأمة تحتاج إلى وحي يُنير لها السبيل، ويبين لها الحلال والحرام, ويصلح من شأنها، ويهديها الصراط القويم المستقيم, ولن تجد ذلك إلا في هذا الكتاب المحفوظ من التحريف والتبديل.

أما الكتب السماوية السابقة، فللعلّة التي مرّت معنا لم يتكفّل الله سبحانه وتعالى بحفظها؛ لأنها رسالة خاصة بأمة معينة، وتزول بزوال تلك الأمة، وبقيّة أصولها موجودة, إلا أن التحريف والتبديل اختلط بها.

4. مزايا اختصَّ بها القرآن عن سائر الكتب المنزَّلة، ومنها هيمنته على تلك الكتب:

أ. هداية القرآن الكريم لأقوم العقائد:

لقد أرسل الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم في مجتمعٍ جاهليٍّ, بكلِّ ما تحمله كلمة جاهلي من معنى؛ حين غابت شمس الرسالة الإلهية، ونسي الناس الوحي الذي جاء في رسالات الرسل السابقة، ولحق التحريف تلك الكتب السماوية، وبدأ الناس يعيشون في الظلام الدامس، فلا كتاب يُنقذهم مما هم فيه، ولا شريعة تُنير لهم الطريق وتُهذب لهم الأخلاق.

فلما بعث الله نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم وأوحى إليه القرآن الكريم؛ أخرج الناس من الظلمات إلى النور، وحرّر العباد من عبادة غير الله تعالى إلى عبادة الله تعالى وحده، وربط العقول ببارئها، وعلق النفوس بمنشئها بعدما كانت متعلقة بمظاهر الكون؛ حيث كانت عبادة الأصنام شائعة في مجتمع الجاهلية، فهدى الله بالقرآن أولئك الأقوام الذين وصفنا حالهم إلى التوحيد الخالص، ونبذ الشرك ووسائله حتى هربت الخرافة تجر أذيال الهزيمة؛ خوفًا من أنوار التوحيد الساطعة.

ب. هدايته لأقوم الشرائع:

نزل القرآن الكريم خاتمة للكتب السماوية، فلا كتاب بعد القرآن كما أنه لا نبي بعد الرسول محمدٍ صلى الله عليه وسلم، من أجل ذلك جاءت شريعة الإسلام وافيةً بحاجات البشر؛ لأن نبي الإسلام الخاتم محمدًا صلى الله عليه وسلم بعث إلى الناس كافة، قال تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَآفّةً لّلنّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً} [سبأ: 28]، وشريعة الإسلام رسالة خالدة إلى قيام الساعة؛ فلذلك كانت تحتوي على أقوم الشرائع التي تصلح بها حياة المجتمعات في كل عصر, وفي كل مصر.

يقول صاحب (مباحث في علوم القرآن): “أودع الله في الإنسان كثيرًا من الغرائز, التي تعتمل وتؤثر عليه في اتجاهات الحياة، ولئن كان العقل الرشيد يعصم صاحبه من الزلل، فإن النزعات النفسية المنحرفة تطغى على سلطان العقل، ولا يستطيع العقل أن يكبح جماحها في كل حال؛ لهذا كان لا بد لاستقامة الإنسان من تربية خاصة لغرائزه تهذبها وتقودها إلى الخير والفلاح، والإنسان مدني بالطبع، فهو في حاجة إلى غيره، وغيره في حاجة إليه، وتعاون الإنسان مع أخيه الإنسان ضرورة اجتماعية يفرضها العمران البشري.

وكثيرًا ما يَظلم الإنسان أخاه بدافع الأثرة وحب السيطرة, فلو ترك أمر الناس بلا ضابط يحدد علاقاتهم، وينظم أحوال معاشهم، ويصون حقوقهم، ويحفظ حرماتهم -لصار أمرهم فوضى؛ ولذا كان لا بد لأي مجتمع بشري من نظام يحكم زمامه, ويحقق العدل بين أفراده، وقد عرفت البشرية في عصور التاريخ ألوانًا مختلفةً من المذاهب والنظريات، والنظم والتشريعات التي تستهدف سعادة الفرد في مجتمعٍ فاضلٍ، ولكن واحدًا منها لم يبلغ من الروعة والإجلال مبلغ القرآن في إعجازه التشريعي.

إن القرآن يبدأ بتربية الفرد؛ لأنه لبنةُ المجتمع، ويقيم تربيته على تحرير وجدانه وتحمله التبعية؛ يحرر القرآن وجدان المسلم بعقيدة التوحيد الذي يخلصه من سلطان الخرافة والوهم، وإذا صحت عقيدة المسلم كان عليه أن يأخذ بشرائع القرآن في الفرائض والعبادات، وكل عبادة مفروضة يُراد بها صلاح الفرد، ولكنها مع ذلك ذات علاقة بصلاح الجماعة، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والجماعة واجبةٌ -على الرأي الراجح- إلا لعذر، وهي شرط في الجُمعة والعيدين، والذي يصلي منفردًا لا يغيب عن شعوره آصرة القربى بينه وبين الجماعة الإسلامية في أقطار الأرض, من شمالٍ إلى جنوبٍ، ومن مشرقٍ إلى مغربٍ؛ لأنه يعلم أنه في تلك اللحظة يتجه وِجْهَةً واحدةً مع كلِّ مسلم على ظهر الأرض، والزكاة تقتلع من النفس جذور الشُّح وعبادة المال والحرص على الدنيا، وهي مصلحة للجماعة، فتقيم دعائم التعاون بين الأغنياء والمحرومين، وتُشعر النفس بتكافل الجماعة شعورًا يخرجها من ضيق الأثرة والانفراد، والحج سياحة تروّض النفس على المشقة، وتفتح بصيرتها على أسرار الله في خلقه، وهو مؤتمر عالمي يجتمع فيه المسلمون على صعيدٍ واحدٍ فيتعارفون ويتشاورون، والصيام ضبط النفس وشحذٌ لعزيمتها، وتقوية للإرادة، وحبس للشهوات، وهو مظهر اجتماعي يعيش فيه المسلمون شهرًا كاملًا على نظام واحد في طعامهم كما تعيش الأسرة في البيت الواحد، وقرر القرآن العلاقات الدولية في الحرب والسِّلم بين المسلمين وجيرانهم أو معاهديهم، وهي أرفع معاملة عُرِفَتْ في عصور الحضارة الإنسانية.

وخلاصة القول: أن القرآن دستورٌ تشريعيٌّ كاملٌ, يقيم الحياة الإنسانية على أفضل صورة وأرقى مثال، وسيظل إعجازه التشريعي قرينًا لإعجازه العلمي وإعجازه اللغوي إلى الأبد، ولا يستطيع أحدٌ أن يُنكر أنه أحدث في العالم أثرًا, غيّر وجه التاريخ” انتهى كلامه.

إذًا: لم تعرف البشرية -على مر التاريخ- تشريعًا يفي بجميع حاجات البشر, مثلما عرفته في شريعة الإسلام ونظامه الاجتماعي، وهذا قد شهد به المنصفون من عقلاء الغرب وأتباع الديانات الأخرى.

ولو أخذنا مثالًا واحدًا على كمال شريعة الإسلام وهدايتها لأقوم الشرائع, لاتضح لنا جليًّا قيمة هذه الشريعة وسُمُوّ هدفها؛ لأن الله تعالى هو المُشرّع لها على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم, من خلال الوحي الذي نزل به جبريل عليه السلام على رسول الهدى محمد صلى الله عليه وسلم، وليكن هذا المثال هو تشريع القصاص من القاتل عمدًا للنفس البريئة من غير وجه حق؛ حيث إن الإسلام شرع قتل القاتل عمدًا قصاصًا منه, إذا لم يرغب الورثة في أخذ الدية.

فقد شرع الإسلام للورثة الأخذ بحق الميت في القصاص من قاتله، وهذا قمةٌ في العدالة وإحقاق الحق، بينما نجد أن القوانين الوضعية رفضت القتل، وقالت: إن في القصاص إفناء للمجتمع، فبدلًا من موت واحد يموت اثنان، هذا في اعتقادهم، ولم يدروا أن السر في القصاص أنه يمنع القتل كليًّا؛ لأن مَن يعلم أن مصيره القتل إذا قتل غيره لا بد أن يمسك عن القتل، وهذا يعتبر حياة للاثنين، كما قال الله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَأُولِي الألْبَابِ لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ} [البقرة: 179]، فهو حياة للقاتل بحيث سيمتنع مثله عن القتل العمد، وحياة للمقتول بحيث سيَرْتعِد القتلة عن قتل غيرهم؛ فتشيع الحياة في المجتمع ويقل القتل بين أفراده، وهذا حفظٌ لجميع أفراد الجنس البشري من القتل، وحياةٌ لهم عكس ما ظنه مسنو القوانين الوضعية.

ونقيس على ذلك بقية تشريعات الإسلام، فقطع يد السارق تقلل من السرقة، وتحفظ لأفراده حقوقهم وممتلكاتهم من عبث السُّراق العابثين، وكذلك بقية الجنايات، ففي شريعة الإسلام العين بالعين، والسن بالسن، والأذن بالأذن، والجروح القصاص.

ثم إن هذه العقوبات تطبق على الكبير والصغير، والشريف والوضيع، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((لو أن فاطمة بنت محمد سرقت؛ لقطعت يدها))، إلى غير ذلك من التشريعات الربانية والهدايات الإلهية التي لو طبقتها الإنسانية الحائرة اليوم؛ لنجحت في علاج مشكلاتها الاجتماعية المعقدة المعاصرة.

ج. هيمنة القرآن على الكتب السابقة:

بعث الله تعالى نبيه موسى عليه السلام, وأنزل عليه التوراة فحرفها قومه، وبدّلوا وغيّروا حتى أصبحت التوراة غير التوراة، وبعث الله تعالى نبيه عيسى عليه السلام وأنزل عليه كتابه الإنجيل, فحُرِّفَ كما حُرِّفَت التوراة، وبُدِّلَ كما بُدِّلَتْ حتى أصبح الإنجيل غير الإنجيل، وبعث الله تعالى أنبياء آخرين وأنزل معهم الكتب ولم تسلم مما أصاب أمثالها إلا القرآن الكريم؛ فقد تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظه، ولم يَكِل حفظه إلى غيره سبحانه من المخلوقات، قال تعالى: {إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].

بل جعل الله سبحانه وتعالى القرآن الكريم مهيمنًا على الكتب السابقة: {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمّا جَآءَكَ مِنَ الْحَقّ لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} [المائدة: 48]، فجاء القرآن بالعقيدة الإسلامية التي اتفق عليها الأنبياء كلُّهم صافيةً نقيةً؛ ليكون ما جاء به القرآن حُجة على الناس، وشاهدًا على تحريف الأمم السابقة لما نزل عليهم من الكتب، ومصححًا لأغلاطهم، وفاضحًا لأباطيلهم: {يَأَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاّ الْحَقّ إِنّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىَ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْراً لّكُمْ إِنّمَا اللّهُ إِلَـَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ} [النساء: 171].

ورد على اليهود فريتهم: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتّةِ أَيّامٍ وَمَا مَسّنَا مِن لّغُوبٍ} [ق: 38]، وذلك بقولهم: إن الله سبحانه وتعالى لما خلق السموات والأرض في ستة أيام استراح في اليوم السابع، ورد على الفريقين -اليهود والنصارى- عقيدتهم الباطلة: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ} [التوبة: 30].

يقول الشيخ حافظ الحكمي -رحمه الله- في كتابه (أعلام السنة المنشورة):

“قال أهل التفسير: مهيمنًا: مؤتمنًا وشاهدًا على ما قبله من الكتب، ومصدقًا لها يعني: يصدق ما فيها من الصحيح، وينفي ما وقع فيها من تحريف وتبديل وتغيير، ويحكم عليها بالنسخ أو التقرير؛ ولهذا يخضع له كلُّ متمسك بالكتب المتقدمة ممن لم ينقلب على عقبيه، كما قال تبارك وتعالى: {الّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَىَ عَلَيْهِمْ قَالُوَاْ آمَنّا بِهِ إِنّهُ الْحَقّ مِن رّبّنَآ إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} [القصص: 52، 53] وغير ذلك”. انتهى كلامه رحمه الله.

فهداية القرآن التي هي أقوم، معناها: أنه يهدي للتي هي أقوم, من هدى كتاب بني إسرائيل الذي في قوله: {وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لّبَنِيَ إِسْرَائِيلَ} [السجدة: 23]، ففيه إيماء إلى ضمان سلامة أمة القرآن من الحيدة عن الطريق الأقوم؛ لأن القرآن جاء بأسلوب من الإرشاد قويم ذي أفنان، لا يحول دونه ودون الولوج إلى العقول حائل، ولا يغادر مسلكًا إلى ناحية من نواحي الأخلاق والطبائع, إلا سلكه إليها تحريضًا أو تحذيرًا، بحيث لا يعدم المتدبر في معانيه اجتناء ثمار أفنانه. وبتلك الأساليب التي لم تبلغها الكتب السابقة, كانت الطريقة التي يهدي إلى سلوكها أقوم من الطرائق الأخرى، وإن كانت الغاية المقصود الوصول إليها واحدة.

وهذا وصف إجمالي لمعنى هدايته إلى التي هي أقوم, فلو أريد تفصيله لاقتضى أسفارًا؛ وحسبنا مثالًا لذلك أساليب القرآن في سدّ مسالك الشرك، بحيث سلمت هذه الآية في جميع أطوارها من التخليط بين التقديس البشري وبين التمجيد الإلهي، فلم تنزل إلى حضيض الشرك بحال، فمحل التفصيل هو وسائل الوصول إلى الغاية من الحق والصدق، وليس محل التفصيل تلك الغاية حتى يقال: إن الحق لا يتفاوت. فكلُّ حقٍّ وصدقٍ وُصِفَتْ به الكتب السابقة قبل تحريفها وتبديلها, قد حواه القرآن الكريم؛ لأنه خاتمة الكتب السماوية، ولأنه نسخ تلك الكتب السابقة، فكان طبيعيًّا أن يهيمن على ما في الكتب السابقة من صدقٍ وهدى؛ لأنه شريعة الناس السماوية إلى قيام الساعة، فلا كتاب بعد القرآن؛ من أجل ذلك كله كان ناسخًا لما تقدمه، ومغنيًا عنه، ومهيمنًا عليه.

error: النص محمي !!