Top
Image Alt

الاستثناء المفرغ، وأساليب الاستثناء بغير “إلا”، وقراءة باب الاستثناء من كتاب “التصريح على التوضيح”

  /  الاستثناء المفرغ، وأساليب الاستثناء بغير “إلا”، وقراءة باب الاستثناء من كتاب “التصريح على التوضيح”

الاستثناء المفرغ، وأساليب الاستثناء بغير “إلا”، وقراءة باب الاستثناء من كتاب “التصريح على التوضيح”

1. بيان معنى الاستثناء المفرغ:

إذا فُقد الشرط الثاني بأن كان الكلام السابق لـ”إلا” غير تام، أي: لم يُذكر فيه المستثنى منه، فلا عمل لـ”إلا” بل يكون الحكم عند وجودها بالنسبة إلى العمل مثله عند فقدها، فإن كان ما قبلها يطلب مرفوعًا رُفع ما بعدها على الفاعلية أو الخبرية مثلًا، وإن كان يطلب منصوبًا لفظًا نُصب، وإن كان يطلب منصوبًا محلًّا جُر بجارٍّ يتعلق به، نحو: “ما قام إلا زيد”، فـ”قام” تطلب الفاعل وهو ما بعد “إلا”، و”ما رأيت إلا زيدًا” فـ”رأيت” تطلب مفعولًا وهو ما بعد “إلا”، و”ما مررت إلا بزيد” فـ”مررت” يطلب منصوبًا محلًا وهو “بزيد”.

وهذا القسم من الاستثناء يُسمى: الاستثناء المفرّغ -وهو القسم الأول- لأن ما قبل “إلا” تفرّغ لطلب ما بعدها، والاستثناء في الحقيقة من عامّ محذوف، وما بعد “إلا” بدل من ذلك المحذوف، والتقدير: “ما قام أحد إلا زيدٌ” و”ما رأيت أحدًا إلا زيدًا” و”ما مررت بأحد إلا بزيد”، إلا أنهم حذفوا المستثنى منه وأشغلوا العامل بالمستثنى، وسموه استثناءً مفرغًا.

لكن هذا المستثنى المحذوف له اعتبارٌ في الدرس النحوي، هذا الاعتبار يتضح من وجوب التذكير في قولهم: “ما قام إلا هند”، ووجوب التذكير هنا يؤكد أن المستثنى منه المحذوف مراعى، والتقدير: “ما قام أحد إلا هند”.

وكذلك إذا فُقد الشرط الأول، بألا تُسبق “إلا” بحكم عام يحتاج إلى التخصيص؛ لذلك يكون ما بعد “إلا” متممًا لما قبلها وليس مستثنى منه، ويسمى استثناءً مفرّغًا.

وشرط الاستثناء المفرّغ: كون الكلام غير إيجاب، وهو: أن يتقدم عليه ما يُخرجه عن الإيجاب وهو النفي، نحو: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ} [آل عمران: 144]، فالمثال جملة اسمية تتكون من مبتدأ وخبر، فـ”مَا”: نافية، و{مُحَمَّدٌ}: مبتدأ، و{إِلاَّ}: ملغاة لا عمل لها، و{رَسُولٌ}: خبر، فما قبل “إلا” وهو {مُحَمَّدٌ} مبتدأ، والمبتدأ يطلب الخبر؛ فرُفع ما بعد “إلا” وهو {رَسُولٌ} على الخبرية.

والشبيه بالنفي: النهي، في نحو قوله تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ} [النساء: 171]؛ فما قبل {إِلاَّ} وهو {تَقُولُواْ} يطلب مفعولًا صريحًا؛ فنُصب ما بعد “إلا” وهو {الْحَقِّ} على المفعولية، وتقدير المستثنى منه: “ولا تقولوا على الله شيئًا إلا الحق”.

ومن الشبيه بالنفي: الاستفهام الإنكاري؛ لما فيه من معنى النفي، نحو: {فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُون} [الأحقاف: 35]، فالمثال جملة فعلية تتكون من فعل وفاعل، فـ”هَلْ”: أداة استفهام بمعنى النفي، وما قبل {إِلاَّ} وهو {يُهْلَكُ} فعل مضارع مبني للمفعول يطلب مرفوعًا نائبًا عن الفاعل؛ فرُفع ما بعد {إِلاَّ} وهو {الْقَوْمُ} على النيابة عن الفاعل، وتقدير المستثنى منه: “فهل يهلك أحد إلا القوم الفاسقون”، والمعنى: “ما يُهلك إلا القوم الفاسقون”.

ولا يتأتى التفريغ في الإيجاب؛ لأنه يؤدي إلى الاستبعاد، فمثلًا: لا تقول: “رأيت إلا زيدًا”؛ لأنه يلزم منه أنك رأيت جميع الناس إلا زيدًا، وذلك محال؛ ماذا نعمل في قوله تعالى: {وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ} [التوبة: 32] فظاهر الكلام الإيجاب في الاستثناء المفرغ؟

والجواب: أن “يَأْبَى” هذا فعل مفيد للنفي؛ لأنه على معنى: “لا يريد” لأن “يأبى” و”لا يريد” معناهما النفي، فهما بمعنى واحد، والمعنى: “لا يريد الله إلا إتمام نوره”، فلا فرق في النفي بين أن يكون في اللفظ أو في المعنى.

هذا حكم الاستثناء المفرغ، وفيه “إلا” كأنها معدومة -أي: لا أثر لها- والعامل الذي قبلها مسلّط على الذي بعدها؛ ولذلك عند الإعراب مثلًا نقول: “إلا” ملغاة لا عمل لها، ففي مثال: “ما قام إلا زيد” نعرب “ما” نافية، و”قام” فعل ماض، و”إلا” ملغاة لا عمل لها، لكن هي ملغاة في العمل فقط، أما وظيفتها المعنوية فثابتة، وهي إبطال النفي؛ لأنها مع المنفي تؤدّي وظيفة القصر: قصر القيام على زيد، قصر الصفة على الموصوف، وفي قوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ} قصر الموصوف على الصفة، وهكذا.

هذا هو الاستثناء المفرّغ -وهو القسم الأول من أقسام الاستثناء- وتوضيحه: أن الكلام السابق لـ”إلا” قد لا يتوفر فيه عموم الحكم إلا بعد إضافة ما بعد أداة الاستثناء إليه، أي: إلى ما قبل “إلا” مثال: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ} [آل عمران: 144] إذ ما بعد “إلا” الخبر، ومثال قوله تعالى: {وَمَا أَنسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ} [الكهف: 63] إذ ما بعد “إلا” هو الفاعل، ومثال قوله تعالى: {إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا} [الفرقان: 41]؛ إذ ما بعد “إلا” هو المفعول الثاني لـ”اتخذ”.

والخلاصة: أن ما بعد “إلا” في الاستثناء المفرّغ مكمل لما قبلها، ولا يتم الحكم إلا بإضافته إليه؛ إما لأنه خبر نحو: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ}، {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ} [آل عمران: 126] أو مبتدأ نحو: “ما في جيبي إلا قلم واحد”، وإما لأنه فاعل نحو: {فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ} [يونس: 83] وقوله تعالى: {وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ} [آل عمران: 135] وإما لأنه مفعول نحو: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا} [يونس: 36] وإما لأنه مفعول ثانٍ نحو: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا} [الفرقان: 41] وإما لأنه حال نحو: {وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ} [الفرقان: 20] أي: وما أرسلنا قبلك من المرسلين في حال من الأحوال إلا آكلين وشاربين، وذلك كناية عن بشريتهم، وفي قوله تعالى: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} [النساء: 19] أي: إلا في حال إتيانهم للفاحشة البينة.

هذه كلمة موضحة للاستثناء بـ”إلا” بأقسامه: الاستثناء المفرغ، والاستثناء التام الموجب بقسميه المتصل والمنقطع، والاستثناء التام المنفي، مع ذكر حكمه في كل قسم من الأقسام السابقة.

2. أساليب الاستثناء بغير “إلا”:

أ. الاستثناء بـ”غير”:

علمت أن الاستثناء تخصيص لعموم الحكم السابق، وذلك بأن يأخذ المستثنى حكمًا مغايرًا لما قبل “إلا”، فإذا قلت: “قام القوم إلا محمدًا” كان لمحمدٍ حكم مغاير لما قبل “إلا” أي: “قام القوم غيرَ محمدٍ”؛ لذلك جاز أن يؤدى بكلمة “غير” معنى الاستثناء، فتقول: “نجح الطلاب غيرَ خالدٍ”، فتنصب “غير” على الاستثناء، وإن كان المستثنى هو “خالد” المجرور بإضافة “غير” إليه.

واعلم أن الأصل في كلمة “غير” أن تكون صفة لنكرة قبلها، قال تعالى: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} [فاطر: 37] فـ{غَيْرَ} بالنصب صفة لـ{صَالِحًا}، أو صفة لمعرفة في حكم النكرة، قال تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ} [الفاتحة: 7]؛ لأن {غَيرِ} بالجر صفة لـ{الَّذِينَ} وهو جنس مدلول شائع لا يُقصد به قوم بأعينهم؛ لذلك فسّرها الشوكاني بقوله: طريق من أنعمت عليهم من الملائكة والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، الذين أطاعوك وعبدوك. فبيّن بهذا التفسير معنى العموم في {الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ} من قوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ} فمع أنها معرفة إلا أن عموم مدلولها جعلها في حكم النكرة؛ من ثم جاز أن توصف بكلمة {غَيرِ}.

وإذا كانت كلمة “غير” تقع موقع “إلا”، فهل تقع “إلا” موقع كلمة “غير” فتكون صفة؟

اعلم أن لـ”إلا” استعمالين مشهورين:

الأول: أن تكون أداة استثناء.

الثاني: أن تكون وما بعدها صفة، بمعنى “غير”.

وإنما تكون صفة إذا لم تصلح أن تكون للاستثناء، قال تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22]؛ لأن القول بالاستثناء في هذه الآية مفسد للمعنى، أي: لو كان فيهما آلهة أُخرج منه الذات العلية لفسدتا، وفي ذلك إثبات لتعدد الآلهة، وهو فاسد، وإنما يُعرب: {إِلاَّ اللَّهُ} صفة مؤكدة صالحة للإسقاط؛ فيكون المعنى: لو كان فيهما آلهة غير الواحد لفسدتا.

وإعراب الآية هو:

{لَوْ}: أداة شرط غير جازمة تفيد امتناع الجواب لامتناع الشرط. و{فِيهِمَا}: ظرف مستقر متعلق بمحذوف خبر {كَانَ} و{آلِهَةٌ}: اسم كان مرفوع، و{إِلاَّ اللَّهُ} صفة لـ{آلِهَةٌ} مرفوعة بالضم، هذا تفصيل الإعراب، أو تفصيل لـ”غير” إذا استُثني بها، والعلاقة بين كلمة “غير” وكلمة “إلا”.

ب. الاستثناء بـ”ليس” و”لا يكون” و”ما عدا” و”ما خلا” و”حاشا”:

بقي علينا من الأساليب الأخرى غير “إلا” بعد “غير”: “ليس” و”لا يكون”، و”ما عدا”، و”ما خلا” و”حاشا”.

علمنا أن الاستثناء الذي هو تخصيص لعموم الحكم السابق قد يُؤدى بمفردٍ واجب النصب، أو بمفرد يجوز فيه النصب، وأن يَتبع المستثنى المستثنى منه في إعرابه، هذا وسنعلم هنا أن الاستثناء قد يؤدّى بجملة، والمستثنى فيها منصوب على أنه خبر لـ”ليس” أو خبر لـ”لا يكون” أو مفعول لـ”ما عدا” أو “ما خلا” أو “حاشا”.

وللاستثناء بهذه الأساليب شرطان:

الشرط الأول: أن يكون الكلام تامًّا، أي: لا بد من ذكر المستثنى منه.

الشرط الثاني: أن يكون الاستثناء متصلًا، أي: يكون المستثنى من جنس المستثنى منه.

مثال ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «ما أنهر الدم، وذُكر اسم الله عليه فكلوا ليس السن والظفر»، أي: كلوا ما أُنهر دمه وذُكر اسم الله عليه، ليس السن والظفر، وأيضا: “قاموا لا يكون زيدًا”.

ومثاله قول لبيد بن ربيعة العامري:

ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل

*وكل نعيم لا محالة زائل

أي: كل شيء باطل ما خلا الله.

3. قراءة باب الاستثناء من كتاب (التصريح على التوضيح):

هذه كلمة عن المستثنى شاملة لأحكامه، وتعطي للمتعلم صورة واضحة لهذا الباب، والكتاب الذي سنقرأ منه باب المستثنى هو: (التصريح على التوضيح) للشيخ خالد الأزهري.

أ. معنى الاستثناء:

بدأ الشيخ خالد الأزهري كلامه بقوله: “المستثنى هو المُخرَج تحقيقًا أو تقديرًا من مذكورٍ أو متروك، بـ”إلا” أو ما في معناها، بشرط الفائدة”.

هذا تعريف للمستثنى موجود في كتاب (التصريح)؛ فقوله “المخرج”: جنس يشمل المخرج بالبدل نحو: “أكلت الرغيف ثلثه”، وبالصفة نحو: “أعتق رقبة مؤمنة”، وبالشرط نحو: “اقتل الذمي إن حارب”، وبالغاية نحو: {ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ} [البقرة: 187]، وبالاستثناء نحو: {فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} [البقرة: 249].

فـ”أكلت الرغيف ثلثه” فيه مخرج ومخرَج منه؛ لأنك تقول: مستثنى ومستثنى منه، فالمخرج هو “ثلثه”؛ لأن هذا هو القدر المأكول، والمخرج منه هو الرغيف.

وعندما تقول: “أعتق رقبة مؤمنة”، فـ”رقبة” حكم عام يشمل المؤمنة والكافرة، والصفة خصصت الرقبة التي يُطلب إعتاقها، فالرقبة المؤمنة مخرجة من مجموع الرقاب غير المؤمنة.

وعندما تقول: “اقتل الذمي” حكم عام، فإن قلت: “إن حارب” فقد خصصت، فقتل الذمي المحارب من عموم أهل الذمة الذين لم يحاربوا.

وفي قوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ} أي: الصيام يتم في اليوم كله إلى الليل، فالليل خارج من جملة الوقت الذي يقع فيه الصيام، وفي قوله تعالى: {فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ}، فيه {قَلِيلاً} خارجة من جملة “الذين شربوا”، فهذه الجمل كلها تتفق في صفة الإخراج.

قوله: “تحقيقًا أو تقديرًا” إشارة إلى قسمي: المتصل والمنقطع.

وقوله: “من مذكور أو متروك” إشارة إلى قسمي: التام، والمفرّغ، مثال التام: “نجح الطلاب إلا محمدًا”، ومثال المفرغ -وهو ما لم يذكر فيه المستثنى منه، نحو: “ما جاءني إلا زيد”.

وقوله: “بإلا” متعلق بالمخرج، وهو فصل يخرج ما عدا المستثنى مما تقدم، أي: لا يدخل في المستثنى البدل؛ لأنه ليس مخرجًا بإلا، ولا المخرج بالصفة، ولا المخرج بالشرط، ولا المخرج بالغاية.

وقوله: “أو ما في معناها”، يشمل جميع أدوات الاستثناء.

وقوله: “بشرط الفائدة” احتراز عن نحو: “جاءني ناس إلا زيدًا”، و”جاءني القوم إلا رجلًا”؛ فإنه لا يفيد.

ب. أدوات الاستثناء:

وللاستثناء أدوات ثمانٍ، وهي على أربعة أقسام:

القسم الأول: حرفان، وهما: “إلا” عند الجميع من النحويين، “وحاشا” عند سيبويه وأكثر البصريين، وذهب الجرمي، والمازني، والمبرد، والزجاج، والأخفش، وأبو زيد، والفراء، وأبو عمر الشيباني إلى أنها تستعمل كثيرًا حرفًا جارًّا، وقليلًا فعلًا متعديًا جامدًا لتضمنه “إلا”، وذهب جمهور الكوفيين إلى أنها فعل دائمًا، ويقال فيها: “حاشَ” بحذف الأخيرة، و”حشا” بحذف الألف الأولى، واعتُرض بأن “حاشا” الحرفية الاستثنائية لا يُتصرف فيها بالحذف، وإنما ذلك في “حاشا” التنزيهية، نحو: “حاشا لله”، وهذه عند المبرد وابن جني والكوفيين فعل، قالوا: لتصرفهم فيها بالحذف، ولإدخالهم إياها على الحرف نحو: “حاشا لله”، وهذان الدليلان ينفيان الحرفية، قاله في (المغني).

نخلص إلى أن “حاشا” قسمان: تنزيهية، وغير تنزيهية، فالتنزيهية: فعل، بالدليلين اللذين سبقا أن تعرضنا لهما، وغير التنزيهية فيها خلاف، فيرى سيبويه أنها حرف، ويرى الكوفيون أنها فعل، والرأي الثالث للجرمي ومن تبعه؛ تكون حرف جر وتكون فعلًا متعديًا.

القسم الثاني: فعلان، وهما: “ليس” و”لا يكون”.

و”ليس” عند الجمهور فعل جامد، وذهب الفارسي وتبعه أبو بكر بن شقير إلى حرفيتها مطلقًا، وذهب بعضهم إلى أنها في باب الاستثناء تكون حرفًا ناصبًا للمستثنى بمعنى “إلا”، وفعلًا فيما عدا ذلك.

الفعل الثاني: “لا يكون”، واعتُرض بأن المركب من حرف وفعل لا يكون فعلًا، ويجاب بأنهما لمّا رُكبا غلب الفعل الحرف؛ لشرف الفعل؛ فسُمي الجميع فعلًا.

القسم الثالث: كلمتان مترددتان بين الحرفية والفعلية؛ فيستعملان تارة حرفين، وتارة فعلين، وهما: “خلا” عند الجميع من النحويين، و”عدا” عند غير سيبويه؛ فإنه لم يحفظ فيها إلا الفعلية.

القسم الرابع: اسمان وهما: “غير”، و”سوى” بلغاتها، ولغات “سوى” هي: “سِوى” بقصر السين والقصر كـ”رضا”، و”سُوًى” بضم السين والقصر كـ”هُدًى”، و”سَواء” بفتح السين والمد كـ”سماء”، و”سِواء” بكسر السين والمد كـ”بناء”، وهذه الأخيرة هي أغربها، وقل من ذكرها؛ إذًا: “سواء” بالفتح تُمد ولا تُقصر، و”سُوى” بالضم تُقصر ولا تُمد، و”سِوى” بالكسر تُكسر وتُمد.

error: النص محمي !!