Top
Image Alt

الاستغلال الاقتصادي لجماعة المسلمين

  /  الاستغلال الاقتصادي لجماعة المسلمين

الاستغلال الاقتصادي لجماعة المسلمين

والإسلام حينما طلب تحصيل الأموال بالزراعة والصناعة والتجارة نظر إلى أنّ حاجة المجتمع المادية تتوقف عليها كلها، فإنه كما يحتاج إلى الزراعة في الحصول على المواد الغذائية التي تنبتها الأرض، يحتاج إلى الصناعات المختلفة في شئونها المتعددة؛ في ملابسه، وفي آلات الزراعة، وتنظيم الطرق، في حفر الأنهار، ومد السكك الحديدية، في حفظ كِيان الدولة، وما إلى ذلك مما لا سبيلَ إليه إلّا بالصناعات، ويحتاج أيضًا إلى تبادل الأعيان، والمواد الغذائية، والمصنوعات مع الأقاليم التي ليست فيها زراعة ولا صناعةٌ، ولا تَسعد أمة لا تسدُّ حاجتها بنفسها. وإذن لا بُدّ من الاحتفاظ بالزراعة والتجارة والصناعة.

ولا ريب أنّ هذه الطرق الثلاثة -الزراعة، والتجارة، والصناعة- وهي الطرق الطبيعية لتحصيل الأموال، عُمُد الاقتصاد القومي لكلّ أمة تريد أن تحيا حياة استقلالية، رشيدة عزيزة. من الضروري العمل على تركيزها في البلاد، ثم العمل على تنسيقها تنسيقًا يحقق للأمة هدفها الذي يوجبها الإسلام عليها، والذي يجب أن تحصل عليه وتحتفظ به وتنميه؛ صونًا لكيانها واستقلالها في سلطانها وإدارتها، وإذا كان من قضايا العقل والدين أنّ ما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب، وكانت الحياة متوقفة على هذه العُمُد الثلاثة، كانت هذه العمد الثلاثة واجبة، وكان تنسيقها على الوجه الذي يحقق خيرها واجبًا.

تحصيل المال عن طريق الإنفاق في سبيل الله:

لقد حارب الإسلام في النفوس خِصال الشح والإسراف والترف، وعمِلَ على تطهير الجماعة منها، وأعدّ النفوس للبذل والعطاء في القيام بحق الله وحق الناس، وكان له في ذلك من أساليب الترغيب في البذل والترهيب من البخل، ما يملأ قلب المؤمن بمبدأ التضحية، وأنها سبيل الله في الحياة الطيبة التي تكفل للفرد والجماعة سعادة الدنيا والآخرة.

وإنّ أول ما يطالبنا من تلك الأساليب في القرآن الكريم هو أننا لا نكاد نجد فيه ذكرًا للإيمان بالله إلّا مقرونًا بالإنفاق في سبيله، وإطعام البائس الفقير، فسورة البقرة تبدأ ببيان أوصاف المتقين الذين ينتفعون بالقرآن وهديه، ويكون منها: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 2]، ثم تعرض السورة لأصول البرّ الذي يطلبه الله من العباد، ويكون منها بعد الإيمان، قال تعالى: {وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ} [البقرة: 177] ويجعل ذلك من دلائل الصدق في الإيمان والتقوى.

وسورة الأنفال تذكر مقومات الإيمان، ويكون منها بعد وجَل القلوب من ذكر الله، وزيادة الإيمان بآياته، قال تعالى: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الأنفال: 3] وقال تعالى: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 4] وترى سورة النساء وسورة الحجرات تذكرانِ الإيمانَ ولا تذكران معه سوى الإنفاقِ في سبيل الله، قال تعالى: {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ} [النساء: 39]، وقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15].

هذا أسلوب يضع الإنفاق في سبيل الله في مستوى الإيمان، وإذا قلّبنا صفحات القرآن الكريم لم نجده أطلق عنوان العقبة التي تحول بين الإنسان وسعادته على شيء سوى إطعام الفقير والمسكين، كما أنه لم يجعل عدمَ التحريض على شيء من تكاليفه علامة على التكذيب بيوم البعث والجزاء، وعلامة على الصدق في الصلاة وإقامتها، سوى إطعام المسكين، قال تعالى: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ} [البلد: 11-18].

وفي سورة الماعون، يقول الله تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} [الماعون: 1-7]. وهذا أسلوب يضع الإنفاق في سبيل الله، وإطعام الفقير المحتاج، موضع العقبة والحاجز الذي لا بد من اقتحامه؛ ليصِلَ الإنسانُ إلى سعادته، إنْ لم يكن بنفسه فبحضّ القادرين عليه، وإرشادهم إليه، وقد قصّ الله علينا بعد ذلك أنّ المجرمين سيسجِّلون على أنفسهم في الجواب حين يسألون يوم الدين، قال تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} [المدثر: 24] سيسجلون مع التكذيب بيوم الدين والخَوْض في الباطل إهمالَ حق الفقير والمسكين، قال تعالى حكايةً عنهم: {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ} [المدثر: 43-46].

هذه بعض أساليب القرآن في مكانة الإنفاق في سبيل الله، وفي الترهيب من البخل بحق الفقير والمسكين.

وأما أساليب الترغيب في الإنفاق، فحسبنا أن نقرأ فيها الآيات الواردة في سورة البقرة، قال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} [البقرة: 245] وقال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 261، 262] وقال تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 265].

فهذه مكانة الإنفاق في سبيل الله، وهذه عدة الله الصادقة لمن يجود بماله في سبيله، وهي -كما ترى- مكانةٌ وعزة لم يحظَ بها شيء من التكاليف الإلهية سوى الإنفاق، فالصلاة على مكانتها في الدين، وعلى أنها الركن الذي يلي الإيمان، لا تقع عند الله موقعها، إلّا إذا دفعت بصاحبها إلى القيام بحق الفقير والمسكين، وكذلك الصوم والحج، لا تجد لهما في ترغيب القرآن وترهيبه مثل ما وجدناه للإنفاق في سبيل الله.

وتحقيقًا لانتفاع الجميع بالمال، وتطهيرًا للنفوس من بواعث الأثرة فيها، حارب الإسلام في المالكين لها والقائمين عليها خلق الشح، الذي يمنع من البذل والإنفاق، كما حارب السَّفَه الذي يودي بالمال في غير وجوه النفع وإقامة المصالح، يقول الله سبحانه: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9] والبخل وليد الشح، يقول الله تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [آل عمران: 180] ويقول تعالى: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 37] ويقول تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 34، 35].

ثم أرشد القرآن إلى أنّ البخل بالمال عن أداء الواجبات وإقامة المصالح إلقاءٌ بالنفس في التهلكة، قال تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195].

error: النص محمي !!