Top
Image Alt

الاستعداد للمعركة، وصف الصفوف، وعتبة وبداية المعركة

  /  الاستعداد للمعركة، وصف الصفوف، وعتبة وبداية المعركة

الاستعداد للمعركة، وصف الصفوف، وعتبة وبداية المعركة

لما رأى النبي صلى الله عليه  وسلم المشركين دعا عليهم، واستغاث بربه وقال: ((اللهم إن هذه قريش أقبلت تحادك، وتكذب رسولك، فاللهم أحنهم الغداة)) أي: أهلكهم هذا الصباح. ثم إنه صلى الله عليه  وسلم أخذ يصف الرجال بقدح كان في يده التزامًا بأمر الله عز وجل الذي أوحاه إليه، وهداه إليه صلى الله عليه  وسلم ونزل في قوله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوص} [الصف:4].

وهنا باشر النبي صلى الله عليه  وسلم صف رجاله، حتى إنه لم يسمح لسواد بن غزية -وكان بارزًا من الصف- فدفعه بقدح كان في يده -والقدح هو السهم الذي لم ينصل بدن السهم نفسه- فقال سواد للنبي صلى الله عليه  وسلم: أوجعتني يا رسول الله، فأقدني من نفسك فكشف النبي صلى الله عليه  وسلم عن بطنه الشريف فأكب سواد على بطن النبي صلى الله عليه  وسلم يقبله، فلما سأله النبي صلى الله عليه  وسلم عن هذا؟ قال: يا رسول الله، لقد حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر عهدي بالدنيا أن يمس جلدي جلدك.

ثم إن قريشًا من جانبها بعثت عميرًا بن وهب الجمحي ليحزر المسلمين: أي ليقدر عددهم، فجال بفرسه حول معسكر المسلمين، ثم رجع وأخبرهم بأن المسلمين نحو من ثلاثمائة يزيدون قليلًا أو يقلون قليلًا، ثم قال لهم: أمهلوني حتى أنظر أللقوم كمين؟ كأنه استقل هذا العدد، ثم أبعد في الوادي، ثم رجع فقال: لا كمين، ولكني “رأيت البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس معهم منعة، ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل منكم فإن أصاب منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك، فرووا رأيكم”.

فلما سمع حكيم هذا الكلام توجه إلى عتبة في محاولة أخيرة حتى يدعو إلى العودة والرجوع بالناس، فاستجاب عتبة لهذا الأمر، ومشى في الناس يدعو لذلك الأمر حتى إن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: ((إن يكن في القوم خير، ففي صاحب الجمل الأحمر إن يطيعوه يرشدوا))، ولكن لم يأذن الله لهم بأن يرشدوا، وإنما تبعوا أمر أبي جهل الذي سعى سعيه لكي يتم هذا اللقاء الذي أراده الله عز وجل.

هنا في بداية الأمر انسل رجل من المشركين، وهو الأسود بن عبد الأسد المخزومي، وكان رجلًا شرسًا سيئ الخلق، وقال أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه، أو لأموتن دونه، فلما خرج، خرج إليه حمزة  رضي الله  عنه فضربه بسيفه فبتر ساقه، ولكن الرجل حاول أن يزحف ناحية الحوض، فأتبعه حمزة بضربات أجهزت عليه.

وهكذا كان هذا الخارج بلا هدف له قيمة في بداية المعركة مجرد استعراض، وبعدها كان حكيم قد وصل إلى أبي جهل ليعرض عليه ما اقترحه على عتبة الذي قال له: والله إني لا أخاف إلا ابن الحنظلية -يقصد أبا جهل- فإنه لا يشجر الناس غيره، فلما ذهب إليه، قال له: يا أبا الحكم إن عتبة أرسلني إليك بكذا وكذا، حتى يرجع بالناس.

وهنا استشاط أبو جهل غضبًا وقال: انتفخ والله سَحره حين رأى محمد وأصحابه، كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، وما بعتبة ما قال، ولكنه رأى أن محمدًا وأصحابه أكلة جزور وفيهم ابنه فقد تخوفكم عليه.

وهنا بعث إلى عامر بن الحضرمي الذي قتل أخوه عمرو في نخلة، فقال له: هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينك، فقم فانشد خفرتك، ومقتل أخيك.

فقام عامر بن الحضرمي فاكتشف، وصرخ: واعمراه!! واعمراه!! فحميت الحرب حينئذ.

أما عتبة فإنه لما بلغه قول أبي جهل: انتفخ، والله سحره. قال: سيعلم من انتفخ سحره، أنا أم هو؟ ثم اندفع هذا الرجل الذي كان يمثل العقل الراجح في القوم، فاندفع غاضبًا ودعا أخاه شيبة، وابنه الوليد، وخرج يطلب المبارزة؛ فخرج من المسلمين شباب من الأنصار، ولكن الرجال أبوا إلا أن يقاتلهم ويبارزهم رجال من بني عمومتهم من المهاجرين، وهذا ما وجد رغبة عند النبي صلى الله عليه  وسلم كما قال ابن كثير: إن النبي صلى الله عليه  وسلم كره أن يكون في أول لقاء من المسلمين قتلى أو مصابين من الأنصار، فآثر أن يكون الخارجون من بني قرابته، بل من أوثق الناس صلة به، عميه عبيدة بن الحارث وحمزة بن عبد المطلب، ثم ابن عمه علي بن أبي طالب، فأمرهم بالخروج للمبارزة.

بدأت الحرب بهذه المبارزة، وبارز عبيدة عتبة لأنهما كانا أسن القوم، وبارز حمزة شيبة، وعلي الوليد؛ لأن علي والوليد كانا شابين، هذا ما تكاد عليه الروايات؛ وإن كان البعض يقول: بأن شيبة قاتله عتبة، والبعض يقولون قولًا غير هذا.

ولكن على أية حال انتهى هذا اللقاء الأول من المبارزة بمقتل عتبة، وشيبة، والوليد، وجرح عبيدة بن الحارث في ساقه.

ولكن علي وحمزة كرا على من كان من نصيب عبيدة في المبارزة فقتلاه، وهنا انتهت هذه المبارزة بهذا الفأل السيئ على المشركين. فها هم أربعة رجال منهم، ومن أشرافهم كانوا يمثلون بداية سيئة لهم.

ثم حمي الوطيس وبدأ القتال، وكرت جموع المشركين على صفوف المسلمين الذين التزموا بالثبات الذي أمرهم به النبي صلى الله عليه  وسلم، وكان أسلوب الصف والدفاع هذا مفاجأة في أمر هذا القتال، وجعله الله سببًا في تحقيق النصر على المشركين.

ولما رأى النبي صلى الله عليه  وسلم ذلك اشتدت ضراعته لله عز وجل فتوجه إليه بخالص الدعاء: ((اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد)) حتى إن أبا بكر لما رأى النبي صلى الله عليه  وسلم يجتهد في الدعاء قال له: بعض مناشدتك ربك يا نبي الله، فإن الله منجز لك ما وعد، ثم خفق رسول الله صلى الله عليه  وسلم خفقة، ثم انتبه، وهو في العريش، وبشر أبا بكر بمدد الله عز وجل بالملائكة التي أرسلها الله عز وجل ممدًا كريمًا من السماء- ليثبتوا المؤمنين، وليباشروا معهم أمر القتال والمعركة.

وكان أبا جهل قد استفتح بالدعاء فقال: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا يعرف فأحنه الغداة، فكان هو المستفتح، والمصاب بسوء دعائه.

ومن ناحية أخرى فإن النبي صلى الله عليه  وسلم حينما بدأ الالتحام طلب من علي أن يناوله كفًّا من الحصباء، فأخذه، ورماه في وجوه القوم، فما من رجل إلا أصابت عينه من هذه الحصباء.

وقال صلى الله عليه  وسلم: ((شاهت الوجوه)) وأمر أصحابه بالثبات في القتال، ولما باشر المشركون كرهم على المسلمين، وَثَبَتَ المسلمون مرة من بعد مرة، كان هذا الأمر دافعًا إلى ثباتهم، وإلى تحقيق النصر، وإلى فشل هذه الكرات التي باشرها المشركون بهذا العدد وهذه العدة التي جاءوا بها، فقد كانت معهم الخيل، والكثرة من الرجال والكثرة من السلاح أمام هذه الفئة القليلة العدد، ولكنها الكثيرة بإيمانها، القوية بيقينها، الملتزمة بأمر رسولها صلى الله عليه  وسلم.

أفلح هذا الأسلوب الذي أمر به النبي صلى الله عليه  وسلم وهو -أسلوب الصف- الذي انكسرت على صلابته حدة هجوم المشركين، ولما فشلت جموعهم في أن تحقق نصرًا على هذه الفئة القليلة، هنا أمر النبي صلى الله عليه  وسلم أصحابه أن يشدوا على القوم، فتبعوهم وحقق الله لهم النصر المؤزر عليهم، وسقطت رءوس المعركة منهم أبو جهل -لعنه الله- الذي قاد الناس بغيه وضلاله إلى هذا المصير المشئوم، وقد قتله شابان من الأنصار هما: معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعوذ بن عفراء.

وقد قال النبي صلى الله عليه  وسلم من ينظر لنا ما فعل أبو جهل، فقام عبد الله بن مسعود  رضي الله  عنه مستجيبًا لأمر النبي صلى الله عليه  وسلم وذهب يبحث عنه، فوجده في رمقه الأخير، وهنا صعد على صدره فقال له: لقد ارتقيت مرتقًا صعبًا يا رويعي الغنم، وسأله: لمن الدائرة اليوم؟ قال: لله ولرسوله، وقال له: لقد أخزاك الله يا عدو الله. قال: وبماذا أخزاني؟ أعمد من رجل قتلتموه -أي: أعار على رجل قتلتموه؟ وهنا أجهز ابن مسعود عليه.

وبذلك اشتركا هذان الشابان من الأنصار ثم عبد الله بن مسعود  رضي الله  عنه وذهب ابن مسعود ليبلغ النبي صلى الله عليه  وسلم بأمر مقتل أبي جهل فسجد النبي صلى الله عليه  وسلم سجود شكر لله عز وجل أن قتل هذا الفرعون، فرعون هذه الأمة.

ورجل آخر كان له شأن هو الآخر في مكة هو أمية بن خلف، يحكي أيضًا أمر قتله عبد الرحمن بن عوف  رضي الله  عنه يقول: كانت معي أدراع غنمها من سلب القوم، فرآه أمية بن خلف، وكان معه ابنه علي، وهذا بعد نهاية المعركة -لأن جمع الأدارع يدل على أن المعركة قد انتهت- فرآه أمية بن خلف فناداه حتى يكون أسره وأسر ولده، فطرح عبد الرحمن الأدرع التي كانت معه وأخذ بالرجلين أمية، وابنه، وذهب بهما إلى حيث يجمع الأسرى، وهنا رآهما بلال بن رباح، فقال: أمية بن خلف رأس الكفر لا نجوت إن نجا، فهب وصرخ في الأنصار، ولكن بعد أن حاول عبد الرحمن أن يمنع بلالًا أن يمس أسيريه، ولكن بلالًّا صرخ في الأنصار، وقال: أمية رأس الكفر لا نجوت إن نجا، واستحث عليه الأنصار وشبابهم، فاجتمعوا على الرجلين فقتلوهما، وانتهوا من أمرهما.

ومن الذين قتلوا أبو البختري ابن هشام، الذي كان النبي صلى الله عليه  وسلم أمرهم ألا يقتلوه، ولكن المجزر بن زياد لقي أبا البختري، فكف يده عنه، وأراد أن يستأثره، ولكنه أبى إلا أن يقاتل، وكف المجزر عنه، ولكنه لما أبى، وكان معه زميل له، وأراد أن لا يقتل زميله، ولكن المجزر قال له: إنما نهينا عن قتلك، فأبى أبو البختري هذا الأمر، وقاتل، وقتل، فحكى ذلك المجزر للنبي صلى الله عليه  وسلم وقال: إنه ما قتله إلا بعد أن قاتله وانتهت المعركة بهذا الأمر الذي انكشف فيه المشركون على الرغم مما كان معهم من العدد والعدة.

وقد نصر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه  وسلم ونصر الإسلام أمام هذه الجموع التي خرجت تحاد الله ورسوله، فأراد الله عز وجل في هذا اليوم أن يظهر الحق، ويبطل الباطل ولو كره المجرمون.

error: النص محمي !!