Top
Image Alt

الإيمان بالميزان، وبيان حقيقته

  /  الإيمان بالميزان، وبيان حقيقته

الإيمان بالميزان، وبيان حقيقته

الإيمان بالميزان:

الميزان يكون يوم القيامة، قال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47] وقال تعالى: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} [المؤمنون: 102- 103].

قال القرطبي في (التذكرة) قال العلماء: إذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمال؛ لأن الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لتقرير الأعمال، والوزنُ لإظهار مقاديرها، ليكون الجزاء بحسبها، قال: وقوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} يحتمل أن يكون المراد الموزونات، فجُمع باعتبار تنوع الأعمال الموزونة، والله أعلم. انتهى كلام القرطبي.

حقيقة الميزان:

الذي دلت عليه السنة أن ميزان الأعمال له كِفتان حِسيتان مشاهدتان، روى الإمام أحمد من حديث أبي عبد الرحمن الحبري، قال: سمعت عبد الله بنَ عمرو رضي الله عنهما يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله سيخلص رجلًا من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعةً وتسعين سجلًّا، كل سجل مد البصر، ثم يقول له: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمكَ كتبتي الحافظون؟ قال: لا يا رب. فيقول الله له: ألك عذر، أو حسنة؟ فيبهت الرجل، فيقول: لا يا رب. فيقول الله: بلَى، إن لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلمَ عليك اليوم. فتخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فيقول: أحضِروه. فيقول: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تُظلم. قال: فتُوضَعُ السجلات في كفة، والبطاقة التي فيها الشهادة في كفة، قال: فطاشت السجلات، وثقلت البطاقةُ، ولا يثقل شيءٌ بسم الله الرحمن الرحيم)) أخرج الحديث أحمد، والترمذي، وابن ماجه وسنده صحيح.

و”السجل”: الكتاب الكبير، “فيبهت الرجل” يعني: ينقطع ويسكت متحيرًا مدهوشًا، و”البطاقة”: رقعة صغيرة يثبت فيها مقدار ما يجعل فيه إن كان عينًا فوزنه أو عدده، وإن كان متاعًا فثمنه.

وفي هذا السياق فائدة جميلة، وهي أن العامل يوزن مع عمله، ويشهد له ما رواه البخاري عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال: اقرءوا إن شئتم قول الله تعالى: {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف: 105])) أخرجه البخاري، ومسلم.

وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود أنه كان يجتني سواكًا من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفوه -يعني: تميله- فضحِكَ القوم منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مم تضحكون؟ قالوا: يا نبي الله، من دقة ساقيه. فقال: والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد)) أخرجه أحمد وأخرجه الطبراني.

وقد وردت الأحاديث أيضًا بوزن الأعمال نفسها ، كما في (صحيح مسلم) عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الطهور شَطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزانَ)) أخرجه مسلم، والترمذي.

وفي الصحيحين -وهو خاتمة كتاب البخاري- قوله صلى الله عليه وسلم: ((كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)) أخرجه البخاري ومسلم.

وروى الحافظ أبو بكر البيهقي عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يُؤتَى بابن آدم يوم القيامة، فيوقف بين كِفتي الميزان، ويوكل به ملك، فإن ثقل ميزانه نادَى الملك بصوت يُسمِعُ الخلائقَ: سعِد فلان سعادةً لا يشقى بعدها أبدًا. وإن خَفَّت ميزانه نادى الملك بصوت يُسمع الخلائق: شقي فلانٌ شقاوةً لا يسعد بعدها أبدًا)) أخرجه أبو نعيم في (الحلية). فعلى هذا لا يلتفت إلى ملحد ومعاند يقول: الأعمال أعراض لا تقبل الوزن، وإنما يقبل الوزن الأجسام، فإن الله تعالى يقلب الأعراض أجسامًا، روى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يؤتى بالموت كبشًا أغبر -أي: يغلب بياضُه على سوادِه- فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة، فيشرئبُّون وينظرون، ويرون أن قد جاء الفرج، فيذبح ويقال: خلود لا موت)) أخرجه أحمد ورواه البخاري بمعناه، فثبت بذلك وزن الأعمال والعامل وصحائف الأعمال، وثبت أن الميزان له كفتان.

error: النص محمي !!