Top
Image Alt

الاختصاص المذهبي

  /  الاختصاص المذهبي

الاختصاص المذهبي

وكما تخصص القضاء بالزمان والمكان يتخصص أيضًا بالمذهب الفقهي، وذلك أن القاضي قد يكون مجتهدًا، وقد يكون مقلدًا، ومعروف فيما سبق معنى المجتهد الذي يستطيع استنباط الأحكام من المصادر الشرعية بنفسه، والمقلد الذي لا يستطيع ذلك إنما يُقلّد إمامه، والقضايا التي تُعرض على القضاء قد تكون قضايا سهلة واضحة، وقد تكون قضايا دقيقة غامضة من المستجدات؛ فماذا يفعل القاضي عندئذٍ؟

إن كانت القضية واضحة لا لبس فيها ولا غموض, من النوع اليسير السهل، وليس فيها دليل لا من الكتاب، ولا من السنة، ولا من أقوال الصحابة عند من يجعلون من أقوال الصحابة مصدرًا من مصادر التشريع -يجتهد القاضي ويبذل قصارى جهده، ويحكم في ذلك بما أدَّاه إليه اجتهاده، ولا يجوز له أن يحكم برأي غيره، وذلك أن ما انتهى إليه اجتهاده هو الحق الذي لا يجوز له الحكم بغيره، أما رأي غيره فباطل بالنسبة له، فإن حكم في هذه الحالة برأي غيره حكم بباطل، فيكون حكمه باطلًا.

ولو حكم في نازلة بحكم أدَّاه إليه اجتهاده، ثم عُرضت عليه قضية أخرى مشابهة, ولكن تغيَّر اجتهاده فحكم فيها بغير حكمه الأول -ينفذ أيضًا الحكم الثاني كما نُفذ الحكم الأول؛ لأن الحكم الأول بُني على حق، وهو اجتهاد القاضي، والحكم الثاني أيضًا بني على حق وهو اجتهاد القاضي, وإن كان اجتهاده في المرة الثانية اختلف عن اجتهاده في المرة الأولى، ورغم أن القضية واحدة فلا بأس بذلك؛ لأن الأول بُني على حق، والثاني بني أيضًا على حق.

وقد حدث هذا لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المسألة المعروفة في الفرائض والمواريث، باسم المسألة المشتركة:

والمسألة المشتركة عبارة عن امرأة تُوفيت وتركتْ زوجًا، وأمًّا، وإخوة لأم، وإخوة أشقاء، فلما عُرضت هذه القضية على سيدنا عمر بن الخطاب في الحالة الأولى؛ حكم فيها بأن للزوج النصف؛ لأن هذا منصوص عليه في القرآن الكريم: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ} [النساء: 12]، وحكم للأم بالسدس؛ لأن الله هو الذي حكم بهذا في كتابه الكريم فقال: {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء: 11]، وهذه المرأة المتوفاة لها عدد من الإخوة أكثر من واحد، أما الإخوة لأم فإنهم يأخذون الثلث، وهذا أيضًا منصوص عليه في القرآن الكريم؛ فالإخوة لأم يأخذون الثلث يوزّعونه بينهم، لا فرق بين ذكر أو أنثى، وهذا ما يشعر به لفظ: {فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ} [النساء: 12].

أما الإخوة الأشقاء فلهم الباقي تعصيبًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أعطوا الفرائض لأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر))، والإخوة الأشقاء هم أولى؛ فهم العصبة, سواء كانوا رجالًا جميعًا، أو كانوا رجالًا ونساء، فلهم الباقي تعصيبًا:{ فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} إن كانوا رجالًا ونساء، أو لهم الباقي على عدد رءوسهم إن كانوا رجالًا فقط؛ لكن لم يكن هناك باقٍ؛ لأن الزوج أخذ النصف والأم السدس فهذان ثلثان، والإخوة لأم الثلث؛ وانتهت التركة تمامًا، فلم يبقَ للإخوة الأشقاء شيء، فحكم بذلك عمر في الحالة الأولى، ثم وردت عليه قضية مشابهة تمامًا في العام التالي، فحكم فيها في البداية بنفس الحكم: للزوج النصف، وللأم السدس، وللإخوة لأم الثلث، فلم يتبقَّ شيء للإخوة الأشقاء؛ فاعترض الإخوة الأشقاء وقالوا: ألسنا جميعًا إخوة لأم، ونحن أكثر قُربًا إلى المورثة من الإخوة لأم؟! فوجد سيدنا عمر أن كلامهم معقول، فحكم لهم بأن يشترك الجميع في الثلث باعتبار أنهم جميعًا إخوة لأم، قيل له: “لكنك -يا أمير المؤمنين- في العام الماضي قضيت بغير ذلك! فقال: ذلك على ما قضينا، وهذا على ما نقضي”.

ويُفهم من ذلك أن القاضي إذا تغيَّر اجتهاده؛ فلا ينقض هذا التغير حكمه السابق، ولا ينبغي أن يتمسَّك به؛ بل عليه أن يحكم في القضية بالحكم الذي انتهى إليه اجتهاده في المرة الثانية، وإن كان مخالفًا لحكمه باجتهاده في المرة الأولى.

هذا كله إذا كانت القضية سهلة؛ فما الحكم لو كانت القضية غامضة فيها شيء من الإبهام, يحتاج إلى بذل الجهد والتفكير؟

إذا كانت القضية غامضة فعلى القاضي أن يبذل قصارى جهده؛ ليصل فيها إلى حكم، فإذا بذل قُصارى جهده ليصل فيها إلى حكم يستريح إليه قلبه فلم يهتد؛ فإن عليه في هذه الحالة أن يجمع العلماء ويستشيرهم، وفائدة الشورى في هذه الحالة أنه تُعرض عليه عدَّة استنباطات، وعدَّة حلول لهذه القضية الغامضة، فيختار من بينها -أي: من بين هذه الحلول- ما يراه راجحًا، فيحكم به.

فإن لم يظهر له ووافق رأيهم رأيه حكم به؛ لأن رأيهم زاد رأيه قوة، ففي هذه الحالة يحكم، ويكون قد حكم برأيه لا برأيهم، وإن اختلفوا: إن حكم برأيهم وترك رأيه كان حكمه باطلًا؛ لأنه في قرارة نفسه وفي أعماق قلبه يرى أنه هو على صواب وأنهم على خطأ، والدليل على ذلك أنه يُخالفهم، فإن حكم برأيهم وترك رأيه كان حكمه باطلًا؛ لأنه بُني على باطل، وما بُني على باطل فهو باطل.

فإن لم يكن له رأي حكم برأيهم في هذه الحالة، وإن اتفق بعضهم واختلف بعضهم أخذ بالأكثر منهم، ولا يعتبر ذلك تقليدًا؛ فقد حدث كثير مثله في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وعصر خلفائه الراشدين.

وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أكثر الناس مشورة لأصحابه، وثبت أنه قال لسيدنا عمر بن الخطاب، وسيدنا أبي بكر الصديق: ((لو اتفقتما ما خالفتكما))، وقضية اختلاف الصحابة في أسرى بدر قضية مشهورة,فالنبي صلى الله عليه وسلم اختار من آرائهم الرأي الذي رأى أنه أقرب إلى الصواب. صحيح أنه بعد ذلك عُوتب في هذا، لكنه لم يُنقض حكمه، بل أقرَّه الله سبحانه وتعالى عليه، وإن عتابه يُبيّن أنه كان الأولى أن يأخذ بعكس ما أخذ به.

وقد اتفق العلماء على أن المجتهد لا يجوز تخصيصه بمذهب معين, أي: لا يجوز لولي الأمر أن يقول له: احكم برأي أبي حنيفة، أو احكم برأي أبي يوسف، أو عليك أن تحكم برأي مالك، أو بمذهب الشافعي، لا يجوز هذا؛ لأنه مجتهد، فلا يجوز تخصيصه بمذهب معين؛ لأن اجتهاده قد يُوصّله إلى أحد هذه المذاهب، وقد يوصّله إلى ما يخالفها، وليس الحق مقصورًا على هذه المذاهب وحدها، فالحق قديم، والحق دقيق، والحق ثابت؛ فالعلماء اختلفوا في المقلد، أما المجتهد فاتفقوا على أنه لا يجوز تخصيصه بمذهب معين.

أما المقلد الذي يتبع إمامًا من الأئمة كأبي حنيفة، أو مالك، أو الشافعي، أو أحمد, هل يجب عليه الالتزام بمذهب إمامه؟

اختلف العلماء في هذا، فذهب الجمهور إلى التزامه بمذهب إمامه؛ لأنه الحق في رأيه إتباعًا لقاعدة التخصيص، وله أن يشترط الإمام عليه الحكم برأيه، فإذا اشترط عليه الإمام أو السلطان، أو الخليفة، أو الرئيس الحكم برأيه، وكان مقلدًا لأحد الأئمة؛ كان معنى ذلك أنه يحكم برأي الإمام الذي يقلده، فإن هذا هو رأيه لأنه مقلد, وليس له رأي خاص به.

إذًا: المقلد فيه خلاف, فيجوز للسلطان أن يلزمه بمذهب معين وهو مذهب إمامه، وإذا اشترط عليه أن يحكم برأيه فرأيه في هذه الحالة إنما هو رأي إمامه؛ لأنه يعتقد أنه الحق، وإذا ألزمه السلطان، أو رئيس الدولة، أو ولي الأمر في عقد التولية -أي: إسناد هذا المنصب إليه- بأن يحكم بالراجح في مذهب إمامه؛ عليه أن يلتزم بهذا، فلا يجوز له أن يحكم بالرأي المرجوح في هذا المذهب.

إذًا: ما دام قد رضي بأن يحكم بالراجح في مذهب إمامه، فعليه أن يلتزم بالراجح الذي رجحه أئمة هذا المذهب؛ إلا إذا كان هو من أهل الترجيح أو أهل الاختيار, أي: على درجة من الاجتهاد، فيحكم بما رجَّحه هو، أو اختاره هو داخل هذا المذهب.

وإن اشترط عليه ولي الأمر الحكم بالراجح في مذهبه التزم به -كما قلنا- فإذا كان من أهل الترجيح؛ فله أن يُرجّح، لكن إذا كان من أهل الترجيح ورجح رأيًا؛ فلا يأخذ بغيره.

هل يجوز له في هذه الحالة أن يحكم بغير مذهبه؟

 لا؛ لأنه مقلد، والسلطان اشترط عليه أن يحكم بمذهبه، أو برأيه الذي هو رأي إمامه، أو بالراجح؛ فلا يجوز له أن يخرج على ما ألزمه به ولي الأمر.

كما لا يجوز للوكيل أن يخرج على أمر موكله، ولأنه يرى أن مذهب إمامه هو الحق، وأن غيره باطل أو غير الحق؛ فعليه أن يلتزم بالحق, وهذا الحق كما يعلمه الله عنده سبحانه وتعالى لكن المطلوب هو الاجتهاد من أهل الاجتهاد، أو التقليد إذا كان القاضي غير قادر على الاجتهاد، ويكون مذهب من يقلّده من الأئمة هو مذهبه.

error: النص محمي !!