Top
Image Alt

الاستعارة المكنية والتخييلية

  /  الاستعارة المكنية والتخييلية

الاستعارة المكنية والتخييلية

الاستعارة المكنية: هي التي لا يصرح فيها بلفظ المشبه به، بل يطوى ويرمز له بلازم من لوازمه، ونذكر مثلًا على سبيل المثال ما سبق أن ذكرناه قبل، وهو بيت مشهور:

وإذا المنية أنشبت أظفارها

*ألفيت كل تميمة لا تنفع

فهنا شبه المنية بالسبع، ثم طوى المشبه به، ورمز له بلازمه، وهو الأظفار، وأثبت هذا اللازم للمشبه؛ فالمنية أو السبع استعارة مكنية، وإثبات الأظفار للمشبه فيها استعارة تخييلية.

هذا وقد اختلف البلاغيون في تحديد مفهوم الاستعارتين المكنية، والتخييلية التي هي قرينة المكنية فيرى جمهور البلاغيين أن المكنية: هي لفظ المشبه به المستعار في النفس للمشبه، والمحذوف المدلول عليه بشيء من لوازمه.

والتخييلية: هي إثبات لازم المشبه به للمشبه، ويقال في إجراء الاستعارتين في البيت المذكور: شُبهت المنية بالسبع بجامع الاغتيال في كلٍّ، ثم تنوسي التشبيه، وادعي دخول المشبه في جنس المشبه به، ثم قُدِّر في النفس حذف المشبه به، ورُمز إليه بشيء من لوازمه، وهي الأظفار على سبيل الاستعارة المكنية، ثم أثبتت الأظفار للمنية على سبيل الاستعارة التخييلية. هذا هو رأي جمهور البلاغيين.

ويرى الخطيب: “أن المكني هي التشبيه المضمر في النفس المدلول عليه بإثبات لازم المشبه به للمشبه، من غير أن يكون للمشبه أمر ثابت حسًّا أو عقلًا، استعير له لازم المشبه به، وأطلق عليه”. ويقال مثلًا في البيت المذكور: شبه الشاعر في نفسه المنية بالسبع، ثم تناسى التشبيه، وادعى أن المشبه فرد من أفراد المشبه به، ثم أثبت لازم المشبه به وهو الأظفار للمشبه، وليس للمشبه -وهو المنية- شيء محقق حسًّا أو عقلًا، استعير له لفظ الأظفار.

يلاحظ أن الخطيب أطلق الاستعارة المكنية على التشبيه المضمر في النفس، وهو فعل من أفعال المتكلم، وقد عرفنا أن الاستعارة لفظ استعمل في غير ما وُضع له؛ لعلاقة المشابهة، والألفاظ خلاف الأفعال، فلا وجه لتسمية التشبيه المضمر في النفس استعارة، وهذا هو الفرق بينه وبين ما ذهب إليه جمهور البلاغيين.

وواضح أن الخطيب يوافق الجمهور في سبب تسمية هذه الاستعارة بالمكنية، وهو عدم التصريح بالمشبه به، والدلالة عليه بلازمه، ويوافقهم أيضًا في تحديد مفهوم الاستعارة التخييلية، وهي إثبات لازم المشبه به للمشبه، وليس للمشبه شيء محقق حسًّا أو عقلًا استعير له هذا اللازم؛ ولذا كانت هذه الاستعارة تخييلية، وهي قرينة الاستعارة المكنية، فهما متلازمان.

أما مخالفته لهم فهي في تحديد مفهوم الاستعارة المكنية؛ إذ هي عنده فعل من أفعال المتكلم، فلا وجه لتسميتها استعارة، وعند الجمهور هي من قبيل الاستعارة التحقيقية؛ لأن لفظ المشبه به يُستعار لشيء محقق هو المشبه، كاستعارة السبع للمنية في البيت المذكور.

وهناك رأي آخر للسكاكي: فهو يرى أن الاستعارة المكنية لفظ المشبه المستعمل في المشبه به؛ بادِّعاء أن المشبه -وهو المنية- هو عين المشبه به أي: من جنسه، فيقال في بيت أبي ذؤيب: شبهت المنية بالسبع، ثم تنوسي التشبيه، وادُّعي أن المنية فرد من أفراد السبع، وأن السبع صار نوعين متعارف عليه، وهو الحيوان المفترس، وغير متعارف عليه، وهو الموت الذي ادُّعيت له السبعية، ثم استعير اسم المشبه -وهو الموت- الذي ادعيت له السبعية؛ فصح بهذا أنه قد أطلق اسم المشبه -وهو المنية- وأريد به المشبه به وهو السبع. فهي من قبيل المجاز اللغوي، كما عند الجمهور.

ويرى أن الاستعارة التخييلية ما كان معناها صورة وهمية، لا تحقق لها حسًّا ولا عقلًا كالأظفار في البيت، فإنه لما شبه المنية بالسبع في الاغتيال، أخذ الوهم في تصويرها بصورته؛ فاخترع لها صورة الأظفار، ثم أطلق عليها لفظ أظفار السبع، فالمشبه الصورة الخيالية للأظفار، والمشبه به عند السكاكي الصورة الحقيقية لها، والمستعار اللفظ الموضوع للصورة الحقيقية، والقرينة إضافتها إلى المكنية، ولا تلازم عنده بين المكنية والتخييلية، وقد توجدان معًا كما في البيت، وقد توجد التخييلية من غير المكنية كقولهم: أظفار المنية التي كالسبع نشبت بفلان؛ ففي أظفار استعارة تخييلية وُجدت مع تشبيه صريح.

ونلاحظ أن هذه الاختلافات في تحديد مفهوم الاستعارتين ترجع إلى توجيه كل منهما، وكلها -كما رأينا- توجيهات محتملة قائمة على التصور والتخيل، ونذكر الآن أمثلة متنوعة من شواهد الاستعارتين المكنية والتخييلية التي هي قرينة المكنية يقول لبيد:

وغداة ريح قد وزعت وقرة

*إذ أصبحت بيد الشمال زمامها

فهنا غداة مجرورة على تقدير رب غداة، وكلمة قرة -كما سبق أن ذكرنا- تعني: البرد والشمال: هي الريح الباردة، فقد جعل للشمال يدًا، وللكرة زمامًا، بأن شبه الشمال في تصريفها برودة الجو التي هي القرة، والتحكم في طبيعتها، شبه ذلك بالإنسان الذي يتصرف في الأمور، وشبه القرة -وهي البرودة- بالبعير بجامع الانقياد للغير، ثم تُنُوسي التشبيه، وادُّعي أن المشبه فرد من أفراد المشبه به، ثم أثبت لازم المشبه به -وهو اليد والزمام الخاصان بالإنسان أثبتهما للمشبه، ولا يخفى ما في ذلك من المبالغة في تصرف الريح تصرف الإنسان القادر، وانقياد القرة لها انقياد البعير المذلل، ومن الاستعارة بالكناية قول آخر:

وإذا العناية لاحظتك عيونها

*نم فالمخاوف كلهن أمان

فقد أثبت للعناية عيونًا بأن شببها بالإنسان، ثم تناسى التشبيه، وادعى أن المشبه فرد من أفراد المشبه به، ثم أثبت لازم المشبه به للمشبه؛ قصدًا إلى المبالغة، ونرى ذلك أيضًا استعارة المكنية في قول الحجاج: “إني أرى رءوسًا قد أينعت وحان قطافها”.

أثبت للرءوس قطافًا وإيناعًا أي: نضجًا، وهما من خصوصيات الثمار والأزهار، وبذا يكون قد شبه الخارجين عليه بالثمار ثم حذف المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه، وهو أينعت، وحان قطافها، وإثبات ذلك للمشبه تخييل، واستعارة تخييلية، وهي إذن قرينة المكنية، ومن المكنية قول المتنبي:

ولما قلت الإبل امتطينا

*إلى ابن أبي سليمان الخطوب

قلَّت أي: عزت، امتطينا أي: ركبنا، فجعل الخطوب تمتطى، والذي يمتطى هو الحيوان المعروف، فهو هنا شبه الخطوب بالإبل، ثم حذف المشبه به، ودلَّ على حذفه بذكر خاصة من خواصه، وهو قوله امتطينا، على سبيل المكنية، كذلك نجد من الاستعارات المكنية قول أبي تمام:

لما انتضيتك للخطوب كُفيتها

*والسيف لا يكفيك حتى يمتضى

كلمة انتضيت من انتضى السيف أي: جرده من غمده، فقد جعل ممدوحه سيفًا ينتضى، ويلجأ إليه عند الشدة، وعند النوازل، ثم طوى المشبه به ورمز له بلازمه، وهو الانتضاء، ومنه قول الآخر:

عضَّنا الدهر بنابه

*ليس ما حلَّ بنا به

فكلمة بنابه الأولى إنما هو ناب الحيوان، أما الباء في الكلمتين الأخيرتين فهما باء الجر، فجعل للدار هنا نابًا يعضُّ به، والدهر لا ناب له، وإنما الناب للحيوان المعروف، من ذلك أيضًا قوله:

إذا ما الدهر جر على أناس

*كلاكله أناخ بآخرينا

كلمة كلاكله أي: الصدر، أناخ يعني: برك، فهنا شبه الدهر والمراد به نوازله، وأحداثه بالبعير، ثم حذف المشبه به بعد تَنَاسي التشبيه، وجعل المشبه فردًا من أفراده، رامزًا له بلوازمه، وهي الكلاكل والجر والإناخة، وأثبت هذه اللوازم للمشبه، وهو الدهر. من ذلك أيضًا قول السري الرفاء يقول:

وقد كتبت أيدي الربيع صحائفًا

*كأن سطور السري حسنًا سطورها

سُري: هو شجر عالٍ ملتف الأغصان، فهنا جعل للربيع أيادٍ يكتب بها صحائف ذات سطور جميلة، وتلك من خصائص الإنسان الذي يكتب ويسطر، لكنه هو شبه الربيع بالكاتب؛ لأثر كل منهما في جمال ما يصدر عنه، ولم يذكر لفظ المشبه به؛ بل ذكر بعض لوازمه وهو الكتابة، والأيدي، والصحائف، والسطور التي لا يظهر عمل الكاتب إلا بها. ومن الاستعارات المكنية قول آخر:

ولئن نطقت بشكر ربك مفصحًا

*فلسان حالي بالشكاية أنطق

وقد جعل للحال لسانًا ينطق بالشكوى تشبيهًا لها بالإنسان الناطق، ومنه كذلك قول زهير بن أبي سلمى:

صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله

*وعُرِّيَ أفراس الصبا ورواحله

فكلمة صحا أي: أفاق من السكر، ومستعار هنا للسلو وزوال العشق، وأقصر أي: امتنع عن قدرة وعرِّي أي: عطل، والرواحل هي الشديدة من الإبل التي تقوى على الأحمال والأسفار، فهنا إن جُعل الصبا مأخوذًا من الصبوة، وهي الفساد، والجهل، والانهماك في اللذات، فيكون قد شبه الصبا بجهة من الجهات التي يُسافر إليها كالحج، والتجارة، انتهت حاجته منها فعاد إلى داره، ورفع عن الأفراس سروجها، وعن الإبل رحالها، ثم تنوسي التشبيه، وادعي دخول المشبه في أفراد المشبه به، الذي طوي، ورمز له بلوازمه، وهي الأفراس والرواحل التي عُريت، ثم أسندت تلك اللوازم إلى المشبه وهو الصبا على سبيل التخييل.

أما إذا جعل الصبا مأخوذًا من الصباء، وهو الشباب وصغر السن، فيجوز جعله استعارة مكنية أيضًا على معنى أن الشباب قد ولى وانقضى، فيكون قد شبهه بجهة لا يُذهب إليها، ثم ترى المشبه به وأسند لازمه، وهي الرواحل والأفراس إلى المشبه وهو الصبا.

ومن شواهد الاستعارة المكنية في نظم القرآن الكريم قول الله تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذّلّ مِنَ الرّحْمَةِ} [الإسراء: 24]، فهنا شبه الذل بطائر، ثم حُذف ورُمز له بلازمه، وهو الجناح، وأثبت هذا اللازم للمشبه؛ لعلك تستشعر ما وراء الاستعارة في الآية الكريمة من حثٍّ للمؤمن على الخضوع لوالديه، وأن يكون في خضوعه وبرِّه كالطائر الذي يرفرف بجناحيه حنوًّا وحنانًا.

ومن شواهدها قول الله تعالى: {الّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ} [البقرة: 27] يقول الزمخشري في بيان الاستعارة في الآية الكريمة: “فإن قلت: من أين ساغ استعمال النقض في إبطال العهد؟ قلت: من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة، لما فيه من إثبات الوصلة بين المتعاهدين، وهذا من أسرار البلاغة ولطائفها، أن يسكتوا عن ذكر الشيء المستعار، ثم يرمزوا إليه بذكر شيء من روادفه، فينبهوا بتلك الرمزة على مكانه.

من ذلك قوله تعالى: {وَلَماّ سَكَتَ عَن مّوسَى الْغَضَبُ} [الأعراف: 154] فيمكن حمله على المكنية أيضًا بأن يشبه الغضب بكائن حي يحث موسى عليه السلام ويحركه، قد حُذف المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه وهو السكوت، وأثبت هذا اللازم للغضب على سبيل الاستعارة التخييلية.

وهنا لا بد من التنبيه على أمر مهم، وهو أن لازم المشبه به الذي يثبت للمشبه ينبغي أن يكون له اختصاص قوي بوجه الشبه في المشبه به؛ حتى تتحقق المبالغة المطلوبة، وهذا اللازم على نوعين:

الأول: ما يتحقق به كمال وجه الشبه في المشبه به كقولنا مثلًا: ظهر وجه الحق، فالمشبه به المطوي هو الإنسان المشرق الوجه، وقد أثبت لازمه وهو الوجه إلى المشبه وهو الحق، وهذا اللازم يتحقق به كمال الإشراق في المشبه به؛ لأن الوجه هو مظهر الإشراق والوضوح في الإنسان، ومن ذلك أيضًا قول الهزلي:

وإذا المنية أنشبت أظفارها

*ألفيت كل تميمة لا تنفع

لأن الأظفار، وهي لازم المشبه به الذي أثبت للمشبه هي التي يكمن بها الاغتيال في السبع؛ لأن فتكه بها أقوى من فتكه بالأنياب.

الثاني: ما يتحقق به قوام وجه الشبه، ووجوده في المشبه به كقولنا مثلًا: مشت بنا أقدام الزمن إلى المصير المحتوم، فقد طوى المشبه به وهو الإنسان، وأثبت لازمه وهو الأقدام إلى المشبه وهو الزمن، وهذا اللازم لا يتحقَّق وجود وجه الشبه وهو الانتقال، والذهاب إلى الغاية في المشبه به المحذوف وهو الإنسان، إلا بذكره ووجوده.

error: النص محمي !!