Top
Image Alt

الاختلاف في الفيء

  /  الاختلاف في الفيء

الاختلاف في الفيء

إذا اختلف الزوج، والمرأة في الفيء مع بقاء المدة؛ بأن ادعى الزوج الفيء وأنكرت المرأة، فالقول قول الزوج؛ لأن المدة إذا كانت باقية؛ فالزوج يملك الفيء فيها، وقد ادعى الفيء في وقت يملك فيه إنشاءه فيه، فكان الظاهر شاهدًا له، فكان القول قوله، هذا إن اختلفا في المدة، أما إن اختلفا بعد مضي المدة فالقول قول المرأة؛ لأن الزوج يدعي الفيء في وقت لا يملك إنشاء الفيء فيه، فكان الظاهر شاهدًا عليه للمرأة، ومن ثم كان القول قولها.

حكم الفيء عند الجمهور غير الحنفية:

الكلام فيه يشتمل على أمرين:

أولهما: مدة الإمهال بلا قاض، إذا آل الزوج من زوجته لم يطالب بشيء من وطء وغيره قبل أربعة أشهر؛ لقوله عز وجل: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} [البقرة: 227]، وتبتدئ المدة من حين اليمين؛ لأنها ثبتت بالنص والإجماع، فلم تفتقر إلى تحديد كمدة العنة التي يحددها القاضي، فإن وطئها فقد أوفاها حقها قبل انتهاء المدة وخرج من الإيلاء، وإن وطئها بعد المدة قبل مطالبة المرأة، أو بعدها خرج من الإيلاء أيضًا؛ لأنه فعل ما حلف عليه، وإن لم يطأ رفعت الزوجة الأمر إلى القاضي إن شاءت، وحينئذ يأمره القاضي بالفيئة إلى الوطء؛ فإن أبى طلق القاضي عليه، ويقع الطلاق رجعيًّا.

فالطلاق الواجب على المولي عند الجمهور رجعي، سواء أوقعه بنفسه، أو طلق الحاكم عليه؛ لأنه طلاق لامرأة مدخول بها من غير عوض ولا استيفاء عدد، فكان رجعيًّا كالطلاق في غير الإيلاء، بخلاف فرقة العنة فإنها فسخ لعيب؛ ولأن الأصل أن كل طلاق وقع بالشرع يحمل على أنه رجعي، إلا أن يدل الدليل على أنه بائن.

أما عند الحنفية؛ فقد بينا أنه طلاق بائن؛ لأنه فرقة لرفع الضرر فكان بائنًا كفرقة العنة، والفيئة: الجماع المعروف، أو الوطء باتفاق العلماء، وأدنى الوطء تغييب الحشفة في الفرج إن كانت ثيبًا، وافتضاض البكارة إن كانت بكرًا، فلو وطئ دون الفرج لم يكن -وطؤه- فيئة؛ لأنه ليس بمحلوف على تركه، ولا يزول الضرر على المرأة بفعله، ولا بد من أن يكون الواطئ عالمًا، عامدًا، عاقلًا، مختارًا، فإن وطئ ناسيًا، أو مكرهًا، أو مجبوبًا لم يحنث وبقي الإيلاء، وإن وطئها وطئًا حرامًا؛ كوطئها وهي حائض، أو نفساء، أو محرمة، أو صائمة صوم فرض، أو كان هو محرم، أو صائمًا، أو مظاهرًا حنث وخرج من الإيلاء عند الشافعية، والحنابلة؛ بل حتى لو كان الوطء في الدبر عند الشافعية؛ لحصول المقصود.

وقال المالكية، والحنفية: إنّ شرط الوطء الكافي أن يكون حلالًا؛ فلا يكفي الحرام كما في الحيض، والإحرام، ويطالب بالفيئة بعد زوال المانع، وإن حنث بالحرام؛ فيلزمه الكفارة، ولا تنحل يمين الإيلاء؛ لقوله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} [المائدة: 89].

وإن كان الإيلاء بتعليق طلاق وقع بنفس الوطء؛ لأنه معلق بصفة وقد وجدت، وإن كان على نذر صدقة، أو صوم، أو صلاة، أو حج أو غير ذلك من الطاعات، أو المباحات فيلزمه الوفاء به بالوطء، ويخير عند الشافعية، والحنابلة بين الوفاء به وبين كفارة يمين؛ لأنه نذر لجاج وغضب.

الثاني: الفيئة حال العجز عن الجماع:

  • إن كان المانع من جهة المرأة يمنع الوطء منعًا شرعيًّا كحيض، أو نفاس، أو حسيًّا كمرض لا يمكن معه الوطء، فلا يطالب الزوج بالفيئة؛ لأن الوطء متعذر من جهتها فكيف تطلبه، أو تطلب ما يقوم مقامه وهو الطلاق؛ ولأن المطالبة تكون بالمستحق؛ وهي لا تستحق الوطء حينئذ.
  • إن كان المانع من الوطء من جهة الزوج مانعًا طبيعيًّا؛ وهو حبس، أو مرض يمنع الوطء، أو يخاف منه زيادة العلة، أو بطء البرء -أي: الشفاء- أو مانعًا شرعيًّا؛ كإحرام بحج، أو عمرة، أو كان مغلوبًا على عقله بجنون، أو إغماء لم يطالب بالوطء؛ لأن المجنون، والمغمى عليه لا يصلح للخطاب، ولا يصح منه الجواب، وتتأخر المطالبة إلى حال القدرة وزوال العذر ثم يطالب حينئذ، وكذا لا يطالب المحبوس، والمريض، والمحرم بالوطء للفعل لتعذره؛ وإنما يطالب بالفيء بالقول، أي: بالوعد بالوطء إذا زال مانع المرض، أو السجن، أو الإحرام أو نحوها، أو بالطلاق إن لم يفئ، بأن يقول: إن قدرت فئت، أو طلقت؛ لأن بهذا القول يندفع الأذى الموجه للمرأة الذي حصل باللسان.

لكن المذهب عند الشافعية: أنه إذا كان في الزوج مانع شرعي كإحرام، وظهار قبل التكفير، وصوم واجب فيطالب بالطلاق؛ لأنه هو الذي يمكنه، ولا يطالب بالفيئة؛ لحرمة الوطء، ويحرم عليها تمكينه، وإذا انقضت مدة الأربعة أشهر فادعى أنه عاجز عن الوطء، فإن كان قد وطئها مرة لم تسمع دعواه العنة، كما لا تسمع دعواها عليه، ويطالب بالفيئة، أو بالطلاق كغيره، وإن لم يكن وطئها، ولم تكن حاله معروفة تسمع دعواه ويقبل قوله؛ لأن التعيين من العيوب التي لا يقف عليها غيره، فيقبل قوله مع اليمين.

وللمرأة أن تطالب الحاكم بأن يضرب له مدة العنة، وهي سنة، بشرط أن يفيء فيئة أهل الأعذار، وهو الوعد بالوطء عند القدرة على الجماع، فيقول: متى قدرت جامعتها.

 وبهذا؛ يتفق الجمهور مع الحنفية، في أن الفيء يكون بالجماع، أو بالقول عند العجز عن الجماع.

اختلاف الزوجين في الإيلاء، أو في انقضاء مدته، أو في حدوث الفيئة:

إذا اختلف الزوجان في الإيلاء، أو في انقضاء مدته، بأن ادعته عليه فأنكر فالقول قول الزوج؛ لأن الأصل عدمه، والأصل عدم انقضاء المدة، وإن اختلفا في الفيئة، فقال الزوج: قد أصبتها، وأنكرت الزوجة؛ فإن كانت ثيبًا كان القول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء النكاح، والمرأة تدعي ما يلزمه به رفعه، وهو يدعي ما يوافق الأصل ويبقيه؛ فكان القول قوله كما لو ادعى الوطء في العنة، فإن نكل عن اليمين -أي: امتنع عن اليمين- حلفت الزوجة أنه لم يف، وبقيت على حقها من الطلب بأن يفيء، أو يُطلق، فإن لم تحلف بقيت زوجة كما لو حلف.

وأما إن كانت بكرًا، واختلفا في الإصابة، ثبت أنها لا زالت على بكارتها بواسطة النساء الثقات؛ فإن شهدن بثيوبتها؛ فالقول قول الزوج بيمينه، وإن شهدن ببكارتها فالقول قولها بيمينها؛ لأنه لو وطئها زالت بكارتها، وهذا متفق عليه بين الجمهور، والحنفية.

error: النص محمي !!