Top
Image Alt

الاختلاف بين المفسرين في التفسير بالرأي

  /  الاختلاف بين المفسرين في التفسير بالرأي

الاختلاف بين المفسرين في التفسير بالرأي

إن وقوع الاختلاف في هذا النوع من التفسير أمر مستفيض، ولقد قدمنا نموذجين لذلك، وسنحاول ها هنا استعراض الأسباب المؤدية إلى وقوع هذا النوع، وهو الذي أشار إليه شيخ الإسلام؛ حيث قال: “وأما النوع الثاني من مستندي الاختلاف، وهو ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل”، وهذا الاستدلال يقوم على الاجتهاد والتفكر والاستنباط، ويكون مظهر الاختلاف ها هنا، هو توصل المفسرين إلى آراء متباينة، في معاني ودلالات النصوص القرآنية، ويمكن ردّ معظم الأخطاء الاجتهادية المفضية إلى هذا الاختلاف إلى جهتين اثنتين، كما بيّنه ابن تيمية؛ حيث قال:

إحداهما: قوم اعتقدوا معاني، ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها.

والثانية: قوم فسروا القرآن بمجرّد ما يسوغ أن يريده بكلامه من كان من الناطقين بلغة العرب، من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن، والمنزل عليه، والمخاطب به.

فالأولون: راعوا المعنى الذي رأوه من نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان.

والآخرون: راعوا مجرّد اللفظ، وما يجوز عندهم أن يريد به العربي، من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم به، وسياق الكلام، ثم هؤلاء كثيرًا ما يغلطون في احتمال اللفظ لذلك المعنى في اللغة، كما يغلط في ذلك الذين من قبلهم.

كما أن الأولين كثيرًا ما يغلطون في صحة المعنى الذي فسروا به القرآن، كما يغلط في ذلك الآخرون، وإن كان نظر الأولين إلى المعنى أسبق.

الصنف الأول: اعتقاد معنى “ما”، وحمل ألفاظ القرآن الكريم عليه:

إن فريقًا من الذين عمدوا إلى آيات القرآن الكريم، يفسرونها باجتهاداتهم، قد أسرتهم اعتقادات ومعانٍٍ، فسلطوها على ألفاظ القرآن الكريم؛ مراعاةً لما اعتقدوه، ولم ينظروا إلى ما تستحقه الألفاظ القرآنية من الدلالة والبيان، وإن لازم اتباع هذا المنهج تعددُ التفاسير، بتعدّد الاعتقادات والأهواء والمذاهب الفاسدة، وإذا عُلم هذا لم يَعُد للتعجب من اختلاف التفاسير بالرأي مكان؛ بل كان محل العجب فيما لو اتفقت هذه التفاسير الهوائية في شيء البتة!

قال الزرقاني -رحمه الله- في سياق كلامه على التفسير بالرأي المذموم: “ومنها –أي: الأمور التي يجب البعد عنها في التفسير بالرأي- حمل كلام الله على المذاهب الفاسدة”، وقال شيخ الإسلام -رحمه الله-: والمقصود: أن مثل هؤلاء اعتقدوا رأيًّا، ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه، وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين لا في رأيهم ولا في تفسيرهم…”، وإذا أمعنّا النظر في هؤلاء وجدنا أن هذا الصنف من الاختلاف في التفسير، ملازمٌ للبدع والأهواء؛ فما من فرقة مبتدعة، أو صاحبة هوى إلا وحاولت ليَّ أعناق آيات القرآن الكريم؛ إما لتستدلّ زورًا على صحة مذهبها، أو لتدفع -تلبيسًا منها- ظواهر الآيات التي تنقض أصول بدعتهم.

وبناءً عليه؛ فإن الاختلاف في التفسير عند هؤلاء، ناجم عن أمرين بيَّنهما ابن تيمية -رحمه الله- وهما:

  1. سلب اللفظ القرآني ممّا يدل عليه ويراد به: ومثال ذلك ما تقدم معنا في النموذج الثالث، والرابع من نماذج الاختلاف في التفسير؛ حيث عمد المعطلة إلى سلب لفظ “استوى”، ما يدل عليه من العلو، وأوّلوه بالاستيلاء زورًا وبهتانًا؛ انتصارًا لمذهبهم الفاسد في الصفات، وعمد المعتزلة إلى سلب لفظ “ناظرة”، ممّا تدل عليه من الرؤية الحقيقية بالبصر، كما هو مذهب أهل الحق؛ فرارًا من مصادمة الآية ومعناها الصحيح لمذهبهم، في عدم جواز الرؤية في الآخرة.

وإذا عُرف هذا، تبيّن أنه كلما جاء صاحب مذهب، وعقيدة فاسدة ليفسر آية من القرآن الكريم، خرج لنا برأي وتفسير يوافق هواه، وينتصر لرأيه، فيحصل الاختلاف في التفسير، وهو هنا اختلاف حقيقي متناقض ومتعارض، وليس اختلاف تنوّع كالذي مرّ في التفسير بالمأثور.

  • تحميل اللفظ القرآني ما لا يدل عليه ولا يراد منه من معاني: وهذا أقبح من سابقه، فإن أصحاب الصنف السابق، قد جرّدوا اللفظ القرآني مما يدلّ عليه، وحاولوا أن يتأولوا له معنًى قد يكون مستساغًا لغةً بوجهٍ من الوجوه مهما كان متعسفًا، أما أصحاب هذا الصنف فلم يكتفوا بذلك؛ بل تجرّءوا على إثبات معانٍٍ للفظ القرآني لا يدلّ عليها، ولا يمكن أن يدل عليها لا من قريب ولا من بعيد، ولعل أوضح مثال على هذا النوع من الاختلاف ما زعم الباطنية من أنه تفسير لبعض ألفاظ القرآن الكريم ذات الدلالة الظاهرة المحكمة في الأصل؛ فهم يقولون: إن “الكعبة”، هي النبي صلى الله عليه وسلم و “الباب”، عليّ، و “الصفا”، هو النبي صلى الله عليه وسلم و “المروة”، علي، و “نار إبراهيم”، هي غضب النمرود عليه، و “عصا موسى”، هي حجته.

وتأمّل تفسير قوله تعالى: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأبِيهِ يَأَبتِ إِنّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف:4].

يقولون: وقد قصد الرحمن من ذكر يوسف نفس الرسول، وثمرة البتول حسين بن علي بن أبي طالب مشهودًا.. إذ قال حسين لأبيه يومًا: إني رأيت أحد عشر كوكبًا، والشمس والقمر رأيتهم بالإحاطة على الحق لله القديم سُجدًا، وأن الله قد أراد بالشمس فاطمة، وبالقمر محمدًا، وبالنجوم أئمة الحق في أمّ الكتاب…”.

وإن مثل هذا الكلام الرخيص، لا ينتج إلا عن مثل تلك العقول الفارغة، والقلوب العفنة؛ حيث سوغت لأصحابها أنفسهم المقيتة الاجتراء على كلام الله عز وجل بمثل هذه التأويلات التي يسمّونها تفسيرًا، أو علم الباطن كما يزعمون؛ لأن “الباطنية”، قوم رفضوا الأخذ بظاهر القرآن، وقالوا: للقرآن ظاهر وباطن، والمراد منه باطنه دون ظاهره، ويستدلّون بقوله تعالى: {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [الحديد:13].

وإن العجب لا ينقضي من هؤلاء، كما ذكر ابن تيمية -رحمه الله-: “فإنهم فسروا القرآن بأنواع لا يقضي العالم منها عجبه، فتفسير الرافضة، كقولهم: {تَبّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبّ} [المَسَد:1]، هما أبو بكر وعمر، وأعجب من ذلك، قول بعضهم: {وَالتّينِ} [التين:1]، أبو بكر، {وَالزّيْتُونِ} [التين:1]، عمر، و{وَطُورِ سِينِينَ} [التين:2]، عثمان، و{وَهَـَذَا الْبَلَدِ الأمِينِ} [التين:3]، علي، وأمثال هذه الخرافات التي تتضمّن تفسير اللفظ بما لا يدل عليه بحال”.

والخلاصة في هذا الصنف: أن من أعظم أسبابه المعتقدات، والبدع الباطلة، التي حملت أصحابها على تحريف الكلم عن مواضعه، ونسبة معانٍٍ غير مرادة لله عز وجل إلى كلامه، وتسمية ذلك تفسيرًا، وأن الحقيقة البارزة في كل صاحب هوى، أن هواه يهوي به في أودية الجهل، والتيه؛ فتسوغ له الافتئات على كلام الله –تعالى- عافانا الله من ذلك.

الصنف الثاني: تفسير القرآن بمجرّد ما يسوغ أن يُريده المتكلّم بالعربية، من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن، والمنزل عليه، والمخاطب به:

ومصدر الخلل عند هؤلاء، أنهم نظروا إلى مجرّد اللفظ، ولم يراعوا سوى ما يمكن أن يكون مرادًا للفظ من جهة اللغة، دون أن ينتبهوا إلى أن هذا اللفظ، هو كلام الرّب سبحانه وتعالىوأنه أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأنه خطاب للإنس والجن عامة، وإن عدم مراعاة هذه الاعتبارات قد يُفضي إلى تفسير اللفظ القرآني تفسيرًا بعيدًا عن الصواب، يقول الإمام الشاطبي -رحمه الله- في سياق الكلام عن أهمية معرفة أسباب التنزيل مثلًا، وكيف أنه ضروري لصيانة فهم القرآن الكريم: “الوجه الثاني، وهو أن الجهل بأسباب التنزيل مُوقع في الشبه، والإشكالات، ومورد للنصوص الظاهرة مورد الإجمال حتى يقع الاختلاف، وذلك مظنة وقوع النزاع”، ثم ذكر ما رواه إبراهيم التميمي، قال: “خلا عمر ذات يوم، فجعل يحدث نفسه: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد، وقبلتها واحدة، فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين، إنا أُنزل علينا القرآن، فقرأناه وعلمنا فيم نزل، وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرءون القرآن، ولا يدرون فيم نزل، فيكون لهم فيه رأي، فإذا كان لهم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا”.

ولعل مراعاة مقتضى الشرع في تفسير القرآن الكريم، هي من جملة ما دعا به النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس، في قوله: “اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل”.

وهكذا، نكون قد استعرضنا أهم أسباب الاختلاف في التفسير بالرأي، وقد تبيّن لنا أن هذا الاختلاف -على خلاف ما تقدم في التفسير بالمأثور- يعود في جملته إلى اختلاف التعارض والتضاد، ولربما كان ذلك بسبب الاضطراب في الأهواء، والآراء الباعثة على أمثال هذا التفسير.

ومن الأسباب أيضًا لاختلاف المفسرين في التفسير بالرأي الانتماء الفقهي، وقد أفرد الدكتور الفنيسان لذلك السبب مبحثًا خاصًّا، كما ذكرنا عند سوقنا لمقدمته، والأمثلة على ذلك كثيرة نذكر منها هنا مثالًا واحدًا يدل على غيره، وهو الخلاف في تفسير قوله تعالى: {أَوْ لاَمَسْتُمُ النّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً} [النساء:43].

فقد اختلف في تفسيرها؛ فقال ابن العربي:

«فِيهَا خِلافٌ كَثِيرٌ، وَأَقْوَالٌ مُتَعَدِّدَةٌ لِلْعُلَمَاءِ، وَمُتَعَلِّقَاتٌ مُخْتَلِفَاتٌ، وَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ الْخِلافِ الطَّوِيلَةِ؛ وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا مَا فِيهِ بِطُرُقِهِ الْبَدِيعَةِ، وَخُذُوا الآنَ مَعْنًى قُرْآنِيًّا بَدِيعًا؛ وَذَلِكَ أَنَّا نَقُولُ: حَقِيقَةُ اللَّمْسِ إلْصَاقُ الْجَارِحَةِ بِالشَّيْءِ، وَهُوَ عُرِفَ فِي الْيَدِ؛ لِأَنَّهَا آلَتُهُ الْغَالِبَةُ؛ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ كِنَايَةً عَنْ الْجِمَاعِ.

وَقَدْ قَالَتْ طَائِفَةٌ: اللَّمْسُ هُنَا الْجِمَاعُ، وَقَالَتْ أُخْرَى: هُوَ اللَّمْسُ الْمُطْلَقُ لُغَةً، أَوْ شَرْعًا؛ فَأَمَّا اللُّغَةُ، فَقَدْ قَالَ الْمُبَرِّدُ: لَمَسْتُمْ: وَطِئْتُمْ، وَلَامَسْتُمْ: قَبَّلْتُمْ؛ لأَنَّهَا لا تَكُونُ إلا مِنْ اثْنَيْنِ، وَاَلَّذِي يَكُونُ بِقَصْدٍ وَفِعْلٍ مِنْ الْمَرْأَةِ هُوَ التَّقْبِيلُ، فَأَمَّا الْوَطْءُ فَلا عَمَلَ لَهَا فِيهِ.

قَالَ أَبُو عَمْرو: الْمُلامَسَةُ الْجِمَاعُ، وَاللَّمْسُ لِسَائِرِ الْجَسَدِ، وَهَذَا كُلُّهُ اسْتِقْرَاءٌ لا نَقْلَ فِيهِ عَنْ الْعَرَبِ، وَحَقِيقَةُ النَّقْلِ أَنَّهُ كُلَّهُ سَوَاءٌ؛ “وَإِنْ لَمَسْتُمْ”، مُحْتَمِلٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا، كَقَوْلِهِ: لَامَسْتُمْ؛ وَلِذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ لِفِعْلِ الرَّجُلِ شَيْءٌ مِنْ الْمَرْأَةِ.

وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَعِفُّ، كَنَّى بِاللَّمْسِ عَنْ الْجِمَاعِ.

وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قُبْلَةُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وَجَسُّهَا بِيَدِهِ مِنْ الْمُلَامَسَةِ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَهُوَ كُوفِيٌّ، فَمَا بَالُ أَبِي حَنِيفَةَ خَالَفَهُ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَى الْقِرَاءَتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، لَجَعَلْنَا لِكُلِّ قِرَاءَةٍ حُكْمَهَا، وَجَعَلْنَاهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْآيَتَيْنِ، وَلَمْ يَتَنَاقَضْ ذَلِكَ وَلَا تَعَارَضَ؛ وَهَذَا تَمْهِيدُ الْمَسْأَلَةِ، وَيُكْمِلُهُ، وَيُؤَكِّدُهُ، وَيُوَضِّحُهُ، أَنَّ قَوْلَهُ تعالى: {وَلاَ جُنُباً} [النساء:43]، أَفَادَ الْجِمَاعَ.

وَأَنَّ قَوْله تَعَالَى: {أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن الْغَآئِطِ} [النساء:43]، أَفَادَ الْحَدَثَ، وَأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {أَوْ لاَمَسْتُمُ}، أَفَادَ اللَّمْسَ، وَالْقُبَلَ؛ فَصَارَتْ ثَلَاثَ جُمَلٍ لِثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ، وَهَذَا غَايَةٌ فِي الْعِلْمِ وَالْإِعْلَامِ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِاللَّمْسِ: الْجِمَاعَ، لَكَانَ تَكْرَارًا، وَكَلَامُ الْحَكِيمِ يَتَنَزَّهُ عَنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فَإِنْ قِيلَ: ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْجَنَابَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ سَبَبَهَا، فَلَمَّا ذَكَرَ سَبَبَ الْحَدَثِ؛ وَهُوَ الْمَجِيءُ مِنْ الْغَائِطِ، ذَكَرَ سَبَبَ الْجَنَابَةِ، وَهُوَ الْمُلامَسَةُ لِلْجِمَاعِ؛ لِيُفِيدَ أَيْضًا بَيَانَ حُكْمِ الْحَدَثِ وَالْجَنَابَةِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، كَمَا أَفَادَ بَيَانَ حُكْمِهَا عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ، قُلْنَا: لَا يَمْنَعُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى الْجِمَاعِ، وَاللَّمْسِ، وَيُفِيدُ الْحُكْمَيْنِ، وَقَدْ حَقَّقْنَا ذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.

قال: رَاعَى مَالِكٌ، فِي اللَّمْسِ الْقَصْدَ، وَجَعَلَهُ الشَّافِعِيُّ، نَاقِضًا لِلطَّهَارَةِ بِصُورَتِهِ كَسَائِرِ النَّوَاقِضِ، وَهُوَ الأَصْلُ؛ وَاَلَّذِي يَدَّعِي انْضِمَامَ الْقَصْدِ إلَى اللَّمْسِ فِي اعْتِبَارِ الْحُكْمِ هُوَ الَّذِي يَلْزَمُهُ الدَّلِيلُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ –تَعَالَى- أَنْزَلَ اللَّمْسَ الْمُفْضِي إلَى خُرُوجِ الْمَذْي، مَنْزِلَةَ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ الْمُفْضِي إلَى خُرُوجِ الْمَنِيِّ، فَأَمَّا اللَّمْسُ الْمُطْلَقُ فَلا مَعْنَى لَهُ، وَذَلِكَ مُقَرَّرٌ فِي مَسَائِلِ الْخِلافِ».

فترى ابن العربي، نقل شيئًا من خلاف الفقهاء في الاستدلال بالآية، وقوى جانب نقض الوضوء بمجرد اللمس؛ تأثرًا بمذهبه، مع أن الراجح، أن المراد هنا: الجماع.

هناك نقطة لا بد من توضيحها، وهي: ليس كل ما صُورَتُهُ الخلاف -مما نلاحظه على أقوال المفسرين- يُعَدّ خلافًا معتبرًا؛ بل إن كثيرًا من هذه الأقوال، أغلب الأحيان تلتقي في إطار واحد، وما يمكن التقاؤه لا نستطيع أن نعتبره خلافًا معتدًّا به؛ ولذلك أسميناه “خلاف التنوّع”، يقول الشاطبي -رحمه الله-: الأقوال إذا أمكن اجتماعها، والقول بجميعها من غير إخلال بمقصد القائل، فلا يصح نقل الخلاف فيها عنه، فإن نقل الخلاف في مسألة لا خلاف فيها الحقيقة خطأ، كما أن نقل الوفاق موضع الخلاف لا يصح، هذا هو الأصل الأول لما لا يُعتد به من صور الخلاف بين المفسرين، وهو ما كان ظاهره الخلاف وليس الحقيقة.

والأصل الثاني: ما كان من الأقوال مخالفًا لمقطوع به الشريعة –وهو موضوع حديثنا- فهذا لا نعتبره رأيًّا أصلًا؛ فضلًا عن أن نعتدّ به الخلاف، فلا نستطيع مثلًا أن نعتبر رأي من ينكر البعث، مخالفًا لرأي من يُؤمن به ويعتقده، ولا رأي من ينكر الصلاة، أو الزكاة، أو الصيام، أو الحج، مخالفًا لرأي من يعتقدها ويقوم بأدائها، ويظهر هذا النوع في تفسير أصحاب المذاهب المنحرفة الذين جرفهم التيار بعيدًا عن شاطئ أهل الحق، فهذا رجل يتلاعب بالحدود الشرعية، ويفسر آياتها حسب هواه، وهذا آخر ينكر معجزات الأنبياء، ويتأوّل الآيات الدالة عليها على غير تأويلها، وينكر وجود الجن، والملائكة، وينكر الحدود الشرعية، ويفسر الآيات الدالة عليه حسب هواه، فهل يكون هذان -وأمثالهما كثير في الماضي والحاضر- ممن يعتبر رأيهم في تفسير القرآن الكريم؟ كلّا.

والعجيب أن هذا الأخير، قد اختار لتفسيره عنوانًا، هو وكتابه أبعد ما يكونان منه، فقد أسماه (الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن).

عُرض هذا الكتاب على لجنة من علماء الأزهر، فُنِّدَتْ آراءُه، وجاء الحكم على مؤلفه أنه “أفّاك خرّاص، اشتهى أن يعرف فلم يَرَ وسيلة أهون عليه، وأوفى بغرضه من الإلحاد في الدين؛ بتحريف كلام الله عن مواضعه؛ ليستفزّ الكثير من الناس إلى الحديث في شأنه، وترديد سيرته.

error: النص محمي !!