Top
Image Alt

الاعتداد بالأقراء وتفسير ذلك

  /  الاعتداد بالأقراء وتفسير ذلك

الاعتداد بالأقراء وتفسير ذلك

وفي هذه المسألة نأخذ هذا الحديث عن الأسود عن عائشة، قالت: ((أُمِرَت بريرةُ أن تعتدّ بثلاث حِيض)).

وهذا الحديث محل نزاع بين العلماء، هل المرأة تعتد بالأقراء أم بالحيض؟

وقد ذكر المصنف هذا الحديث وغيرَه من الأحاديث؛ ليستدل بها على أن عدة المطلقة ثلاثة أقراء، وعلى أن المراد بالأقراء هي الحيض؛ لقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} [البقرة: 228] وقد وقع خلاف في تفسير القرء؛ هل هي الأطهار أو أن المراد بالقروء الحيض؟ فظاهر قوله صلى الله عليه  وسلم: ((تعتدّ بثلاث حيض)) كما جاء في بعض الروايات، وقوله صلى الله عليه  وسلم: ((تجلس أيامَ أقرائها)) وقوله: ((عدتها حيضتان)) أن الأقرء هي الحيضُ، وقراءة الجمهور: {قُرُوَءٍ}بالهمز، وعن أبي عبيد أن القرءَ يكون بمعنى الطهر، وبمعنى الضم والجمع، وجزم به ابن بطال. وفي (القاموس): القَرْء -ويضم-: الحيض والطهر. وزعم كثير أن القرء مشترك بين الحيض والطهر، وقد أنكر صاحب (الكشاف) إطلاقه على الطهر.

وخلاصة هذه المسألة: إذا كانت المطلقة من ذوات الحيض فعدتها ثلاثة قروء؛ لقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ } لكن اختلف العلماء في معنى القرء فقال بعضهم: القرء هو الطهر وقال بعضهم: القرء هو الحيض، وينتج من هذا الخلاف أن كل فريق ذكر لنفسه أدلة، فقال الإمام الشوكاني: وممن قال: بأن القُرء الحيض أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وأبي موسى، والحسن البصري، وغيرهم، ومن قال: بأن القرء الطهر ابنُ عمر، وزيدُ بن ثابت، وعائشة، وغيرهم أيضًا من الفقهاء كمالك والشافعي، وفقهاء المدينة، وعلي بن أبي طالب.

وقد كتب ابن القيم في هذه المسألة بحثًا طويلًا: هل المراد بالقرء الطهر، أم الحيض؟ ورجَّح فيه أدلة القائلين بأن القرء هو الحيض، فقال فيما قال: إن لفظ القرء لم يُستعمل في كلام الشارع إلا للحيض، ولم يجِئْ عنه في موضع واحد استعماله للطهر؛ فَحَمْله في الآية على المعهود المعروف من خطاب الشارع أولى، بل يتعين، فإنه صلى الله عليه  وسلم قال للمستحاضة: ((دعِ الصلاةَ أيام أقرائك)) وهو صلى الله عليه  وسلم المعبر عن الله، وبلغة قومه نزل القرآن الكريم، فإذا أورد المشترك في كلامه على أحد معنييه؛ وجب حملُه في سائر كلامه عليه إذا لم يثبت إرادة الآخر في شيء من كلامه ألبتة، ويصير هو لغةُ القرآن التي خوطبنا بها وإن كان له معنى آخر في كلام غيره، وإذا ثبت استعمال الشارع للقرء في الحيض عُلم أن هذا لغته، فيتعين حمله عليها في كلامه.

إلى آخر ما قاله ابن القيم -رحمه الله- في بحثه النفيس من كتابه (زاد المعاد) وقد رجح ابن القيم في هذه المسألة أن المراد بالقرء يُحمل على الحيض.

وهل لهذه المسألة آثار، وماذا يترتب على هذا الخلاف بين العلماء؟

إذا ما فسرنا القرء بمعنى الطهر، أو ما فسرنا القرء بمعنى الحيض، هل يترتب على هذا الخلاف شيء؟ نعم، يترتب على هذا الخلاف شيء، فقد قال ابن رشد في (بداية المجتهد): والفرق بين المذهبين -أي: مذهب من فسر القُرء بمعنى الحيض، ومذهب من فسر القرء بمعنى الطهر- أن من رأى أنها الأطهار -أي: من فسر الأقراء بالأطهار- رأى أنها إذا دخلت الرجعية عنده في الحيضة الثالثة، لم يكن للزوج عليها رجعة وحلت للأزواج، ومن رأى أنها الحيض -أي: من رأى أن الاعتداد بالأقراء بمعنى الحيض- لم تحل عنده حتى تنقضي الحيضة الثالثة.

error: النص محمي !!