Top
Image Alt

الاتجاه الأول: نقد الذواقين

  /  الاتجاه الأول: نقد الذواقين

الاتجاه الأول: نقد الذواقين

نستكمل الكلام عن النقد في العصر الأموي، وقد ذكرنا المؤثرات التي أثرت في الأدب والنقد في هذا العصر، وتحدثنا عن البيئات النقدية وما امتازت به كل بيئة، وما نتج عن ذلك من مدارس نقدية، كان لكل مدرسة طابعها وفرسانها، وأشرنا إلى طبيعة هذا النقد الذي كان في العصر الأموي، وذكرنا أن هذا النقد سار في اتجاهات ثلاثة عامة؛ هي:

الاتجاه الأول: نقد الذواقين.

الاتجاه الثاني: الموازنات الشعرية.

الاتجاه الثالث: نقد العلماء.

وهنا نفصل القول ونقف عند نماذج من النقد في هذه الاتجاهات الثلاثة:

المراد بنقد الذواقين: هو ما أُثر من آراء وأحكام نقدية صدرت عن النقاد الذين عُرفوا بسلامة الفطرة وصحة السليقة، وشبُّوا على الثقافة العربية الأصيلة، وتمرسوا على التمييز بين ألوان الكلام كما يستطيع اللسان التمييز بين طعوم الطعام، فهذه الطائفة من النقاد اعتمدت في نظرها إلى الأدب على فطرة لغوية صحيحة، وإحساس راقٍ بالكلام، مع معرفة وثقافة متميزة مكّنتهم من أن يتصدوا لنقد الأدب وبيان جيده من رديئه.

وأما الشواهد التي توضح هذا الاتجاه، فقد ذكر مؤرخو النقد نماذج كثيرة تبين هذا الاتجاه، منها: ما حدث في مجلس من مجالس ابن أبي عتيق، حيث فضّل رجل شعر الحارث بن خالد على شعر عمر بن أبي ربيعة، فقال ابن أبي عتيق: بعض قولك يابن أخي، إن لشعر عمر لوطة بالقلب -أي: علوقًا بالقلب، وعلوقًا بالنفس، ودركًا للحاجة- ليس لشعر الحارث، وأضاف: أشعر العرب مَن دق معناه، ولطف مدخله، وسهل مخرجه، وتعطفت حواشيه، وأنارت معانيه، وأعرب عن حاجته، فقال الرجل: إن الحارث يقول:

إني وما نحروا غداة منًى

*عند الجِمار تئودها العقل

لو بُدلت أعلى مساكنها

*سَفْلًا، وأصبح سَفلها يعلو

لعرفتُ مغناها بما احتملت

*مني الضلوع لأهلها قبل

فقال ابن أبي عتيق: استر على نفسك واكتم على صاحبك، ولا تشاهد المحافل بمثل هذا! أما تطير الحارث على محبوبته حين قلب ربعها فجعل عاليه سافله، ما بقي إلا أن يسأل الله لها حجارة من سجيل.

فهذا الشعر في رأي هذا الناقد المتذوق معيب؛ لأن الشاعر ذكر أنه لو بدلت أعلى مساكن محبوبته سفلًا، وأصبح سفلها يعلو، أي: انقلبت أرضها، فكأنه بذلك يتطير أو يذكر شيئًا كريهًا بالنسبة لمحبوبته؛ ولذلك قال: ما بقي إلا أن يسأل الله لها حجارة من سجيل.

إن ابن أبي ربيعة كان أحسن صحبة من صاحبك، وأجمل مخاطبة حيث يقول:

سائلا الرَّبْع بالبلي ثم قولا

 

*هِجت شوقا لنا الغداة طويلا

أين حي حَلّوك؟ إذ أنت محفو

*ف بهم آهل، أراك جميلا

قال: ساروا فأمعنوا واستقلوا

*وبرغمي لو استطعت سبيلا

سئمونا وما سئمنا مقاما

*وأحبوا دماثة وسهولا

فانصرف الرجل -أي: الذي كان يفضل شعر الحارث بن خالد- خجلان مذعنًا، أي: أقر بأن عمر بن أبي ربيعة أشعر من الحارث بن خالد.

ومن اللفتات النقدية التي رُويت للسيدة سكينة بنت الحسين -رحمها الله- أيضًا: أنها وقفت على شعر عروة بن أذينة -وكان من كبار الصالحين- فقالت له: “أنت القائل:

إذا وجدتُ أُوار الحب في كبدي

*ذهبت نحو سقاء البيت أبترد

هبني بردْتُ ببَرْد الماء ظاهره

*فمن لنارٍ على الأحشاء تتقد؟

وأنت القائل:

قالت، وأبثثتها سري وبحت به:

*قد كنت عندي تحت السر فاستتري
ألست تبصر من حولي؟ فقلت لها:

*غطى هواك، وما أَلقى على

بصري؟

قال: نعم. فالتفتت إلى جوارٍ كنّ لها وقالت: هن حرائر، إن كان خرج هذا من قلب سليم”.

ومن النماذج التي رويت في ذلك أيضًا: أن الكميت عارض قصيدة ذي الرمة البائية المشهورة، والتي قال في مطلعها:

ما بال عينك منها الماء ينسكب
 
*  كأنه من كلى مفرية سَرِب!

وقد قال الكميت في هذه القصيدة، في معرض الغزل:

أم هل ظعائن بالعلياء رافعة

*وإن تكامل فيها الدل والشنب؟

فلما قال ذلك وكان نُصيب الشاعر حاضرًا، عقد بأصبعه؛ فقال له الكميت: “ماذا تحصي؟ قال: خطأك، لقد باعدت في القول وما الدل والشنب؟ هلا قلت كما قال ذو الرمة:

لمياء في شفتيها حُوَّة لَعْسٌ

*وفي اللثات، وفي أنيابها شَنَب

فالدل هو الدلال، والشنب: عذوبة الأسنان، وهما متباعدان غير مؤتلفين، أما الحوة الموجودة في الشفتين فهي قريبة مما يوجد في الأسنان.

فكان نقد نصيب لبيت الكميت مبنيًّا على أن الكميت جمع أمرين متباعدين، وذلك مبني على ذوق عالٍ عنده.

ومن ذلك أيضًا: أن عمر بن أبي ربيعة والأحوص ونُصَيْبًا نزلوا على كثير عزة في خيمته، وتحدثوا في أمر الشعر والشعراء، فأقبل كثير على عمر ينقد قوله:

قالت: تَصَدِّي له ليعرفنا
 
*ثم اغمزيه يا أخت في خفر

قالت لها: قد غمزته فأبى

*ثم اسبطرَّت تشتد في أثري

فهجن كُثير هذه المعاني التي تتعرض النساء فيها للرجال، وقال لعمر: “إنك تُشبّب بنفسك، وإن الحرة إنما توصف بالحياء والإباء والبخل والامتناع، فهي مطلوبة لا طالبة”.

ومن ذلك قولهم: اجتمع جرير والفرزدق والأخطل في مجلس الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، فقال يستثيرهم ويشعل نار المنافسة بينهم: “ليقل كل منكم بيتًا في مدح نفسه، فأيكم غلب فله هذا الكيس -أي: من المال. فقال الفرزدق:

أنا القطران، والشعراء جربى
 
*وفي القطران للجربى شفاء

وقال الأخطل:

فإن تكُ زِق زَامِلَة، فإني

*أنا الطاعون ليس له دواء

وقال جرير:

أنا الموت الذي آتي عليكم

*فليس لهارب مني نَجاء

فقال عبد الملك لجرير: خذ الكيس؛ فلعمري إن الموت يأتي على كل شيء”، وهذا نقد من عبد الملك مبني على ذوق عالٍ.

وقالوا: بلغ عبد الملك قول جرير:

هذا ابن عمي في دمشق خليفة

*لو شئت ساقكم إليّ قَطِينا

فقال عبد الملك ناقدًا لقول جرير: “أما والله لو قال: لو شاء ساقكم إليّ، لفعلت، ولكنه قال: لو شئت، فجعلني شرطيًّا له”.

ورووا أن عبد الملك بن مروان سأل أعرابيًّا في مجلسه: “ألك علم بالشعر؟ فأجابه: سلني عما بدا لك يا أمير المؤمنين، فقال: أي بيت تقول العرب أمدح؟ فقال: قول جرير:

ألستم خير من ركب المطايا

*وأندى العالمين بطون راح؟

فاستشرف لها جرير وهو قائل البيت وكان حاضرًا، وحرك رأسه.

قال عبد الملك: فأي بيت تقول أغزل؟ قال: قول جرير:

إن العيون التي في طرفها حَوَرٌ

*قتلننا، ثم لم يحيين قتلانا

قال: فأي بيت أفخر؟ قال: قوله أيضًا:

إذا غضبت عليك بنو تميم

*رأيت الناس كلهم غضاب

قال: فأيها أهجى؟ قال: قوله:

فغض الطرف؛ إنك من نمير

*فلا كعبًا بلغت، ولا كلابا

فهَمّ جرير أن يكافئه، فأرضاه عنه عبد الملك”.

ومن نماذج نقد الذواقين كذلك: أن جريرًا والفرزدق اجتمعا عند الحجاج، فقال لهما: “من مدحني منكما بشعر يوجز فيه، ويحسن صفتي فهذه الخُلْعة له، فأنشد الفرزدق:

فمن يأمن الحجاج، والطير تتقي

*عقوبته إلا ضعيف العزائم

ثم أنشد جرير:

فمن يأمن الحجاج أما عقابه
 
*فمُر، وأما عقده فوثيق

يُسر لك البغضاء كل منافق

*كما كل ذي دِين عليك شفيق

فقال الحجاج للفرزدق: ما عملتَ شيئًا؛ إن الطير تتقي الصبي والخشبة، ودفع الخلعة إلى جرير”.

إذًا: الحجاج فضّل شعر جرير في مدحه على شعر الفرزدق، وعلل هذا التفضيل، وهذا مبني على تذوقه.

ومن أمثلة هذا النقد أيضًا أنه كان عبد الملك بن مروان يقول للشعراء: “تشبهونني مرة بالأسد ومرة بالبازي ومرة بالصقر! ألا قلتم كما قال كعب الأشعري:

ملوك ينزلون بكل ثغر

*إذا ما الهام يوم الروع طارا

رجال في الأمور ترى عليهم

*من الشيخ الشمائل والنجارا

نجوم يُهتدى بهم إذا ما

*أخو الظلماء في الغمرات حارا”

فالخليفة عبد الملك في هذا الخبر ينقد الشعراء؛ لأنهم يلتزمون في شعرهم صورًا مكرورة لا تجديد فيها ولا تنوع، وهذه دعوة منه توجه الشعر والشعراء وجهات جديدة حتى لا تتجمد صورهم، وكان عبد الملك يرى أن من عيوب المديح للخليفة أن يعدل الشاعر عن الفضائل النفسية التي تتعلق بالروح والعقل -كالعفة والشجاعة والكرم وغيرها- إلى غير ذلك من أوصاف الجسم؛ ولهذا لم يرتضِ من الشاعر ابن الرقيات قوله في مدحه:

يأتلق التاج فوق مفرقه

 
*على جبين كأنه الذهب

ومن نماذج نقد الذواقين كذلك: ما روي أنه اجتمع في ضيافة سكينة بنت الحسين جرير والفرزدق وكُثَيِّر وجميل ونُصَيْب، وكلهم من كبار الشعراء في ذلك العصر، فقالت سكينة للفرزدق: “أنت القائل:

هما دَلَّيَانِي من ثمانين قامة

*كما انقض بازٍ أقتم الريش كاسِره

فلما استوت رجلاي بالأرض قالتا:

*أحي يرجى، أم قتيل نحاذره؟

قال: نعم.

قالت: فما دعاك إلى إفشاء سرهما وسرك؟ هلا سترت عليك وعليهما!

ثم قالت لجرير: أنت القائل:

طرقتك صائدة القلوب وليس ذا

*وقت الزيارة، فارجعي بسلام

تُجري السواك على أغر كأنه

* بَرَد تخدّر من متون غمام

لو كان عهدك كالذي حدثْتِنا

*لوصلتُ ذاك، وكان غير لِمام

إني أواصل من أردت وصاله

*بحبال، لا صَلِف ولا لوام؟

قال: نعم.

قالت: أولا أخذت بيدها، وقلت ما يقال لمثلها؟ أنت عفيف وفيك ضعف.

ثم قالت لكثير: ألست القائل:

وأعجبني يا عز منك شمائل

*كرام، إذا عد الخلائق أربع

دنوك حتى يدفع الجاهل الصبا

*ودفعك أسباب المنى حين يطمع

وقطعك أسباب الكريم ووصلك

*اللئيم، وخلات المكارم ترفع

فوالله، ما يدري كريم مماطل

*أينساك إن باعدت، أم يتصدع؟

قال: نعم.

قالت: ملُحتَ وشَكِلت.

ثم قالت لنصيب: أنت القائل:

ولولا أن يقال: صبا نصيب

*لقلت بنفسي النَّشَأ الصغار

بنفسي كل مهضوم حشاها

*إذا ظُلمت، فليس لها انتصار؟

فقال: نعم.

قالت: ربيتنا صغارًا، ومدحتنا كبارًا.

ثم قالت لجميل: والله ما زلت مشتاقة لرؤيتك، منذ سمعت قولك:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة

*بوادي القرى، إني إذًا لسعيد؟

لكل حديث بينهن بشاشة

*وكل قتيل عندهن شهيد

جعلت حديثنا بشاشة وقتلانا شهداء”.

ويعلق الدكتور عبد الرحمن عثمان على هذا النقد الذي مارسته السيدة سكينة بنت الحسين، ويسجل ملاحظاته على هذا النقد، فيقول عن أهمية هذه الرواية: “إنها توحي إلينا بأشياء تكشف عن الطبيعة الأدبية للناقدة سكينة، وتعبر عن مزاجها النقدي، والذي نلاحظه في نقدها يتلخص فيما يلي:

فيما يتعلق بنقدها للفرزدق وجرير، لامت الفرزدق على إفشاء الشر واستحسنت ستره، وذلك اتجاه منها إلى تهجين المصارحة الكاملة في أن يحكي العاشق كل ما يقع بينه وبين من يعشق، ولا أظن أنها كانت تجهل مبدأ الفرزدق فيما يصور من مواقف غرامية؛ لأن الثابت من تاريخ حياته أنه كان يحب الاستمتاع بالمرأة من حيث هي امرأة، فلم يؤثر عنه عشق دام أكثر من ليلة أو بعض ليلة، ومع ذلك فخليق بابنة الحسين أن تنهى الفرزدق وأضرابه عن فضيحة النساء بإذاعة أسرارهن؛ لأن ذلك من شيمة العربي الغيور، أي: الستر على الحرائر.

على أنه ليس في أبيات الفرزدق أكثر من تصوير موقف، كان له مع امرأة حريصة على سلامته واستدامة عودته مرة أخرى، والشاعر لم يذكر شيئًا سوى هذا”.

ثم يضيف: “وسكينة رأت في بيتي نصيب وجميل شعرًا وسطًا، لم يقدِّم شيئًا عن طبيعة المرأة كما تفهمها الناقدة الجليلة، وإنما هو وصف لحالات من الهيام الذي درج عليه كثير من الشعراء”.

ومن الملاحظات التي لاحظها كذلك من هذه الرواية: أن البيئة الأدبية في المدينة اتجهت إلى الإصابة في المعاني والرقة في الألفاظ، وانصرفت في جملتها إلى شعر الغزل الذي أذهب الأحقاد السياسية والمذهبية؛ ولذلك اجتمع في مجلس سكينة -كما تذكر الرواية- الأموي المتعصب لبني أمية، والشيعي المستتر، ومن لا يعنيه شيء من أمر هذين.

لقد كانت براعة سكينة في أنها صرفت أضيافها المتنافرين عن شعر السياسة إلى حديث الغزل وثيق الصلة بالعواطف، وبعيد كل البعد عن الميل إلى عَرَض الدنيا أو رجاء الآخرة.

وهذه الروايات كلها تدل على أن هؤلاء النقاد، الذين وردت أسماؤهم في هذه الروايات كانوا يمارسون النقد الأدبي، بناء على ذوق عالٍ وفطرة صحيحة وسليقة صافية.

error: النص محمي !!