Top
Image Alt

الاحتجاج بالمصلحة المرسلة بين الإثبات والنفي، وشروط العمل بها عند المثبتين لها

  /  الاحتجاج بالمصلحة المرسلة بين الإثبات والنفي، وشروط العمل بها عند المثبتين لها

الاحتجاج بالمصلحة المرسلة بين الإثبات والنفي، وشروط العمل بها عند المثبتين لها

لقد اختلف العلماء في ذلك؛ فذهب بعضهم إلى الاحتجاج بها، وذهب آخرون إلى عدم الاعتداد بها في تشريع الأحكام، ولكلٍّ أدلته، ومما هو معلوم أنَّ المجتهد يرجع إلى القرآن أو إلى السنة، وإلى الإجماع في استنباط الأحكام الشرعية لكلِّ ما يجدّ من حوادث أو يعرض من وقائع، فإذا جاء الحكم في واحد منها أخذ به المجتهد، وإذا خلت هذه الأدلة من الحكم الشرعي لحادثة بعينها، وكان فيها حكم لحادثة أخرى انبنى على علة معينة، ووجدت تلك العلة التي بني عليها الحكم في الحادثة الجديدة؛ قام المجتهد بقياس هذه الواقعة الجديدة على الحادثة التي ثبت حكمها بالأدلة السابقة وأعطاها حكمها، أي: قياس الفرع على الأصل في الحكم إذا اتحدا في العلة، وهذا لبُّ القياس الذي قال به الفقهاء والأصوليون، فإذا جاءت حادثة لم يجد المجتهد لها نظيرًا معينًا في الحوادث التي ورد عن الشارع حكمها، حتى يقيس عليها لذاتها، وكان في تشريع حكم معين في هذه الواقعة تحقيق مصلحة الناس بجلب النفع لهم، أو دفع الضرر عنهم؛ فهل يستطيع المجتهد أن يشرِّع هذا الحكم بناء على هذه المصلحة المرسلة, التي لم يوجد لها نظير تقاس عليه، ولا يوجد دليل على اعتبارها أو إلغائها؟

نقول: اختلف العلماء في ذلك؛ فذهب بعضهم إلى الاحتجاج بها وذهب آخرون إلى عدم الاعتداد بها في تشغيل الأحكام، ولكلٍّ أدلته.

وعن أهم أدلة المحتجين بالمصلحة أو القائلين بها؛ فقد استدلوا بأدلة كثيرة، نكتفي منها بدليلين:

الأول: قالوا: دلت الأدلة القطعية التي لا خلاف عليها, على أن التشريع الإسلامي يقوم على تحقيق مصالح الناس بجلب الخير لهم, ودفع الشر والفساد عنهم، فأينما وجدت المصلحة فثم شرع الله، ومصالح الناس تتجدد ولا تقف عند حد، فإذا جدت مصلحة لم يشرع الشارع لتحقيقها حكمًا معينًا، ولم يوجد ما يدل على اعتبارها حتى يمكن القياس عليها، فإن هذه المصلحة تكون دليلًا شرعيًّا يبنى عليها الحكم، ويكون هذا الحكم هو حكم الله؛ وإلا فالوقوف في التشريع عند المصالح المعينة التي اعتبرها التشريع فقط، يؤدي إلى تعطيل مصالح الناس المتجددة، ويفضي بالضرورة إلى جمود الشريعة أو إلى قصورها عن الوفاء بحاجات الناس، وهذا ما لا يقبل القول به مسلم غيور على دينه وشريعته.

الثاني: أجمع الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- على اعتبار المصلحة المرسلة التي لم يرد فيها دليل معين بإلغائها ولا اعتبارها؛ حيث قاموا بتشريع أحكام كثيرة لتحقيق مصالح مطلقة، فقد استخلف أبو بكر رضي الله عنه عمر بن الخطابرضي الله عنه في إمارة المؤمنين؛ لما رآه من مصلحة الأمة في ذلك، ولم يرد في هذه المصلحة دليل على اعتبارها، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستخلف أحدًا بعده صراحة، ولم يرد عنه نص في ذلك، كما جمع أبو بكر الصحف المتفرقة التي كتب فيها الصحابة القرآن في مصحف واحد, عملًا برأي عمر؛ محافظة على القرآن وخوفًا عليه من الضياع بعد أن استحرَّ أو اشتد القتل بالقراء في حروب الردة، وعندما تحرّج أبو بكر من ذلك أول الأمر؛ لعدم وجود شاهد معين لاعتبار هذه المصلحة وقال: كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم! قال له عمر: “إنه والله خير, ومصلحة للمسلمين”.

وبمنطق الخيرية هذا، وبالمصلحة ذاتها، عمل عثمان بن عفان رضي الله عنه على تدوين القرآن، وتوزيع نسخ منه على الأمصار الإسلامية، وإحراق ما عداه من نسخ خاصة عند بعض أفراد الصحابة؛ لاختلافهم في قراءة القرآن، وانتقال هذا الاختلاف إلى الجند في الفتوحات الإسلامية؛ حتى اتهم بعضهم بعضًا بالابتداع وفسَّق بل كفَّر بعضهم بعضًا، إلى أن هدى الله عثمان إلى هذا الخير ومصلحة المسلمين في كل زمان ومكان.

وهكذا يمكننا أن نقول: إن حجية الاستدلال بالمصالح المرسلة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، كما دل عليها استقراء الشريعة؛ فإنه قد عُلِمَ من الشرع الكريم محافظته على المصالح وعدم إهدارها، ولا سيما إذا كانت المصلحة متمحضة لم تستلزم مفسدة، ولم تعارض مصلحة راجحة، ولم تصادم نصًّا من الوحي.

هكذا رأينا مجمل الأدلة على حجية المصلحة عند القائلين بها، وهذا ما أكده الإمام عز الدين بن عبد السلام, الذي قال: “ومن تتبع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد؛ حصل له من مجموع ذلك اعتقاد أو عرفان بأنَّ هذه المصلحة لا يجوز إهمالها، وأن هذه المفسدة لا يجوز قربانها، وإن لم يكن فيها نصّ ولا إجماع ولا قياس خاص”، وقال الغزالي كلامًا قريبًا من هذا، ومما قاله: “وكل مصلحة رجعت إلى حفظ مقصود شرعي, عُلِمَ كونه مقصودًا بالكتاب والسنة والإجماع؛ فليس خارجًا من هذه الأصول، لكنه لا يسمى قياسًا، بل مصلحة مرسلة؛ إذ القياس أصل معين، وكون هذه المعاني مقصودة عُرِفَ لا بدليل واحد, بل بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال وتفاريق الأمارات، تسمى لذلك مصلحة مرسلة، وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع، فلا وجه للخلاف في اتباعها، بل يجب القطع بكونها حجة. وحيث ذكرنا خلافًا، فذلك عند تعارض مصلحتين ومقصودين، وعند ذلك يجب ترجيح الأقوى”.

وهي -كما نرى- كلمة جامعة ونتوافق في ذلك، ولا نرى في ذكرها إطالة، ومع هذا فإن الاستدلال بالمصالح المرسلة ليس أمرًا هينًا، وليس هو حقًّا لكل أحد كائنًا ما كان؛ ولذلك نجد عالمًا بالفقه والأصول والسياسة الشرعية هو القرافي المالكي يقول: “فإن مالكًا يشترط في المصلحة أهلية الاجتهاد؛ ليكون الناظر متكيفًا بأخلاق الشريعة، فينبو عقله وطبعه عمَّا يخالفها؛ بخلاف العالم بالسياسات إذا كان جاهلًا بالأصول، فيكون بعيد الطبع عن أخلاق الشريعة، فيهجم على مخالفة أخلاق الشريعة من غير شعور…, ثم هو مزلة قدم للمبتدع في الدين، وهاوية ذمم للمقننين -نسأل الله العافية والسلامة”.

أمَّا عن أهم أدلة المانعين للاحتجاج بالمصلحة المرسلة، فيكفي أن نقول: إن المنكرين لحجية المصالح المرسلة استدلوا بالأدلة الآتية:

أولًا:إنَّ الشريعة قد جاءت بما يحقق مصالح الناس؛ إما بنصوصها أو بالقياس على ما جاء في نصوصها، فليس هناك مصلحة لم يرد دليل على اعتبارها، والقول بغير ذلك يتنافى مع كمال الشريعة وتمامها الثابت بقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِيناً} [المائدة: 3]، فإذا ظهرت مصلحة لم يرد عن الشارع دليل على اعتبارها؛ كانت مصلحة وهمية لا حقيقية، فلا يصح بناء التشريع عليها.

ثانيًا: الاعتماد على المصلحة المرسلة في التشريع يفتح -في نظرهم- لأصحاب الشهوات والأهواء من الحكام والفقهاء، فيدخلون في الشريعة ما ليس منها، ويشرّعون أحكامًا باسم المصلحة وهي في الحقيقة مفسدة، وفي ذلك ضياع الشريعة وفساد الناس كما يقولون.

ثالثًا: الاعتداد بالمصالح في تشهير الأحكام يؤدي إلى اختلافها حسب الأزمنة، فيكون الأمر الواحد حلالًا في زمن معين أو بلد معين لما فيه من مصلحة، وحرامًا في زمن آخر في بلد آخر لما فيه من مفسدة، وهذا يتنافى مع وحدة الشريعة ووحدة أحكامها وعمومها وخلودها.

لكن الذي نراه أنَّ الاحتجاج بالمصلحة المرسلة، وبناء الأحكام عليها، هو الأمر الراجح الذي يتفق مع عموم الشريعة وخلودها, ومسايرتها لمصالح الناس في كل مكان وزمان، وهو الأمر الذي صار عليه الصحابة، والقول بعدم الاعتداد بالمصلحة يؤدي إلى جمود الشريعة، فوق أن القول باعتبارها لا يتنافى مع كمال الشريعة، بل إنه هو الذي يحقق كمالها وتمامها وتحقيقها لمصالح الناس أجمعين، مهما اختلفت بيئاتهم وأزمانهم، أما الخوف من أصحاب الهوى وأهل الغرض والمرض من الحكام والفقهاء، فلا يصح أن يكون سببًا في إهمال مصالح الناس، ولا يمنع ضرر هؤلاء إلّا إبعادهم عن ولاية أمر الناس، وعن منصب التشريع؛ لأن من غلب عليه الهوى وران على قلبه الفساد، يكون منه الخطر على الشريعة وأحكامها، سواء أكان التشريع مقيدًا بالنصوص أم مقيدًا بالمصلحة.

وأما قول هؤلاء المنكرين للمصلحة المرسلة: إن التشريع بمقتضاه يترتب عليه اختلاف الأحكام مما لا يتفق مع وحدة الشريعة وعمومها، فقول ظاهر البطلان؛ لأن هذا الاختلاف في الأحكام بناءً على اختلاف المصالح، مقصد أساسي من مقاصد التشريع، يتحقق به خير الناس مهما اختلفت أزمانهم وديارهم، وهذا الاختلاف لا يتنافى مع وحدة الشريعة وعمومها؛ لأن الشريعة واحدة عامة تطالب الجميع بتشريع ما يحقق مصلحتهم في المسائل, التي لم يرد عن الشارع شاهد باعتبارها ولا بإلغائها، فلم يكن اختلافًا في أصل الشريعة حتى يتنافى مع وحدتها وعمومها، وإنما هو اختلاف في التطبيق، وفي وجود المصلحة أو عدم وجودها.

بقيت الإشارة إلى الشروط العامة للمصلحة المرسلة عند هؤلاء الذين يقولون بالمصلحة المرسلة، وقد رجَّحنا هذا الرأي بأدلتهم، ورددنا بما فيه الكفاية على أدلة المانعين لحجيتها.

لقد اشترط القائلون بحجية المصلحة في التشريع أمورًا معينة، يجب أن تتحقق حتى لا تختلط المصلحة بالهوى والمفسدة، لكن منهم من ضيق الأخذ بالمصلحة المرسلة حين وضع شروطًا صعبة التحقيق؛ فها هو الإمام الغزالي مثلًا يشترط لاعتبارها ثلاثة أوصاف على حد قوله: أن تكون ضرورية، قطعية، كلية؛ وضرورية أي: من الضروريات الخمس المعروفة، وكلية أي: تعم جميع المسلمين، بخلاف ما لو كانت لبعض الناس دون بعض، أو في حالات مخصوصة، وقوله: أن تكون قطعية أو قريبة من القطعية، هذا هو شرطه الثالث.

ويبدو لمن يتأمل في كلام الغزالي أنَّه لم يشترط هذه الشروط لكل مصلحة؛ لكنه اشترطها في المثال الذي ذكره وهو تترس الأعداء بالمسلمين في الحرب، وإن فهم الأكثرون منه أنه شرط عام لكل المصالح، حتى قال القرطبي: “هي بهذه القيود لا ينبغي أن يختلف في اعتبارها”، وأما ابن المنير فعدَّ ذلك تحكمًا من قائله.

والذي يظهر من عامة الصحابة أنهم لم يكونوا يلتزمون بهذه الشروط، وإنما يراعون المصلحة وإن كانت جزئية أو حاجية أو ظنية؛ ومن هنا وجدنا عمر رضي الله عنه يحكم بطلاق امرأة المفقود بعد مضي أربع سنوات، إمَّا من حين فقده، وإمَّا من حين رفع أمره إلى القضاء؛ رعاية لمصلحة الزوجة ورفعًا للضرر عنها، وإن لم يثبت موت زوجها، وهي مصلحة جزئية وحاجية وظنية، وقد وافق عمر على ذلك عثمان وعلي وابن عمر وابن عباس، وجماعة من التابعين.

ويقضي عمر أيضًا على محمد بن مسلمة الأنصاري, بالسماح لجاره الضحاك بن خليفة أن يسوق نهرًا في أرض مسلمة؛ لأن النهر ينفع جاره ولا يضر محمدًا، وكان محمد قد منع جاره من ذلك، فقال جاره الضحاك: أنت تمنعني ما هو لك منفعة، تسقي منه أولًا وآخرًا ولا يضرك! ولكنه أبى، ولما اختصما إلى عمر رضي الله عنه قال عمر لمحمد: “تمنع أخاك ما ينفعه ولا يضرك” فأصر محمد على المنع، فقال عمر: “والله ليمرنَّ به, ولو على بطنك”، ثم أمر عمر الضحاك أن يمر بنهره في أرض محمد ففعل، وهذه واقعة مشهورة في فقه عمر واجتهاده.

والأمثلة على ذلك كثيرة من عمل الصحابة والخلفاء الراشدين، نذكر منها على سبيل المثال أيضًا: ما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أُتي بامرأة زنت فأقرَّت، فأمر برجمها، فقال عليّ رضي الله عنه: لعلَّ بها عذرًا، ثم قال لها: ما حملك على الزنا؟ قالت: كان لي خليط -أي: شريك- وفي إبله ماء ولبن، ولم يكن في إبلي ماء ولا ولبن، فظمئت فاستسقيته؛ فأبى أن يسقيني حتى أعطيه نفسي، فأبيت عليه ثلاثًا؛ فلمَّا ظمئت وظننت أن نفسي ستخرج أعطيته الذي أراد فسقاني، فقال علي: الله أكبر {فَمَنِ اضْطُرّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ} [البقرة: 173]”.

كما قضى أمير المؤمنين علي رضي الله عنه في رجل قطع فرج امرأة، أن يؤخذ منه دية الفرج، ويجبر على إمساكها حتى تموت، وإن طلقها أنفق عليها، يقول ابن القيم: فلله ما أحسن هذا القضاء، وأقربه من الصواب! فأمَّا الفرج ففيه الدية كاملة اتفاقًا، وأما إنفاقه عليها إن طلقها؛ فلأنه أفسدها على الأزواج الذين يقومون بنفقتها ومصالحها فسادًا لا يعوض، وأمَّا إجباره على إمساكها فمعاقبة له بنقيض قصده، فإنه قصد التخلص منها بأمر محرم، وقد كان يمكن التخلص بالطلاق أو الخلع، فعدل عن ذلك لهذه المسألة القبيحة، فكان جزاؤه أن يلزم بإمساكها إلى الموت.

وقد نأتي بأمثلة أخرى من فقه الصحابة والخلفاء الراشدين في العمل بالمصلحة وإن كانت جزئية.

على أية حال هذا ما اشترطه الإمام الغزالي، وإنما اعتبر أمور ثلاثة يجب مراعاتها عند الأخذ بالمصلحة، وهي:

الشرط الأول: أن تكون معقولة في ذاتها؛ بحيث إذا عرضت على العقول تلقتها بالقبول، فلا مدخل لها في الأمور التعبدية، فإن الأصل فيها أن تأخذ بالتسليم.

الشرط الثاني: أن تكون ملائمة لمقاصد الشرع في الجملة؛ بحيث لا تنافي أصلًا من أصوله ولا دليلًا من أدلته القطعية؛ بل تكون متفقة مع المصالح التي قصد الشرع إلى تحصيلها، بأن تكون من جنسها أو قريبة منها وليست غريبة عنها، وإن لم يشهد دليل خاص باعتبارها.

الشرط الثالث: أن ترجع إلى حفظ أمر ضروري، أو رفع حرج لازم في الدين، فأمَّا مرجعها لحفظ الضروري فهو من باب ما لا يتم الواجب إلا به، فهي إذًا من الوسائل لا المقاصد، وأما رجوعها إلى رفع حرج اللازم، فهو إمَّا لاحق بالضروري, وإمَّا من الحاجي الذي مَرَدّه إلى التخفيف والتيسير.

وليس من اللازم ما اشترطه الإمام الغزالي أن تكون المصلحة من الضروريات؛ فقد تكون مصلحة حاجية مما ييسر على الناس ويرفع عنهم العنت والحرج، وليس من اللازم أيضًا أن تكون كلية عامة؛ فرعاية مصالح الأفراد والفئات المختلفة أمر معتبر في الشريعة، أيضًا ليس من اللازم بعد ذلك أن تكون قطعية؛ فالعمل بالظن الراجح في النصوص وفي دلالات الألفاظ أمر معمول به في الأحكام الشرعية. والأمر المهم الذي ينبغي الالتفات إليه والاحتياط فيه، أن تكون المصلحة حقيقية لا وهمية؛ فقد يخيّل الهوى، أو تخيل الشهوة، أو يخيل الوهم وسوء التصور لبعض الناس أو الإلف والعادة، أن عملًا ما مصلحة وفي حقيقته مفسدة، أو أن ضرره أكبر من نفعه، فكثيرًا ما يغفل الناس المصلحة العامة من أجل المنفعة الخاصة، أو يغفلون عن الضرر الآجل من أجل النفع العاجل، أو يرفضون الخسارة المعنوية من أجل الكسب المادي، أو يتغاضون عن مفسدة كبيرة من أجل مصلحة صغيرة، فالاعتبارات الشخصية والوقتية والمحلية والمادية لها ضغطها وتأثيرها على تفكير البشر؛ لهذا يجب الاحتياط والتحري عند النظر في المصالح, وتقويمها تقويمًا سليمًا عادلًا، يقول الإمام ابن دقيق العيد: “لست أنكر على من اعتبر أصل المصالح، ولكن الاسترسال فيها وتحقيقها يحتاج إلى نظر سديد”.

error: النص محمي !!