Top
Image Alt

الاستدلال بالحديث في مقابل الرأي أو السهو في الرواية

  /  الاستدلال بالحديث في مقابل الرأي أو السهو في الرواية

الاستدلال بالحديث في مقابل الرأي أو السهو في الرواية

وروى علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن عمران بن حطان قال: سألت عائشة عن الحرير، فقالت: ائت ابن عباس فسله، قال: فسألته، فقال: سل ابن عمر، قال: فسألت ابن عمر، فقال: أخبرني أبو حفص -يعني: عمر بن الخطاب- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة)) فقلت: صدق، وما كذب أبو حفص على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وروى البخاري عن عمرو عن أبي العباس أنه قال: سمعت عبد الله بن عمرو { يقول: قال لي النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((ألم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار!)) قلت: إني أفعل ذلك، قال: ((فإنك إذا فعلت ذلك هجمت عينك، ونفهت نفسك، وإن لنفسك حقًّا ولأهلك حقًّا، فصم وأفطر، وقم ونم)) وصحّح الرسول -صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن عمرو اجتهاده في السلوك؛ لأنه مخالف لمنهج الإسلام في التيسير.

وروى حماد بن سلمة عن بشر بن حرب: “أن ابن عمر أتى أبا سعيد الخدري فقال: يا أبا سعيد، ألم أخبر أنك بايعت أميرين من قبل أن يجتمع الناس على أمير واحد؟! قال: نعم، بايعت ابن الزبير، فجاء أهل الشام فساقوني إلى جيش بن دلحة فبايعته. فقال ابن عمر: إياها كنت أخاف! إياها كنت أخاف! ومد بها حماد صوته -حماد بن سلمة- قال أبو سعيد: يا أبا عبد الرحمن, أَوَلَمْ تسمع أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من استطاع ألا ينام نومًا، ولا يصبح صباحًا، ولا يمسي مساء إلا وعليه أمير))؟ قال: نعم، ولكني أكره أن أبايع أميرين من قبل أن يجتمع الناس على أمير واحد”، فلم يسكت ابن عمر على ما فعله أبو سعيد الخدري باجتهاده؛ لأنه رآه مخالفًا لما ينبغي أن يكون بناء على اتجاه السنة.

وروى البخاري بسنده عن ابن عباس أنه قال: “قال عمر: أُبيّ أقرؤنا، وإنا لندع من لحن أُبي, وأُبي يقول: أخذته من في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلا أتركه لشيء، قال الله تعالى: {ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ}البقرة: 106]”.

قال ابن حجر: من لحن أبي؛ أي: من قراءته، وكان أبي لا يرجع عما حفظه من القرآن الذي تلقاه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولو أخبره غيره أن تلاوته نُسخت؛ لأنه إذا سمع ذلك من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حصل عنده القطع به، فلا يزول عنه بإخبار غيره أن تلاوته نسخت، وقد استدل عليه عمر بالآية الدالة على النسخ، وهو من أوضح الاستدلال في ذلك.

وما قاله ابن حجر عن أُبي بن كعب اعتذار غير مقبول؛ لأن الصحابة كانوا إذا وصلهم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمر غير الأمر الذي هم عليه؛ كانوا يلتزمون بالأمر الجديد بسماعهم من الصحابة، ولا ينتظرون أن يخبرهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بذلك، ولكن نقول: إن أُبيًّا لم يترجح عنده ما نقل إليه عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالنسبة إلى ما عنده، وذلك كان خاصًّا به في نفسه، والناس يعملون على خلافه.

وقد استدركت عائشة < على الصحابة، وظهر ذلك فيما جُمع من استدراكاتها؛ حيث أخرج مسلم والنسائي عن شريح بن هانئ، عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)) قال شريح: “فأتيت عائشة فقلت: يا أم المؤمنين, سمعت أبا هريرة يذكر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حديثًا إن كان كذلك فقد هلكنا! فقالت: إن الهالك من هلك، وما ذاك؟ قلت: قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)) وليس منا أحد إلا وهو يكره الموت! فقالت: قد قاله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وليس بالذي تذهب إليه؛ ولكن إذا شخص البصر, وحشرج الصدر، واقشعر الجلد، وتشنجت الأصابع؛ فعند ذلك من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه”.

وأخرجه الدارقطني من جهة محمد بن فضيل, قال: حدثنا عطاء بن السائب عن مجاهد, عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا أحب العبد لقاء الله أحب الله لقاءه، وإذا كره العبد لقاء الله كره الله لقاءه)) فذكر ذلك لعائشة فقالت: يرحمه الله، حدثكم بأول الحديث، ولم يحدثكم بآخره، قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا أراد الله بعبد خيرًا بعث إليه ملكًا في عامه الذي يموت فيه؛ فيسدده ويبشره، فإذا كان عند موته أتاه ملك الموت فيقعد عند رأسه, فقال: أيتها النفس المطمئنة اخرجي على المغفرة من الله ورضوان، وتتهرع نفسه رجاء أن تخرج، ذلك حين يحب لقاء الله ويحب الله لقاءه. وإذا أراد بعبد شرًّا؛ بعث إليه شيطانًا في عامه الذي يموت فيه فأغراه, فإذا كان عند موته أتاه ملك الموت, فقعد عند رأسه فقال: أيتها النفس, اخرجي إلى سخط الله وغضبه. فتفرق في جسده، فذاك حين يبغض لقاء الله ويبغض الله لقاءه)). قال الدارقطني: تفرد به عطاء بن السائب، ولا أعلم حدث به عنه غير ابن فضيل.

وقال البزار في مسنده بسنده عن قتادة, عن عكرمة: “أن ابن عباس وزيد بن ثابت اختلفا في التي تطوف يوم النحر الطواف الواجب، ثم تحيض، فقال زيد: تقيم حتى يكون آخر عهدها بالبيت، وقال ابن عباس: تنفر إذا طافت يوم النحر، فقالت الأنصار: يا ابن عباس, إنك إذا خالفت زيدًا لم نتابعك، فقال ابن عباس: سلوا عن ذلك صاحبتكم أم سليم. فسألوها بما كان من حال صفية بنت حيي، قالت: قالت عائشة: إنها لحابستنا، فذكرت ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- فأمرها أن تنفر”.

ورواه ابن عبد البر من جهة عبد الرزاق قال: حدثنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه: “أن زيد بن ثابت وابن عباس اختلفا في صدر الحائض، قبل أن يكون آخر عهدها الطواف بالبيت، فقال ابن عباس: تنفر, وقال زيد: لا تنفر. فدخل زيد على عائشة فسألها فقالت: تنفر. فخرج زيد وهو يبتسم ويقول: ما الكلام إلا ما قلت” أي: لابن عباس.

قال ابن عبد البر: هكذا يكون الإنصاف، وزيد يعلم ابن عباس، لكنه حينما أخطأ وأصاب ابن عباس؛ سُرّ بذلك واعترف له.

قال ابن عبد البر: فما لنا لا نقتدي بهم!

واستدركت عائشة على من أنكر الصلاة على الجنازة في المسجد، فأخرج مسلم عن عباد بن عبد الله بن الزبير؛ أن عائشة أمرت أن يمر بجنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد فتصلي عليه، فأنكر الناس عليها ذلك، فقالت: “ما أسرع ما نسي الناس! ما صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على سهيل ابن البيضاء إلا في المسجد”.

وفي رواية: أن أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- أرسلن أن يمروا بجنازته في المسجد فيصلين عليه، ففعلوا؛ فوقف به على حجرهن يصلين عليه، فبلغهن أن الناس عابوا ذلك وقالوا: ما كانت الجنائز يدخل بها المسجد، فبلغ ذلك عائشة < فقالت: “ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به! عابوا علينا أن يمر بجنازة في المسجد، وما صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على سهيل ابن بيضاء إلا في جوف المسجد”.

error: النص محمي !!