Top
Image Alt

الإيمان بالكتب والرسل واليوم الآخر والقدر

  /  الإيمان بالكتب والرسل واليوم الآخر والقدر

الإيمان بالكتب والرسل واليوم الآخر والقدر

الركن الثالث من أركان الإيمان؛ الإيمان بالكتب:

ويشتمل على النقاط التالية:

أ. حقيقة الإيمان بالكتب وما عُرف منها: إن الإيمان بالكتب الإلهية هو التصديق الجازم بما أوحى الله تعالى من كلامه الخاص إلى من اصطفى من رسله -عليهم السلام، فجُمع ودُوِّنَ فكان صُحفًا مُطهرَةً، وكتبًا قيِّمَة، فما عُرف منها آمن به المؤمن تفصيلًا، وما لم يعرف منه ولم يعرفه المؤمن آمن به إجمالًا.

والمصدر الوحيد الذي يُرجع إليه في معرفة الكتب الإلهية بالتفصيل هو القرآن الكريم؛ إذ هو الكتاب المحفوظ حفظًا لا يتطرق إليه معه الزيادة ولا النقص، ولا التحريف ولا التغيير أو التبديل بحالٍ من الأحوال، وقد ذكر القرآن الكريم من الكتب السابقة صحف إبراهيم، وصحف موسى، وثلاثة كتب هي: التوراة، والإنجيل، والزبور، وقد ذكرها الله عز وجل في مواضع متفرقة من كتابه، ومن ذلك مثلًا:

قوله سبحانه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً} [الفرقان: 35]، والمراد من لفظ الكتاب في هذه الآية: التوراة، وقوله تعالى في الحديث عن اليهود: {وَكَيْفَ يُحَكّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمّ يَتَوَلّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَآ أُوْلَـَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} [المائدة: 43]، وقال تعالى: {وَلَقَدْ فَضّلْنَا بَعْضَ النّبِيّينَ عَلَىَ بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً} [الإسراء: 55]، وقال سبحانه: {ثُمّ قَفّيْنَا عَلَىَ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ} [الحديد: 27]، وقال -جل ذكره -: {إِنّ هَـَذَا لَفِي الصّحُفِ الاُولَىَ (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىَ} [الأعلى: 18، 19].

فقد جاء في هذه الآيات ذكر ثلاث كتبٍ إلهية مع كلٍّ من صحف إبراهيم وموسى، كما جاء في مواضع أخرى من القرآن ذكر بعض ما جاء فيها من أخبار، وذلك كقول الله تعالى: {مّحَمّدٌ رّسُولُ اللّهِ وَالّذِينَ مَعَهُ أَشِدّآءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكّعاً سُجّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ اللّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ السّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىَ عَلَىَ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ مِنْهُم مّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} [الفتح: 29].

فقد نصت هذه الآية القرآنية على أن وصف الرسول محمدٍ صلى الله عليه وسلمووصف أصحابه في كل من التوراة والإنجيل بنفس المعنى الذي حوته هذه الآية القرآنية الكريمة كما جاء في قوله تعالى: {أَمْ لَمْ يُنَبّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىَ (36) وَإِبْرَاهِيمَ الّذِي وَفّىَ (37) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38( وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىَ (40) ثُمّ يُجْزَاهُ الْجَزَآءَ الأوْفَىَ} [النجم: 36: 41]، فقد نصَّت هذه الآيات من القرآن الكريم على أن في صحف كلٍّ من إبراهيم وموسى الإخبار بأن النفس المذنبة يوم القيامة لا يحملها عنها ذنبها غيرها، وأن الإنسان ليس له من نتائج العمل إلا ما عمل وسعى به لنفسه، كما أن سعي الإنسان سوف يعرفه، ويقف عليه، ويُجزاه كاملًا غير منقوصٍ.

فهذه الكتب إذن التي ذُكِرَتْ في القرآن بأسمائها وأسماء أصحابها الذين نزلت عليهم يجب على المؤمن أن يؤمن بها تفصيلًا كما ذكرت مفصلًا، وأن يؤمن بباقي كتب الله تعالى التي لم تُذكر في القرآن مفصلة؛ حيث لم يرد القرآن ذكر أسمائها، ولا أسماء من نزلت عليهم، وإنما ذُكرت مجملة كما في قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25]، وكما جاء في قوله تعالى: {كَانَ النّاسُ أُمّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النّبِيّينَ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ} [البقرة: 213].

وتتلخص عقيدة المؤمن في الإيمان بالكتب: بأن يؤمن بكل كتاب أنزله الله تعالى على من اصطفى من رسله لحمل رسالاته وإبلاغها إلى عباده، فما عُرِفَ منها مفصلًا آمن به مفصلًا، وما عَرَفَهُ المؤمن منها مجملًا آمن به مجملًا، ولا يؤمن ببعضٍ ويكفر ببعضٍ تعصبًا وضلالة، كما هو حال اليهود والنصارى الذين آمنوا بالتوراة المحرفة، والإنجيل المبدل المغير، وكفروا بالقرآن المحفوظ الباقي الذي نزل على نبيِّ الهدى والرحمة صلى الله عليه وسلم.

ب. أدلة وجوب الإيمان بالكتب الإلهية:

إن الإيمان بالكتب السماوية الإلهية لواجبٌ شرعًا كما هو واجبٌ عقلًا، وهذا بيان ذلك، أما كون الإيمان بالكتب الإلهية واجبًا شرعًا فذلك لأن الله تعالى أمر به أمرًا جازمًا لا يقتضي إلى طاعة الله تعالى فيه وتحريم معصيته؛ إذ قال تعالى في الأمر بالإيمان بكتبه: {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الّذِي نَزّلَ عَلَىَ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الّذِيَ أَنَزلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ فَقَدْ ضَلّ ضَلاَلاً بَعِيداً} [النساء: 136]، إن هذه الآية واحدة كافية في الدلالة على وجوب الإيمان بكتب الله تعالى عامة، وبالقرآن الكريم كتاب الإسلام والمسلمين خاصة، فلابد أن يؤمن المؤمن بكل ما جاء في الكتاب، وأن يُصدق بكل ما جاء فيها، وأن ما أنزله الله عز وجل حقٌّ.

وقد أوجب الله في القرآن الكريم الإيمان بالكتب السماوية، فقال: {آمَنَ الرّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رّبّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رّسُلِهِ} [البقرة: 285].

ومن السُّنة حديث مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والذي جاء فيه سؤال جبريل للرسول صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أجابه بأن الإيمان هو: ((الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره)).

هذه بعض أدلة القرآن الكريم والسُّنة النبوية المطهرة على وجوب الإيمان بما أنزل الله -تبارك وتعالى- على الأنبياء والمرسلين، وأن ما نَزَلَ من عند الله سبحانه وتعالى حقٌّ، وإن كان دخل كثيرٌ من التحريف على الكتب السماوية السابقة؛ لأنها لم تُحْفَظْ كما حَفَظَ الله تعالى آخر كتاب نزل من عنده ألا وهو القرآن الكريم.

وأما كون الإيمان به واجبًا عقلًا، فإنه يظهر للمتأمل من حيث حاجة العباد إليها، وإقامة الحجة عليهم بها، فإن الرسول المبلغ عن الله شرائعه وأحكامه يحتاج غالبًا في إثبات رسالته إلى كتاب من الله تقوم به الحجة له على تلك الأمة التي أُرسل إليها حتى يؤمنوا به ويصدقوه ويتبعوه، ويعملوا بما جاءهم به، والتشريع الإلهي نفسه يفتقر إلى كتاب يحويه ويتضمنه، ويُثبت فيه؛ ليبقى بعد وفاة الرسول الذي جاء شرعًا محفوظًا تعمل به الأجيال إلى المدى الذي حدد له بلصقه برسالة أخرى، أو بنسخ بعض ما جاء فيه كما حصل للتوراة والإنجيل، فقد نسخ الله تعالى بالإنجيل بعض أحكام التوراة، ونسخ بالقرآن الكريم الإنجيل والتوراة كليهما، ولولا بقاء الكتاب بعد الرسول لضاع الدين الذي جاء به، أو ضاع الكثير منه، وحينئذٍ يقول الناس: بِمَ نعبد الله؟ وكيف نعبده ولم يكن لدينا من شرائعه ما نعبده به؟ ولهذا نقول: بأن العقل يدل على وجوب الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى أنزل كتبًا من عنده.

جـ. منزلة القرآن الكريم بين كتب الله تعالى:

لا شك عند الدارسين للقرآن الكريم – الواقفين على أسراره وعجائبه، العالمين بما حواه من أصول التشريع وقواعده، والمدركين للحقائق العلمية التي أثبتت عن القرآن الكريم- أن للقرآن الكريم منزلة خاصة بين سائر الكتب الإلهية التي تقدمته في النزول، وتتجلى هذه المنزلة العالية بإمعان النظر في النقاط التالية:

أولًا: كون القرآن الكريم ناسخًا للكتب السماوية السابقة لفظًا وحكمًا، فلا تُقرأ للتعبد، ولا يُعمل بما فيها من شرائعَ وأحكامٍ، وذلك لما داخلها من تحريف، وما أصابها من تضييع ونسيان؛ إذ لم يبق فيها ما يُجزم بصحة نسبته إلى الله تعالى قط، عرف هذه الحقيقة وقررها المنصفون والمحققون من علماء أهل الكتابين معًا.

ثانيًا: كان التشريع في الكتب السابقة خاصًّا ببني إسرائيل، وموقوتًا بزمنٍ معينٍ، والدليل على نسخ القرآن للكتب قبله: أمر الله تعالى لنبيِّ القرآن محمد صلى الله عليه وسلم أنْ يحكم بين سائر الناس على اختلاف ما ينتحلون من ديانات بالقرآن الحكيم، وهذا كما جاء في قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمّا جَآءَكَ مِنَ الْحَقّ} [المائدة: 48]، وقال تعالى: {إِنّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِمَآ أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُنْ لّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً} [النساء: 105].

فالقرآن الكريم كتابٌ عامٌّ شاملٌ دائمٌ إلى قيام الساعة، أما الكتب السابقة فكان التشريع فيها موقوتًا مختص بزمنٍ معينٍ، وقد نُسخت جميعها بالقرآن الكريم.

أيضًا ممّا يُبين منزلة القرآن الكريم بين كتب الله تعالى: أن القرآن الكريم مهيمنٌ على جميع الكتب رقيبٌ عليها شهيد، فما صححه منها وأقره فيها كان صحيحًا، وما أبطله منها ونفاه بَطَلَ وانتفى، ويقول الحق تعالى: {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ}.

أيضًا للقرآن الكريم مَنزلة عاليه تظهر فيما يحمله من التشريع الإلهي الذي جاء لكل الناس في أي مكانٍ كانوا، وفي أي زمانٍ وُجدوا، وذلك لعموم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {تَبَارَكَ الّذِي نَزّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىَ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} [الفرقان: 1]، وكذلك فالله عز وجل تعهد بنفسه لحفظ كتابه، قال تعالى: {إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، وقال: {إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ بِالذّكْرِ لَمّا جَآءَهُمْ وَإِنّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لاّ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 41، 42].

فالله عز وجل حفظ كتابه، وذلك بأن قيَّضَ له رجالًا أمناء حفظوه في صدورهم وسطورهم، فلم تقو يد الزمان ولا يد العدوان على أن تزيد فيه حرفًا، ولا أن تنقص منه حرفًا، بخلاف غيره من الكتب، وهي التوراة الذي ضاعت كلها في غزو بختنصر البابلي لمملكة بني إسرائيل، ولم يعثر عليها إلا فيما بعد، ثم لما جُمِعَتْ حرفوها، وبدلوها، أما الإنجيل فيكفي في الدلالة على عدم حفظه أنه اليوم توجد خمسة أناجيل بعد أن كان يوم نزوله إنجيلًا واحدًا.

ونؤكد ختامًا أن هذا القرآن الكريم قد شمل أصول الهداية البشرية وفروعها، واحتوى على أعظم منهجٍ ربانيٍّ يحقق السعادة للإنسان في الدنيا والآخرة إذا آمن به، وعمل بما جاء فيه، قال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ كَثِيراً مّمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ قَدْ جَآءَكُمْ مّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مّبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مّنِ الظّلُمَاتِ إِلَى النّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ} [المائدة: 15، 16].

د. إشارة إلى ما في القرآن من الهدى التام والخير العام:

بعد أن تحدثنا عن منزلة القرآن الكريم بين الكتب السماوية السابقة، نود أن نُبَيِّنَ الآن للناس كافة لوحة مشرقة عن هذا القرآن الكريم الذي جاء من عند الله عز وجل، ففي القرآن المجيد من الهدي والخير لبني آدم كافة ما لا يوجد اليوم، ومن ذلك الرحمة بأتم معنى لها، ففيه رحمة تعم الإنسان والجان والحيوان، والكبير والصغير، والكافر والمؤمن، والحي والميت، قال تعالى في إثباتها: {الَـمَ (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (2) هُدًى وَرَحْمَةً لّلْمُحْسِنِينَ} [لقمان: 1-3].

أيضًا في القرآن الكريم شفاءٌ تامٌّ لجميع الأمراض العقلية والنفسية والقلبية، فيه شفاءٌ من الكفر والشرك، فيه شفاءٌ من القلق والاضطراب، فيه شفاءٌ من الحيرة، والخوف، والكبر، والحسد، والكسر، والعجز، والبخل، والشح، والظلم، والخوف، قال تعالى في إثبات هذا الشفاء وتقريره: {وَنُنَزّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 82].

وأيضًا القرآن الكريم نورٌ كاشف لجميع الظلمات القلبية مبددٌ لسائر الجهالات النفسية، مبينٌ لسائر الحقائق والأسرار الكونية، قال تعالى في تقرير هذا الأمر: {يَا أَيّهَا النّاسُ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مّن رّبّكُمْ وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مّبِيناً} [النساء: 174].

والقرآن الكريم اشتمل على المواعظ العظيمة الجليلة التي تدعو إلى كل فضيلة، وتزجر عن كل رذيلة، قال تعالى: {يَأَيّهَا النّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مّوْعِظَةٌ مّن رّبّكُمْ وَشِفَآءٌ لّمَا فِي الصّدُورِ} [يونس: 57]، وقال سبحانه: {وَنَزّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لّكُلّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىَ لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89].

وفي القرآن الكريم من الذكر الإلهي ما تَحْيَا به القلوب، وتطيب بتلاوته الأرواح، وتزكو بالعمل به النفوس، يقول تعالى: {صَ وَالْقُرْآنِ ذِي الذّكْرِ} [ص: 1].

وقال سبحانه: {الّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28].

والقرآن الكريم فيه خيرٌ عامٌّ لكل إنسان وجان وحيوان، فما من كائن في هذه الحياة إلا وناله من خيرية القرآن من يوم نزوله إلى يوم رفعه إلى الله وقبضه إليه، اللهم إلا من كان من المطرودين من شياطين الإنس والجن المحرومين من كل خيرٍ، قال تعالى: {وَقِيلَ لِلّذِينَ اتّقَوْاْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبّكُمْ قَالُواْ خَيْراً} [النحل: 30]، فالقرآن كله خير، ومن جاء إليه وعمل به واستفاد منه، كان له من الخير بقدر ما استفاد من كتاب الله -تبارك وتعالى.

الركن الرابع من أركان الإيمان؛ الإيمان بالرسل -عليهم السلام:

أ. تعريف النبي، والرسول، والفرق بينهم:

النبي في لغة العرب: مشتقٌ من النبأ، وهو الخبر، قال تعالى: {عَمّ يَتَسَآءَلُونَ (1)  عَنِ النّبَإِ الْعَظِيمِ} [النبأ: 1، 2]، وإنما سُمي النبي نبيًّا؛ لأنه مخبِرٌ مُخبَر، فهو مخبَرٌ أي: أن الله أخبره وأوحى إليه: {قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَـَذَا قَالَ نَبّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} [التحريم: 3]، وهو مخبِرٌ عن الله تعالى أمره ووحيه، قال تعالى: {نَبّىءْ عِبَادِي أَنّي أَنَا الْغَفُورُ الرّحِيمُ} [الحجر: 49].

وأما عن تعريف الرسول، فأقول: الإرسال في اللغة التوجيه، فإذا بعثت شخصًا في مهمة فهو رسولك، قال تعالى حاكيًا قول ملكة سبأ: {وَإِنّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} [النمل: 35].

وهناك فرق بين النبي والرسول، فالشائع عند العلماء أن الرسول أعم من النبي، فالرسول هو من أوحي إليه بشرعٍ وأُمر بتبليغه، والنبيُّ من أوحي إليه ولم يؤمر بالبلاغ، وعلى ذلك فكل رسولٍ نبيٍّ وليس كل نبيٍّ رسولًا، هذا هو الشائع عند العلماء، والذي ذكروه هؤلاء بعيدٌ لأمور:

الأول: أن الله نصَّ على أنه أرسل الأنبياء كما أرسل الرسل، وذلك في قوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رّسُولٍ وَلاَ نَبِيّ} [الحج: 52]، فإذا كان الفارق بينهما هو الأمر بالبلاغ فالإرسال يقتضي من النبي البلاغ أيضًا.

الثاني: أن ترك البلاغ كتمان لوحي الله تعالى، والله عز وجل لا ينزّل وحيه ليُكتم ويُدفن في صدر واحدٍ من الناس، ثم يموت هذا العلم بموته.

الثالث: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((عُرِضَتْ عليّ الأمم فرأيت النبيَّ ومعه الرهط، والنبيَّ معه الرجل والرجلان، والنبيَّ وليس معه أحد))، فدل هذا على أن الأنبياء مأمورون بالبلاغ، وأنهم يتفاوتون في مدى الاستجابة لهم.

والتعريف المختار للرسول والنبي هو: أن الرسول هو ما أوحي إليه بشرعٍ جديدٍ، والنبي هو المبعوث لتقرير شرع من قبله، وفي الحقيقة هذا التعريف ليست عليه هذه الاستدراكات السابقة، وهو راجحٌ -إن شاء الله تعالى- واختاره بعض أهل العلم، وهو ما أراه وأذهب إليه.

ب. وجوب الإيمان بالرسل -عليهم السلام-:

الإيمان بالرسل ضروريٌّ لا يتوقف على نظرٍ، ولا استدلال بالنسبة إلى المؤمنين بالله تعالى؛ لأن الله تعالى هو الذي نبأهم وأرسلهم وأخبر عنهم، وأمر بالإيمان بهم وتصديقهم، والإيمان بالله تعالى مستلزمٌ بالإيمان بكل ما أمر الله الإيمان به، كالإيمان بالملائكة -كما سبق ذكره- وبالكتب، وبالرسل، والبعث، والجزاء، والقدر، والقضاء، وبكل غيبٍ أمرَ اللهُ تعالى بالإيمان به، فيكفي المؤمن دليلًا أن يبلغه خبر الله تعالى وأمره بالإيمان بالرسل؛ فيؤمنُ ويُسَلّمُ مباشرةً.

وفي الأمر بالإيمان بالرسل قول الحق -تبارك وتعالى-: {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الّذِي نَزّلَ عَلَىَ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الّذِيَ أَنَزلَ مِن قَبْلُ} [النساء: 136]، وقال تعالى: {آمَنَ الرّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رّبّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285]، فهاتان الآيتان دليلان على وجوب الإيمان برسل الله تعالى، ولا يُفرّق في الإيمان بهم بين رسول ورسول منهم كما فعل اليهود والنصارى؛ حيث أمن اليهود بأنبياء بني إسرائيل فقط، وكفروا بعيسى ابن مريم ومحمدٍ صلى الله عليه وسلم، وكذلك النصارى آمنوا بكافة الأنبياء، وكفروا بخاتمهم وإمامهم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.

وقد كَفَّرَ الله تعالى وتوعد بالعذاب المهين ممّن يؤمن ببعض الرسل ويكفر ببعض، وقد جاء هذا في سورة “النساء” في قوله: {إِنّ الّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً (150) أُوْلَـَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مّهِيناً} [النساء: 150، 151].

هذا، ونظرًا لنسخ جميع شرائع الرسل -عليهم السلام- بشريعة خاتمهم محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يبق هناك ما يلزم المؤمن إيذاء أولئك الرسل بسوى الإيمان بهم، واعتقاد عصمتهم، وكمالهم، ووجوب تعظيمهم، واحترامهم، أما أن يتبع شيئًا ممّا جاءوا به في رسالتهم ممّا لم يأمر به الله، أو يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يلزم المؤمن ذلك، ونحن اليوم نحذر من الرجوع إلى شيءٍ من التوراة أو الإنجيل، أو اتباع أي شريعة نبيٍّ أو رسولٍ سابق على نبينا صلى الله عليه وسلم؛ ذلك لأن هذه الشرائع قد نُسخت وغَيَّرَهَا أيضًا أتباع هؤلاء الأنبياء وحرفوها وبدلوها، والله عز وجل أتم علينا نعمته ببعثة النبي الخاتم محمدٍ بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.

جـ. وظائف الرسل -عليهم السلام:

لقد بيَّن الله لنا في القرآن الكريم كما بيَّن لنا النبي صلى الله عليه وسلم في سُنته مهمة الرسل ووظائفهم، وأول وظيفة عرفناها من القرآن والسُّنة هي:

البلاغ المبين: فالرسل سفراء الله إلى عباده، وحملة وحيه، ومهمتهم الأولى هي إبلاغ هذه الأمانة التي تحملوها إلى عباد الله، قال تعالى: {يَـَأَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رّبّكَ وَإِن لّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67].

والبلاغ يحتاج إلى الشجاعة وعدم خشية الناس، فالله يبلغهم ما يخالف معتقداتهم، ويأمرهم بما يستنكرونه، وينهاهم عمّا ألفوه، قال تعالى: {الّذِينَ يُبَلّغُونَ رِسَالاَتِ اللّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاّ اللّهَ} [الأحزاب: 39].

ويكون البلاغ بتلاوة النصوص التي أوحاها الله من غير نقصانٍ ولا زيادة، يقول الحق تعالى: {اتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ} [العنكبوت: 45]، وقال: {كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مّنْكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا} [البقرة: 151].

فمهمة الرسل إذن الأولى هي البلاغ الذي جاء من عند الله عز وجل، ومن البلاغ أن يوضح الرسول الوحي الذي أنزل الله لعباده؛ لأنه أقدر من غيره على التعرف على معانيه ومراميه، وأعْرَفُ من غيره بمراد الله من وحيه، وفي ذلك يقول الله عز وجل لرسولهصلى الله عليه وسلم: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ} [النحل: 44].

والبيان من الرسول للوحي الإلهي قد يكون بالقول، فقد بيَّنَ الرسول صلى الله عليه وسلمأمورًا كثيرًا استشكلها أصحابه، مثلما بيَّنَ المراد من الظلم في قوله تعالى: {الّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوَاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَـَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مّهْتَدُونَ} [الأنعام: 82]، فقد بيَّنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن المراد من الظلم الوارد في هذه الآية هو الشرك، وكما بيَّنَ الرسول صلى الله عليه وسلم الآيات المجملة في الصلاة، والزكاة، والحج وغير ذلك بقوله.

وكما يكون البيان بالقول يكون بالفعل، فقد كانت أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم في الصلاة، والزكاة، والصدقة، والحج وغير ذلك بيانًا لكثيرٍ من النصوص، وعندما يتولى الناس ويعرضون عن دعوة الرسل، فإن الرسل لا يملكون غير البلاغ، {وّإِن تَوَلّوْاْ فَإِنّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ} [آل عمران: 20].

الوظيفة الثانية: الدعوة إلى الله تعالى: فلا تقف مهمة الرسل عند بيان الحق وإبلاغه، بل عليهم أن يدعوا الناس إلى الأخذ بدعوتهم، والاستجابة لها، وتحقيقها في أنفسهم اعتقادًا وقولًا وعملًا، وهم في ذلك ينطلقون من منطلقٍ واحدٍ، فهم يقولون للناس: أنتم عباد الله والله ربكم وإلهكم، والله أرسلنا لنعرّفكم كيف تعبدونه؛ ولأننا رسل الله مبعوثون من عنده؛ فيجب عليكم أن تُطيعونا وتتبعونا، قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلّ أُمّةٍ رّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الْطّاغُوتَ} [النحل: 36].

وقد بذل الرسل في سبيل دعوة الناس إلى الله عز وجل جهودًا عظيمًا، وحسبك في هذا أن تقرأ سورة “نوح” لترى الجهد الكبير الذي بذله نوحٌ عليه السلام على مدار تسعمائة وخمسين عامًا، فقد دعاهم ليلًا ونهارًا سرًّا وعلانية، واستعمل أساليب الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، وحاول أن يفتح عقولهم، وأن يوجهها إلى ما في الكون من آيات، ولكنهم أعرضوا، {قَالَ نُوحٌ رّبّ إِنّهُمْ عَصَوْنِي وَاتّبَعُواْ مَن لّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاّ خَسَاراً} [نوح: 21].

الوظيفة الثالثة: التبشير والإنذار: فدعوة الرسل إلى الله تقترن دائمًا بالتبشير والإنذار؛ ولأن ارتباط الدعوة إلى الله بالتبشير والإنذار وثيق جدًّا؛ فقد قصر القرآن مهمة الرسل عليهم في بعض آياته، قال تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ} [الأنعام: 48]، وقد ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم لنفسه مثلًا في هذا، فقال: ((إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمًا، فَقَالَ: يَا قَوْمِ، إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ، فَالنَّجَاءَ، فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَدْلَجُوا، فَانْطَلَقُوا عَلَى مَهْلِهِمْ، فَنَجَوْا، وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ، فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي، فَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي، وَكَذَّبَ بِمَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ)).

وتبشير الرسل وإنذارهم دنيويّ وأخرويّ، فهم في الدنيا يُبشرون الطائعين بالحياة الطيبة: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنّهُ حَيَاةً طَيّبَةً} [النحل: 97]، وَيَعِدُوْنَهُم بالعزِّ، والتمكين، والأمن: {وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنّ لَهُمْ دِينَهُمُ الّذِي ارْتَضَىَ لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً} [النور: 55]، ويُخَوِّفُوْنَ العصاةَ بالشقاءِ الدنيويّ: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَىَ} [طه: 124]، ويحذرونهم العذاب والهلاك الدنيويّ: {فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: 13]، كذلك يخوفون المجرمين والعصاة من عذاب الله في الآخرة: {وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مّهِينٌ} [النساء: 14].

ومن يطالع دعوات الرسل يجد أن دعوتهم قد اصطبغت بالتبشير والإنذار، ويبدو أن التبشير والإنذار على النحو الذي جاءت به الرسل هو مفتاح النفس الإنسانية، فالنفس الإنسانية مطبوعة على طلب الخير لذاتها، ودفع الشر عنها، فإذا بَصَّرَ الرسلُ النفوسَ بالخير العظيم الذي يحصلونه من وراء الإيمان والأعمال الصالحة، فإن النفوس تشتاق إلى تحصيل ذلك الخير، وعندما تبين لها الأضرار العظيمة التي تصيب الإنسان من وراء الكفر والضلال، فإن النفوس تهرب من هذه الأعمال، ونعيم الله المُبشر به نعيمٌ يستعذبه القلب، وتلذه النفوس، ويهيم به الخيال، يقول الحق  تعالى واصفًا نعيم المؤمنين في جنات النعيم: {عَلَىَ سُرُرٍ مّوْضُونَةٍ (15) مّتّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (16) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مّخَلّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مّن مّعِينٍ (18) لاّ يُصَدّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ (19) وَفَاكِهَةٍ مّمّا يَتَخَيّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مّمّا يَشْتَهُونَ (21) وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (24) لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً (25) إِلاّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً (26) وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مّخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مّنضُود (29) وَظِلّ مّمْدُودٍ (30) وَمَآءٍ مّسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لاّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ (33) وَفُرُشٍ مّرْفُوعَةٍ (34) إِنّآ أَنشَأْنَاهُنّ إِنشَآءً (35) فَجَعَلْنَاهُنّ أَبْكَاراً (36) عُرُباً أَتْرَاباً (37) لاأصْحَابِ الْيَمِينِ} [الواقعة: 15: 38].

أما عذاب الكفرة في دار الشقاء، وما سينالهم إذا وقفوا وحشروا بين يد رب العزة والجلال سبحانه، فيصفه الحق تعالى بقوله: {وَأَصْحَابُ الشّمَالِ مَآ أَصْحَابُ الشّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلّ مّن يَحْمُومٍ (43) لاّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ (44)  إِنّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} [الواقعة: 41: 45]، إلى غير ذلك من الآيات التي جاء فيها تبشيرٌ ووعدٌ، وجاء فيها أيضًا تخويف وإنذار من رب العزة والجلال، وقد ساق الأنبياء والمرسلون كل ذلك عن الله -تبارك وتعالى.

الوظيفة الرابعة: إصلاح النفوس وتزكيتها: الله سبحانه وتعالى رحيمٌ بعباده، ومن رحمته أن يحيي نفوسهم بوحيه وينيرها بنوره: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَـَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نّهْدِي بِهِ مَن نّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا [الشورى: 52].

ويُخرج اللهُ الناسَ بهذا الوحي الإلهي من الظلمات إلى النور، ظلمات الكفر والشرك والجهل إلى نور الإسلام والحق: {اللّهُ وَلِيّ الّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مّنَ الظّلُمَاتِ إِلَى النّورِ} [البقرة: 257]، ويقول الحق تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىَ بِآيَاتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظّلُمَاتِ إِلَى النّورِ} [إبراهيم: 5]، وبدون هذا النور تعمى القلوب، فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمي القلوب التي في الصدور، وعماها ضلالها عن الحق، وتركها لما ينفعها، وإقبالها على ما يضرها، ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم، وإخراج الناس الرسل من الظلمات إلى النور لا يتحقق إلا بتعليمهم تعاليم ربهم، وتزكية نفوسهم بتعريفهم بربهم وأسمائه وصفاته، وتعريفهم بملائكته وكتبه ورسله، وتعريفهم ما ينفعهم وما يضرهم.

وقد دلَّتْ الرسلُ البشرَ على السبيلِ التي توصل إلى محبة الله -تبارك وتعالى- وتعرف به وتدعو إلى عبادته، قال تعالى: {هُوَ الّذِي بَعَثَ فِي الاُمّيّينَ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ} [الجمعة: 2].

الوظيفة الخامسة: تقويم الفكر المنحرف، والعقائد الزائفة: كان الناس في أول الخلق على الفطرة السليمة يعبدون الله وحده ولا يشركون به أحدًا، فلما تفرقوا واختلفوا أرسل الله الرسل ليعيدوا الناس إلى جادة الصواب، وينتشلونهم من الضلال، قال تعالى: {كَانَ النّاسُ أُمّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النّبِيّينَ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ} [البقرة: 213]، أي: كان الناس أمة واحدة على التوحيد والإيمان وعبادة الله، فاختلفوا فأرسل الله النبيين مبشرين ومنذرين، وقد كان كل رسولٍ يدعو قومه إلى الصراط المستقيم، ويبينه لهم، ويهديهم إليه، وهذا أمرٌ متفقٌ عليه بين الرسل جميعًا، ثم كل رسولٍ يُقوِّمُ الانحرافات الحادثة في عصره ومصره، وما أكثر أشكال الانحرافات عن الصراط المستقيم، فكل رسول كان يعتني بتقويم الانحراف الموجود في عصره، كما اهتم نوح عليه السلام بإنكاره على قومه عبادة الأصنام، وكذلك إبراهيم، وصالح عليهما السلام أنكر على قومه الإفساد في الأرض واتباع المفسدين، ولوط حارب جريمة اللواط التي انتشرت في قومه، وشعيب قاوم في قومه جريمة التطفيف في المكيال والميزان، وهكذا.

الوظيفة السادسة: إقامة الحُجَّة: أنزل الله تعالى الرسل وأنزل الكتب كي لا يبقى للناس حُجَّة يحتجون بها أمام الله يوم القيامة، قال تعالى: {رّسُلاً مّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللّهِ حُجّةٌ بَعْدَ الرّسُلِ} [النساء: 165].

ولو لم يرسل الله الرسل إلى الناس لجاءوا يوم القيامة يخاصمون الله -جل وعلا- ويقولون: كيف تعذبنا وتدخلنا النار وأنت لم ترسل إلينا مَنْ يبلغنا مرادك منا، كما قال تعالى: {وَلَوْ أَنّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبّنَا لَوْلآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نّذِلّ وَنَخْزَىَ} [طه: 134] ويقول الحق تعالى: {وَمَا كُنّا مُعَذّبِينَ حَتّىَ نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15].

وفي يوم القيامة يجمع الله عز وجل الأولين والآخرين، ويأتي لكل أمة برسولها ليشهد عليها بأنه بلغها رسالة ربه، وأقام عليها الحُجَّة: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىَ هَـَؤُلآءِ شَهِيدا (41) يَوْمَئِذٍ يَوَدّ الّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرّسُولَ لَوْ تُسَوّىَ بِهِمُ الأرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً} [النساء: 41، 42].

ولذلك فإن الذين يرفضون اتباع الرسل، ويَعْرِضُونَ عن هديهم لا يملكون إلا الاعتراف بظلمهم إذ وقع بهم العذاب في الدنيا، يقول تعالى: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ (11) فَلَمّآ أَحَسّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مّنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لاَ تَرْكُضُواْ وَارْجِعُوَاْ إِلَىَ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُواْ يَوَيْلَنَآ إِنّا كُنّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتّىَ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ} [الأنبياء: 11: 15].

الوظيفة السابعة: سياسة الأمة: الذين يستجيبون للرسل يكونون جماعة واحدة، وهؤلاء يحتاجون إلى من يسوسهم ويقودهم ويدبر أمورهم، والرسل يقومون بهذه المهمة في حال حياتهم، فكانوا يحكمون بين الناس بحكم الله، كما قال الله عز وجللنبيه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم: {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ} [المائدة: 48] ونادى رب العزة والجلال داود قائلًا: {يَدَاوُودُ إِنّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقّ} [ص: 26].

وأنبياء بني إسرائيل كان يسوسون أمتهم بالتوراة، وفي الحديث: ((كانت بني إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي قام نبيٌّ))، وقال الله عن التوراة: {يَحْكُمُ بِهَا النّبِيّونَ الّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلّذِينَ هَادُوا} [المائدة: 44].

فالرسل يحكمون بين الناس، ويقودون الأمة في السلم والحرب، ويقومون على رعاية مصالح الناس، هم في كل ذلك عاملين بطاعة الله تعالى، ولن يصل العبد إلى نيل رضوان الله ومحبته إلا بطاعة الله، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.

ولذلك نقول: يجب أن يكون شعار المسلم الذي يعلنه دائمًا هو شعار السمع والطاعة، {إِنّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوَاْ إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [النور: 51]، والله عز وجل يقول: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبّونَ اللّهَ فَاتّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31].

د. ختمُ النبواتِ بالنبيِّ الخاتم صلى الله عليه وسلم:

ختم الله عز وجل سائر النبوات بأخر نبوة، وهي نبوة محمدٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يبق من مطمعٍ لأحدٍ في أنْ يَدَّعِي النبوة أو يُؤتاها بعد نبوة محمدٍ النبي الأمي أبدًا، ومن جَهَل هذه حقيقة، أو تجاهلها تضليلًا وخداعا وادعى النبوة، فقد كذب على الله، وَكَذَّبَ نبيَّهُ المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي أخبر أيضًا عن نفسه بأنه خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم.

ومن ادعى النبوة والرسالة بعد النبي صلى الله عليه وسلم افتضح أمره، ولعنه الناسُ كما حصل لمسيلمة الكذاب، وكما حصل لأحمد مرزا غلام صاحب القديانية الباطلة الكافرة، والله تعالى قد أخبر في كتابه بختم النبوات بنبوة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فقال: {مّا كَانَ مُحَمّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ وَلَـَكِن رّسُولَ اللّهِ وَخَاتَمَ النّبِيّينَ وَكَانَ اللّهُ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيماً} [الأحزاب: 40].

وإن الواجب عن كل إنسان في هذا الوجود البشري أن يؤمن بالنبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، وأن يتبع ما جاء به من الحق والهدى؛ وذلك لأمر الله تعالى بالإيمان به، واتباع ما جاء به في مثل قوله: {فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالنّورِ الّذِيَ أَنزَلْنَا} [التغابن: 8].

ولتخصيص الرب -تبارك وتعالى- رحمته -وهي الجنة- بمن أمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلّذِينَ يَتّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزّكَـاةَ وَالّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 156]، لمن هذه الرحمة التي ستكتبها يا رب؟ قال: {الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ الاُمّيّ الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلّ لَهُمُ الطّيّبَاتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتّبَعُواْ النّورَ الّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157].

وأخيرًا فإن من الأدلة السمعية على ختم النبوة، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلمهو خاتم الأنبياء والمرسلين ما جاء في رواية الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي)).

وقال صلى الله عليه وسلم: ((إن ليّ أسماء أنا محمدٌ، وأنا أحمدٌ، وأنا الماحي الذي يمحو الله بيّ الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي)) صلى الله عليه وسلم وبارك على خاتم الأنبياء والمرسلين.

الركن الخامس من أركان الإيمان؛ الإيمان باليوم الآخر: ويشتمل على:

أ. المراد باليوم الآخر ووجوب الإيمان به:

إن المراد من اليوم الآخر أمران: الأول، فَنَاء هذه العوالم كلها، وانتهاء هذه الحياة بكاملها، والثاني، إقبال الحياة الآخرة وابتداؤها، فدلَّ لفظُ اليوم الآخر على آخر يومٍ من أيام هذه الحياة، وعلى اليوم الأول والأخير من الحياة الثانية؛ إذ هو يومٌ واحدٌ لا ثاني له فيها ألبتة، فالإيمان باليوم الآخر مقتضٍ للتصديق بأخبار الله تعالى بفَنَاءِ هذه الحياة الدنيا، وبما يسبقه من أمارات، وما يتم فيه من أهوال واختلاف أحوال، كما هو مقتضٍ كذلك لتصديق الله تعالى في أخباره عن الحياة الآخرة، وما فيها من نعيمٍ وعذابٍ، وما يجري فيها من أمورٍ عظامٍ؛ كبعث الخلائق، وحشرهم، وحسابهم، ومجازاتهم على أعمالهم التي قاموا بها في هذه الحياة الدنيا.

وقد يسأل سائلٌ فيقول: هل الفـَنـَاءُ ممكن؟

وجوابنا عن هذا السؤال: بنعم، الفـَنَاءُ ممكنٌ؛ لأن العالم ليس أزليًّا أبدًًا، وما لم يكن أزليًّا فهو حادثٌ، وما كان حادثًا يكون الفناء من صفاته اللازمة له التي لا تنفك عنه بحال، وطروء الفناء على الحادثات مشاهدٌ في هذه الحياة لا يحتاج إلى دليل، ولقد ثبت بالبراهين العقلية والمادية معًا حدوث هذا العالم، وإن التغير الجاري والمستمر على العوالم دالٌّ على ذلك الحدوث؛ إذًا فهذا الحدوث دليل على الفناء.

وهناك دليلٌ آخر وهو أن العالم كل له أجزاء، ونحن نشاهد الفناء يجري في أجزائه باستمرار، فمثلًا الحيوان والنبات يفنى أمامنا، وتحت سمعنا وبصرنا، ونفقد وجودهما باستمرارٍ ودون انقطاعٍ، وهما قطعًا أجزاءٌ من هذا العالم، كما أننا نرى الزلزال من الفينة إلى الفينة يُدمر مدنًا وقرًى كبيرةً، ويغير معالم الأرض في كثير من البلاد في العالم، فظاهرة الفناء إذًا لأجزاء هذا العالم دالةٌ على فناء العالم كله؛ إذ ما أمكن الفناء في أجزائه أمكن فناء كله.

وبناء على هذا يتبين لنا أن اليومَ الآخر ممكن الوقوع، وهو مرتقبٌ جدًّا وقوعه حقيقة، وهو اليوم الذي لا يأتي بعده يوم من أيام هذه الحياة الدنيا، والإيمان باليوم الآخر هو التصديق الجازم بانقلابٍ هائل يتم في الكون، ويكون انتهاء هذه الحياة الدنيا بكاملها، وابتداء حياة أخرى، وهي الدار الآخرة بكل ما فيها من حقائق مدهشة من بعث الخلائق، وحشرهم، وحسابهم، ومجازاتهم، هذا الإيمان ليس واجبًا فحسب، بل هو أحد أركان ستة عليها تبنى عقيدة المؤمن، فلا تتم إذن عقيدته إلا به، ولا تصح إلا عليه، قال تعالى: {لّيْسَ الْبِرّ أَن تُوَلّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـَكِنّ الْبِرّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنّبِيّينَ} [البقرة: 177]، فنصت الآية هنا على أن الإيمان باليوم الآخر ضروري، بل إنه أتى بعد الإيمان بالله -تبارك وتعالى.

ولأهمية هذا المعتقد في حياة المؤمن، ولآثاره الكبرى في استقامة الفرد وصلاحه، عنى القرآن الكريم به عناية لا تقل عن العناية بالإيمان بالله سبحانه وتعالى، فقد ذكره ربُّنا عز وجل في كتابه في عشرات السور من القرآن الكريم، وفي مئات الآيات، مرة بوصفه؛ كقول الحقُّ تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13) وَحُمِلَتِ الأرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكّتَا دَكّةً وَاحِدَةً  (14) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (15) وَانشَقّتِ السّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَىَ أَرْجَآئِهَآ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} [الحاقة: 13: 17]، ومرة بتقريره وتأكيد مجيئه؛ كقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنّ اللّهَ هُوَ الْحَقّ وَأَنّهُ يُحْيِـي الْمَوْتَىَ وَأَنّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لاّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنّ اللّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ} [الحج: 6، 7].

وممّا يؤكد أهمية هذا المعتقد، ويجعله كالصمام لحياة الاستقامة والطُهْرِ والخير، هو ذكره مقرونًا بالإيمان -تبارك وتعالى، وذلك كقوله تعالى: {إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَالّذِينَ هَادُواْ وَالنّصَارَىَ وَالصّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 62]، وكقول الله -تبارك وتعالى-: ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ} [الطلاق: 2].

إذن عرفنا المراد باليوم الآخر، وأنه يجب الإيمان به، وأهمية الإيمان بهذا اليوم العظيم الذي سيقف فيه العباد بين يدي رب العزة والجلال سبحانه وتعالى.

ب. الأدلة على البعث والنشور:

لقد سلك القرآن الكريم في إثبات الميعاد والحياة الثانية مسالك متعددة، هي غاية في الوضوح والسهولة منها: أن الشيءَ إذا لم يكن ثم كان وأعدم كانت إعادته أيسر وأهون على من بدأه أول مرة ثم أعدمه وأفناه، فالذي بنى دارًا ثم هدمها، لا يستحيل عليه ولا في حقه إعادة بنائها كما كانت أو خيرًا ممّا كانت، والذي يصنع آلة من الآلات مخترعًا لها لا يستصعب عليها أن يعيدها كما كانت، إذا هو كسرها بإرادته وباختياره ليحولها إلى آلة أفضل منها قبل، وقد ورد هذا المسلك من الاستدلال في سورة “الروم”، وفي ذلك يقول الحق -تبارك وتعالى-: {وَهُوَ الّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأعْلَىَ فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الروم: 27].

وأيضًا من مسالك القرآن الكريم في إقامة الأدلة على البعث والنشور: استدلاله بنوم الإنسان والحيوان واستيقاظهما، فالنوم يُعتبر موتًا مصغرًا، والاستيقاظ يُعتبر حياة مصغرة أيضًا، فكما تتم عملية النوم للإنسان والحيوان وعملية الاستيقاظ لهما، تتم أيضًا عملية الموت والحياة الكاملة لهم، جاء هذا الاستدلال في قول الله عز وجل: {وَهُوَ الّذِي يَتَوَفّاكُم بِاللّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنّهَارِ ثُمّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىَ أَجَلٌ مّسَمّى ثُمّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمّ يُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأنعام: 60]، فتأملوا هذه الآية حينما ذكر وفاتنا بالليل، وأنه يعلم ما كسبنا في النهار، أشار ربُّ العزة والجلال إلى أنه كما يُنيمنا بالليل ويبعثنا في النهار يُرجعنا إليه سبحانه وتعالى وهذا دليلٌ واضحٌ.

وأيضًا من الأدلة: الاستدلال بالأرض الميتة بسبب طبيعتها أو الجدب أو القحط؛ حيث تنعدم فيها الحياة تمامًا، ثم يُنزل الله عز وجل عليها الغيث أو تسقى بالماء؛ فتعود إليها كما كانت وخيرًا ممّا كانت نماءً وازدهارًا، والذي يوحي الأرض بعد موتها يحيي الإنسان أيضًا إذا مات وتحلل، وفي ذلك يقول -جل ذكره: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنّكَ تَرَى الأرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزّتْ وَرَبَتْ إِنّ الّذِيَ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ الْمَوْتَىَ إِنّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [فصلت: 39].

ويقول الحقُّ عز وجل: وَتَرَى الأرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) ذَلِكَ بِأَنّ اللّهَ هُوَ الْحَقّ} [الحج: 5، 6]، وكما يفعل الله عز وجل بهذه الأرض الميتة، يُخرج الإنسان بعد ذلك أيضًا من الأرض ويحييه ويبعثه؛ فيقول سبحانه مكملًا الآية السابقة: {ذَلِكَ بِأَنّ اللّهَ هُوَ الْحَقّ وَأَنّهُ يُحْيِـي الْمَوْتَىَ وَأَنّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

ومن الأدلة أيضًا على البعث والنشور: الاستدلال بالقدرة الكافية التي بها خُلِقَ آدم عليه السلام من تراب، وذريته من نطفة على إمكان الميعاد والبعث وتقرير وقوعهما، يقول تعالى: {يَأَيّهَا النّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مّنَ الْبَعْثِ فَإِنّا خَلَقْنَاكُمْ مّن تُرَابٍ ثُمّ مِن نّطْفَةٍ ثُمّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمّ مِن مّضْغَةٍ مّخَلّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلّقَةٍ لّنُبَيّنَ لَكُمْ وَنُقِرّ فِي الأرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىَ أَجَلٍ مّسَمّى ثُمّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمّ لِتَبْلُغُوَاْ أَشُدّكُمْ وَمِنكُمْ مّن يُتَوَفّىَ وَمِنكُمْ مّن يُرَدّ إِلَىَ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الأرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [الحج: 5].

ومن الأدلة أيضًا: الاستدلال بالقدرة على خلق العوالم على إمكان إعادة حياة الناس بعد موتهم وفناء أجسامهم، فالذي خلق العالم بكل ما فيه، وأخرجه من حيز العدم إلى الوجود، بل خلق ما هو أعظم وأكبر من الإنسان، أيعجز بعد ذلك أن يوجد هذا الإنسان الضعيف؟! وتأملوا مثلًا في خلق السماوات والأرض، وفي ذلك يقول -جل ذكره-: {لَخَلْقُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ وَلَـَكِنّ أَكْـثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [غافر: 57].

ولذلك رد الله عز وجل على من استبعد البعث والنشور، وقام في ذهنه وعقله أن البعث بعيد ومستحيل، فقد استدل الله عز وجل بأدلة متعددة على البعث والنشور منها: خلقه لهذه العوالم أول مرة، ومنها أيضًا إنشاؤه لهذه الكائنات، وإخراجها من حيز العدم إلى الوجود، ثم خلق ما هو أكبر من خلق الإنسان، وفي آخر سورة “يس” ردَّ ربُّ العزَّةِ والجلال على المُنْكِرِ المُسْتَبْعِدِ للبعث والنشور بقوله سبحانه: {أَوَلَـيْسَ الَذِي خَلَقَ السّمَاواتِ وَالأرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىَ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىَ وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ} [يس: 81].

ومن الأدلة: الاستدلال باختلاف سلوك الإنسان في هذه الحياة بالخير والشر، والصلاح والفساد على وجود حياة أخرى يُجْزَى فيها كلُّ عاملٍ بما عمل من خيرٍ وشرٍّ، لعدم استكمال المجازاة في هذه الحياة الدنيا، فنحن نجد أن بعض الصالحين يُظلم في هذه الأرض، ولا يُؤخذ حقه من الظالم، ويموت الظالم ولم يستوف منه الحق بعد، فكان ولا بد من حياة أخرى يقوم فيها الناس ليُجزى كل عامل بما قدم، وفي ذلك يقول ربُّ العزة والجلال: {كُلّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنّمَا تُوَفّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدّنْيَا إِلاّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185]، وقال تعالى: {إِنّ سَعْيَكُمْ لَشَتّىَ (4) فَأَمّا مَنْ أَعْطَىَ وَاتّقَىَ (5) وَصَدّقَ بِالْحُسْنَىَ (6) فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَىَ (7) وَأَمّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىَ (8) وَكَذّبَ بِالْحُسْنَىَ (9) فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَىَ (10) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدّىَ} [الليل: 4: 11].

ولذلك كانت التكاليف الشرعية التي كلف الله عز وجل بها العباد تدل على وجود حياة أخرى يتم فيها الجزاء على القيام بتلك التكاليف، وعلى تركها وإهمالها؛ إذ لم يتوفر جزاءٌ كافٍ في هذه الحياة الدنيا على تلك التكاليف، قال سبحانه: {تَبَارَكَ الّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الملك: 1، 2]، وهناك آيةٌ صريحةٌ في ذلك، وهي: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللّهُ الْمَلِكُ الْحَقّ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ رَبّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} [المؤمنون: 115، 116].

ومن أعظم الأدلة بعد ذلك على البعث والجزاء والحياة الآخرة: أخبار الله تعالى، وأخبار رسوله صلى الله عليه وسلم إن الذي يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا يجد في نفسه بحال داعيًا للشك، ولا مسارًا للجدل، والنزاع في ثبوت الميعاد، وكل ما يتم فيه من حساب وجزاء؛ إذ إن أخبار الله تعالى كلها صدقٌ وحقٌّ، فقد أخبر تعالى بآلاف الأخبار، فلم تكن إلا وفق ما أخبر، كما أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم بآلاف الأخبار، فلم يتخلف منها خبرٌ واحدٌ عن مدلوله، فكيف يُعقل إذن أن يخبر الله تعالى، ويخبر رسوله صلى الله عليه وسلم بمئات الأخبار عن ثبوت الحياة الثانية، وعن كل ما يجري فيها من بعثٍ وحسابٍ وجزاءٍ، ثم لا يصح شيءٌ من ذلك ولا يثبت، فهذا باطلٌ لا يصح، ومحالٌ لا يُقبل ولا يُعقل.

إن حتمية الفناء ووجود حياة أفضل تحوي نعيمًا للمحسنين – الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وجحيمًا للمسيئين الذين أشركوا وعملوا السيئات ممّا أخبر الله تعالى به وقرره في كل كتبه، وعلى ألسنة جميع رسله – حقٌّ واقعٌ لا محالة، والشك فيه ضرب من الهبوط الشخصي، والمرض العقلي والعياذ بالله -تبارك وتعالى- وعلى الذين ينكرون الميعاد أن يرجعوا عن ذلك، وليعلموا أنهم سيقفون بين يدي الله سبحانه وتعالى ليجازيهم على أعمالهم إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.

جـ. ذكر ما يكون في اليوم الآخر والأدلة عليه:

نشير هنا إلى بعض ما يكون في اليوم الآخر، ونذكر أيضًا الأدلة عليه؛ لأن القرآن الكريم أخبرنا عن مواقفٍ متعددةٍ ستكون في هذا اليوم، ومنها:

أولًا: الحشر، ما هو الحشر؟ إن الحشر عبارة عن جمع الخلائق بعد بعثهم أحياءً في ساحةٍ واحدةٍ تُدعى عَرَصَات القيامة؛ وذلك لفصل القضاء، وهو الحكم فيما بينهم من أجل مجازاتهم، فالناس إذا بُعثوا من قبورهم أحياءً حفاةً عراةً غُرلًا، كما بدأ الله تعالى خلقهم أولًا يعيدهم ثانيًا، قال تعالى: {كَمَا بَدَأْنَآ أَوّلَ خَلْقٍ نّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنّا كُنّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 104].

وقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كما في حديث الصحيحين: ((يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، قُلْتُ (والقائلة هي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها): يَا رَسُولَ اللهِ النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ جَمِيعاً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ.قَالَ صلى الله عليه وسلم: “يَا عَائِشَةُ الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ)).

ويحشر الكافرون على وجوههم، يقول تعالى: {وَمَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَىَ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مّأْوَاهُمْ جَهَنّمُ كُلّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً (97) ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنّهُمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا وَقَالُواْ أَإِذَا كُنّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} [الإسراء: 97، 98].

وفي الحديث المتفق عليه أنه: ((قيل للرسول صلى الله عليه وسلم: كيف يُحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادرًا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة))، بلى، سبحانه وتعالى قادر.

وممّا يكون في اليوم الآخر: فصل القضاء والشفاعة فيه، والمراد بفصل القضاء هو: أن الناس عندما يحشرون إلى ربهم، ويبلغ العناء منهم مبلغًا عظيمًا من شدة الهول وصعوبة الموقف، يرغبون في أن يحكم الله تعالى فيهم بما هو أهله، وبما هم متهيئون له بحسب طهارة أرواحهم أو خبثها؛ حتى يستريحوا من شدة الموقف وأتعابه، ومصداق هذا جاء في قول الله تعالى: {وَإِذَا الرّسُلُ أُقّتَتْ (11) لأيّ يَوْمٍ أُجّلَتْ (12) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (13) وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (14) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ} [المرسلات: 11: 15]، ويقول سبحانه: {هَـَذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ (35) وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (36) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ (37) هَـَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالأوّلِينَ (38) فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (39) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ} [المرسلات: 35: 40].

وعندما يطول موقفهم ويعظم قربهم يقول بعضهم: ((أَلَا تَرَوْنَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ ؟ أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ ؟ أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: أَبُوكُمْ آدَمُ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ، أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ ألَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُ، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ، فَيَأْتُونَ نُوحًا، فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، وَسَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ نُوحٌ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُ بِهَا عَلَى قَوْمِي، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُونَ: يَا إِبْرَاهِيمُ، أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ يَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَذَكَرَ كَذَبَاتِهِ، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى، فَيَأْتُونَ مُوسَى: فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى، أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِتَكْلِيمِهِ عَلَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ مُوسَى: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى، فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، قَالَ: هَكَذَا هُوَ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ عِيسَى: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ ذَنْبًا، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فَيَأْتُونِي، فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ، أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، وَخَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ذَنْبَكَ، مَا تَقَدَّمَ مِنْهُ وَمَا تَأَخَّرَ، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَأَقُومُ، فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي عز وجل، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ وَيُلْهِمُنِي مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبَلِي، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَقُولُ: أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ مِنَ الْبَابِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْأَبْوَابِ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لِمَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرَ، أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى)). أَخْرَجَاهُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) بِمَعْنَاهُ، وَاللَّفْظُ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ(1). هذا الحديث دل على الشفاعة العظمى أيضًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وأن فصل القضاء والشافعة فيه ستكون في يوم القيامة.

ومن المواقف التي ستحدث في هذا اليوم أيضًا: الحساب والميزان، الحساب يدور على محتويات الكتب التي يُعطاها كل فردٍ من أفراد الناس في ساحة فصل القضاء، ويقرؤها كل واحدٍ من أهل الموقف؛ سواء من كان يقرأ منهم ومن لم يكن يقرأ، ويختلف إعطاؤهم تلك الكتب وتلقيهم لها؛ إذ منهم من يُعطى كتابه بيمينه ومن أمامه، ومنهم من يعطي كتابه بشماله ومن وراء ظهره، وبمجرد إلقاء نظرة على محتوى الكتاب يعلم صاحبه بمصيره، ويُعلن على الفور عن فوزه وفرحه وسروره، أو عن خيبته وحزنه وخسرانه، قال تعالى: {فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً (8) وَيَنقَلِبُ إِلَىَ أَهْلِهِ مَسْرُوراً (9) وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً (11) وَيَصْلَىَ سَعِيراً} [الانشقاق: 7- 12].

وبينما هم كذلك إذ تُوضع الموازين القسط، ويتقدم الناس واحدًا واحدًا للحساب، فمنهم من يحاسب يسيرًا، وهو العرض الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: لعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: ((من حُوسِبَ يوم القيامة عُذب؛ فقالت له أم المؤمنين رضي الله عنها: أليس الله عز وجل يقول: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} فقال لها: ليس ذاك الحساب، إنما ذلك العرض، من نُوقِشَ الحساب يوم القيامة عذب))، ومنهم من يحاسب حسابًا عسيرًا يُستنطق الفرد ويسأل عن كل صغيرة وكبيرة، فإن أجاب بالصدق والحق فيها وفيما عمل فبها ونعمت، وإن حاول الكذب أو الكتمان فإنه يُختم على فمه، وتستنطق جوارحه فتنطق بالذي عمل في دنياه، ولا تُخفي شيئًا.

ومن المواقف أيضًا: الصراط، فبعد وزن الأعمال والفراغ منها، وبيان السعيد من الشقي، يضطر الناس إلى المرور على الصراط، وهو جسرٌ دقيقٌ منصوبٌ على ظهر جهنم، يمر عليه الناس حتى يصلوا إلى الجنة، يشهد لخطورته أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقف على جنباته والناس يمرون، وهو يدعو: ((رب سلم سلم))، ويكون مرور الناس بحسب أعمالهم في الدنيا، فمنهم من يمر بسرعة مدهشة حتى لكأنه البرق الخاطف، ومنهم من يمر دون ذلك إلى أن ينجو من ينجو ولو حبوًا على يديه وركبتيه، ويهلك من يهلك بسقوط في جهنم دار الشقاء والهوان.

وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم الصراط في معرض حديثه عن الشفاعة العظمى والمقام المحمود الذي وعده به ربه -تبارك وتعالى- في قوله: {عَسَىَ أَن يَبْعَثَكَ رَبّكَ مَقَاماً مّحْمُوداً} [الإسراء: 79]، وصفه صلى الله عليه وسلم بأن الأمانة والرحم ستقومان جنبتي الصراط يمينًا وشمالًا؛ فيمر أول الناس كالبرق، ثم ذكر صلى الله عليه وسلم إلى أن قال: ((وفي حافتَي الصِّراط كلاليب معلَّقة، مأمورةٌ بأخذ مَن أُمرت به، فمخدوشٌ ناجٍ، ومكدُوسٌ في النَّار)).

وبعد أن يجتاز المؤمنون الصراط بسلام وأمان من الوقوع في النار يقفون على قنطرة بين الجنة والنار لتهذيبهم وتطهيرهم من كل ما كان بينهم من عداوات أو شحناء، أو حقوق لبعضهم على بعض، ثم بعد ذلك يؤذن لهم بدخول الجنة فيدخلون، وقد روى حديث القنطرة الإمام أبو عبد الله البخاري في صحيحه -رحمه الله- -تبارك وتعالى- ونصه: ((يُخَلَّصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ ، فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، فَيُقْتَصُّ لِبَعْضٍ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا ، أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، لأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا))، ثم بعد ذلك يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، يسقطون فيها وهم يمرون على الصراط.

الركن السادس من أركان الإيمان؛ الإيمان بالقدر: ويشتمل على النقاط التالية:

أ. التعريف بالقضاء والقدر: فالقدر هو ما سبق به العلم، وجرى به القلم ممّا هو كائنٌ إلى الأبد، وأنه عز وجل قدر مقادير الخلائق وما يكون من الأشياء قبل أن تكون في الأزل، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقاتٍ معلومة عنده تعالى وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها سبحانه.

وقال الإمام الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في تعريفه: “المراد –أي: بالقدر- أن الله تعالى علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد، فكل محدثٍ صادرٍ عن علمه وقدرته وإرادته سبحانه وتعالى”.

ونشير هنا إلى تعريف القضاء، فنقول: إن القضاء هو الفصل والحكم، وقد تقرر في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ذِكر القضاء، وأصله القطع والفصل، يُقال: قضى يقضى قضاءً، فهو قاضٍ إذا حكم وفصل، وقضاء الشيء إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه، فيكون بمعنى الخلق، وللعلماء في التفرقة بين القضاء والقدر قولان:

الأول: القضاء هو العلم السابق الذي حكم الله به في الأزل، والقدر وقوع الخلق على وزن الأمر المقضي السابق، ويقول ابن حجر العسقلاني -رحمه الله: “قال العلماء: القضاء هو الحكم الكلي الإجمالي في الأزل، والقدر جزئيات ذلك الحكم وتفاصيله”، وقال في موضعٍ آخر: “القضاء الحكم بالكليات على سبيل الإجمال في الأزل، والقدر الحكم بوقوع الجزئيات التي لتلك الكليات على سبيل التفصيل”.

الثاني: وهو عكس القول الأول، فالقدر هو الحكم السابق، والقضاء هو الخلق.

ب. وجوب الإيمان بالقدر والأدلة عليه:

الإيمان بالقدر من أصول الإيمان التي لا يتم إيمان العبد إلا بها، ففي (صحيح مسلم) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه في سؤال جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم، قال لما سأله عن الإيمان: ((أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال له جبريل عليه السلام: صدقت)).

والنصوص المخبرة عن قدر الله أو الآمرة بالإيمان بالقدر كثيرة، وقد صرح بها القرآن الكريم في نحو مائة آية، ومن ذلك قوله سبحانه: {إِنّا كُلّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49]، ومنها قوله: {وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ قَدَراً مّقْدُوراً} [الأحزاب: 38]، ومنها قوله سبحانه: {وَخَلَقَ كُلّ شَيْءٍ فَقَدّرَهُ تَقْدِيراً} [الفرقان: 2].

والنبي صلى الله عليه وسلم في سُنته ذكر أحاديث متعددة توجب الإيمان بالقضاء والقدر، فقد أخرج مسلم والترمذي وغيرهما عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: “سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء))”.

وفي مسلم أيضًا عن طاوس قال: “أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: كل شيءٍ بقدر”، قال: “وسمعت عبد الله بن عمر يقول: كل شيء بقدر حتى العجز والكيس”.

جـ. أركان الإيمان بالقدر:

الإيمان بالقدر يقوم على أربعة أركان مَنْ أقرَّ بها جميعًا فإن إيمانه بالقدر يكون مكتملًا، ومن انتقص واحدًا منها أو أكثر فقد اختل إيمانه بالقدر، والأركان الأربعة هي:

الركن الأول: الإيمان بعلم الله -تبارك وتعالى- الشامل المحيط، وقد كثر في كتاب الله، وسُنة رسوله صلى الله عليه وسلم تقرير هذا الأصل العظيم، فعلم الله محيطٌ بكل شيءٍ، يعلم ما كان، وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، ويعلم الموجود والمعدوم، والممكن والمستحيلة، وهو عالمٌ بالعباد، وآجالهم، وأرزاقهم، وأحوالهم، وحركاتهم، وسكناتهم، وشقاوتهم، وسعادتهم، ومَنْ مِنْ أهل الجنة منهم ومَنْ مِنْ أهل النار؛ كل ذلك لأنه سبحانه وتعالى يتصف بصفة العلم الشامل الواسع لكل شيءٍ، قال تعالى في تقرير ذلك: {هُوَ اللّهُ الّذِي لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ} [الحشر: 22]، وقال سبحانه: {لّتَعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنّ اللّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلّ شَيْءٍ عِلْمَا} [الطلاق: 12].

والنبي صلى الله عليه وسلمأخبر في سُنته في أحاديث كثيرة عن علم الله سبحانه وتعالى الواسع المطلق، ومن ذلك ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أولاد المشركين، فقال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)).

الركن الثاني: الإيمان بأن الله كتب في اللوح المحفوظ كل شيءٍ، دلت النصوص من الكتاب والسُّنة على أن الله كتب في اللوح المحفوظ كل ما كان وما سيقع؛ ففي الحديث الذي يرويه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((كتب الله مقادير الخلائق)) فقوله: ((كتب)) يدل على أن الله عز وجل كتب مقادير الخلائق.  كما ذكر عبادة بن الصامت في حديثه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتب، قال: ما اكتب؟ قال: اكتب القدر ما كان وما هو كائن إلى الأبد)).

واللوح المحفوظ الذي كتب فيه الله مقادير الخلائق سماه القرآن بالكتاب، وبالكتاب المبين، وبالإمام المبين، وبأم الكتاب، والكتاب المسطور، قال تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مّجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مّحْفُوظٍ} [البروج: 21، 22]، وقال: {وَكُلّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِيَ إِمَامٍ مّبِينٍ} [يس: 12]، وقال: {وَالطّورِ (1) وَكِتَابٍ مّسْطُورٍ} [الطور: 1، 2].

الركن الثالث: الإيمان بمشيئة الله الشاملة، وقدرة الله النافذة، وهذا الأصل يقضي بالإيمان بمشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا حركة ولا سكون في السماوات ولا في الأرض إلا بمشيئة الله -تبارك وتعالى- فلا يكون في مُلك الله إلا ما يريد، والنصوص المصرحة بهذا الأصل المُقِرَّةُ له كثيرةٌ منها قوله تعالى: {وَمَا تَشَآءُونَ إِلاّ أَن يَشَآءَ اللّهُ} [الإنسان: 30]، وقوله: {إِنّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [يس: 82]، ويقول سبحانه: {وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىَ} [الأنعام: 35].

الركن الرابع من أركان الإيمان بالقدر: الإيمان بأن الله خالق كل شيء، وقد قررت النصوص القرآنية والنبوية أن الله خالق كل شيء، فهو الذي خلق الخلق وكونهم وأوجدهم، فهو الخالق وما سواه مربوبٌ مخلوقٌ، قال تعالى: {اللّهُ خَالِقُ كُلّ شَيْءٍ} [الرعد: 16]، وقال سبحانه: {الْحَمْدُ للّهِ الّذِي خَلَقَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَجَعَلَ الظّلُمَاتِ وَالنّورَ} [الأنعام: 1].

والنصوص في هذا كثيرة، وهي تقرر أن الله خالق أعمال العباد، وممّا جاء في القرآن صراحة ممّا يدل على ذلك قوله سبحانه: {قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 95، 96].

د. الإيمان بقدر الله عز وجل وأن هذا الإيمان لا يؤدي إلى ترك العمل:

فالإيمان بالقدر لا يؤدي إلى ترك العمل، ونوضح ذلك؛ لأن بعض الناس ضل في هذا الباب، وقال: إذا كان الله عالمًا بكل شيءٍ نفعله، وعالمًا بمصيرنا إلى الجنة أو النار، وكان هو الخالق لأفعالنا فلماذا نعمل وننصب؟ ولماذا لا نترك الأقدار تجري في أعنتها؟ وقد تعمقت هذه الضلالة عند طوائف من العُبّاد والزهاد وأهل التصوف، وذهب إلى هذا القول بعض جهالة المسلمين أيضًا وأهل الزيغ والزندقة، وهذا الفريق يؤمن بالقدر، وأن الله عالمٌ بكل شيءٍ، وخالقٌ لكل شيءٍ، ومريدٌ لجميع الكائنات، ولكنهم زعموا أن كل ما خلقه الله وشاءه فقد رضيه وأحبه، وزعموا أنه لا حاجة بالعباد إلى العمل والأخذ بالأسباب، فما قُدرَ لهم سيأتيهم، وزعموا أن العباد مجبورون على أفعالهم، فالإنسان عندهم ليس له قدرة تؤثر في الفعل، بل هو مع القدر كالريشة في مهب الريح.

وفي الحقيقة هذا الاعتقاد المنحرف الذي أصاب طائفةً من الناس كانت له أثارٌ سيئةٌ على المجتمع بصورة عامة وعليهم بصورة خاصة، فقد دفعهم هذا المعتقد إلى ترك الأعمال الصالحة الخيرة التي توصلهم إلى الجنة وتنجيهم من النار، وارتكبوا كثيرًا من الموبقات بدعوى أن القدر آتٍ آت، وكل ما قُدرَ للعبد سيصيبه، كما ترك هؤلاء الأخذ بالأسباب؛ فتركوا الصلاة والصيام كما تركوا الدعاء والاستعانة بالله والتوكل عليه، ورضي كثيرٌ من هؤلاء بظلم الظالمين وإفساد المفسدين، وتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يهتموا بإقامة الحدود والقصاص.

وقد عرض شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- لهذا الفريق ومعتقده، فقال: الذين اعترفوا بالقضاء وزعموا أن ذلك يوافق الأمر والنهي، فهؤلاء يؤول أمرهم إلى تعطيل الشرائع والأمر والنهي مع الاعتراف بالربوبية العامة بكل مخلوق، وأنه ما من دابة إلا والله عز وجل آخذًا بناصيتها، وهذا هو الذي يُبتلى به كثيرًا إما اعتقادًا وإما حالًا طوائف من الصوفية والفقراء، حتى يخرج من يخرج منهم إلى الإباحة بالمحرمات، وإسقاط الواجبات، ورفع العقوبات.

وهذا في الحقيقة ضلالٌ بعيدٌ وانحرافٌ خطيرٌ وقعوا فيه، وأداهم ذلك إلى القعود والكسل وترك العمل، وبالتالي ما عرفوا طريقًا لعبادة الله عز وجل، فالإيمان بالقدر لا يعني أن يترك الإنسان الأسباب أو العمل، بل إن الإيمان بالقدر يدفع إلى العمل؛ لأن الإنسان لا يعلم ماذا قُدِرَ عليه، والنبي صلى الله عليه وسلم قد أشار إلى ذلك حين سُئل عن الاتكال على كتابة الله -تبارك وتعالى- لِمَ قدره وقضاه؟ وكتبه في اللوح المحفوظ؟ أو أن يعمل الإنسان؟ فأشار النبي صلى الله عليه وسلمإلى العمل، سُئل صلى الله عليه وسلم: ((أرأيت ما نحن فيه؟ هل هو أمرٌ قد فُرِغَ منه أم أمرٌ مستأنف؟ فقال: أمرٌ قد فُرِغَ منه، فقيل له صلى الله عليه وسلم: أفلا نَدَعُ العمل، ونتكل على كتابنا هذا؟ فقال صلى الله عليه وسلم مرشدًا وموجهًا: اعملوا فكلٌّ ميسرٌ لما خُلِقَ له)). فالإيمان بالقدر يوجب الأخذ بالأسباب، ويوجب السعي إلى العمل، أما ترك العمل اتكالًا على القدر فهو آفة تُُصيب بعضَ الناسِ الذين ضلوا وانحرفوا عن صراط الله المستقيم، وبالتالي ضلالهم سَيُحِيقُ بهم، فعلى العبد أن يؤمن بقضاء الله وقدره، ثم بعد ذلك يعمل ويسعى، مُتَوَكِّلًا على الله لا مُتَوَاكِلًا عليه، ويسأل الله حسن الخاتمة، ويُسلِم أمره الله عز وجل.

error: النص محمي !!