Top
Image Alt

الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، ووقت الاعتكاف وصفته

  /  الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، ووقت الاعتكاف وصفته

الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، ووقت الاعتكاف وصفته

الحديث الثالث:

وعنها: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده)). متفق عليه.

هذا الحديث دليل على مشروعية الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، وأن نبينا صلى الله عليه وسلم لازم ذلك في كل عام حتى توفاه الله تعالى، والحكمة من تخصيصه صلى الله عليه وسلم العشر الأواخر بالاعتكاف هو ما دلَّ عليه حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأواخر من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط، ثم أطلع رأسه فكلم الناس فدنوا منه فقال: إني اعتكفت العشر الأول ألتمس هذه الليلة، ثم اعتكفت العشر الأوسط، ثم أُتِيتُ فقيل: إنها في العشر الأواخر، فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف، فاعتكف الناس معه)) حديث أخرجه البخاري ومسلم.

دلَّ حديث الباب مع ما ذكرنا من حديث الصحيحين أن الاعتكاف سنة متأكدة في شهر رمضان، وأعظم ما يكون تأكدًا في العشر الأواخر منه، والنبي صلى الله عليه وسلم لازم الاعتكاف، وكذا أزواجه من بعد ه رضي الله عنهنَّ، إلا أنه لم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم حديث صحيح في بيان فضل خاص وثواب معين للاعتكاف.

قال أبو داود: “قلت لأحمد: تعرف في فضل الاعتكاف شيئًا؟ قال: لا إلا شيئًا ضعيفًا”. وإنما يؤخذ فضله من مدح أهله، كما قال الله تعالى منوهًا بفضل المعتكفين والعاكفين: {أَن طَهّرَا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرّكّعِ السّجُودِ} [البقرة: 125] ومن فعله صلى الله عليه وسلم ومواظبته عليه، والحديث دلَّ على أن حكم الاعتكاف باقٍ لم ينسخ، وأنه ليس خاصًّا بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن أزواجه اعتكفن من بعده صلى الله عليه وسلم.

والحديث دليل أيضًا على مشروعية اعتكاف النساء بالجملة، وقد قال جمهور أهل العلم بأنه يسن للمرأة -أي الاعتكاف- كما يسن للرجل، لكن بشرط أن تكون المرأة طاهرة أي: غير حائض ولا نفساء، وألا يحصل بذلك فتنة، وبشرط أن يأذن لها زوجها، وذلك للحديث المتقدم: ((لا يحلّ للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه)) والاعتكاف من باب أولى.

الحديث الرابع:

وعنها قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه)). متفق عليه.

اختلف العلماء في وقت دخول المعتكف معتكفه على قولين:

القول الأول: ظاهر هذا الحديث أن المعتكف يدخل مكان اعتكافه بعد صلاة الفجر من اليوم الحادي والعشرين، وهذا رواية عن أحمد وبه قال الأوزاعي، وإليه مال الصنعاني في شرحه لسبل السلام.

القول الثاني: أن المعتكف يدخل معتكفه قبل الغروب من ليلة إحدى وعشرين، وهذا قول جمهور أهل العلم؛ لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الذي تقدم، وفيه: ((من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر)) ووجه الاستدلال أن لفظ العشر بغيرها هو عدد لليالي، وأول هذه الليالي ليلة إحدى وعشرين، والليلة تبدأ من غروب شمس ذلك اليوم، فإذا غربت شمس يوم عشرين فقد ابتدأت ليلة إحدى وعشرين.

والذي يظهر رجحان هذا القول الثاني؛ لأن من مقاصد الاعتكاف أن تلتمس ليلة القدر، وهي ترجى في أوتار العشر وأولها ليلة إحدى وعشرين. والوجه الثاني لترجيح هذا القول: أن من دخل قبل الغروب صدق عليه أنه اعتكف العشر الأواخر بكاملها، أما إذا دخل بعد صلاة الفجر لم يصدق عليه أنه اعتكف العشر الأواخر كلها، وأما حديث عائشة المذكور في الباب فمعناه انقطع في معتكفه بعد صلاة الفجر للانفراد عن الناس بعد الاجتماع بهم في الصلاة، وكان قبل ذلك معتكفًا لابسًا في جملة المسجد، لا أن معناه أنه ابتدأ الاعتكاف بعد صلاة الفجر؛ إذ لو كان هذا هو المراد لما ذكرت معتكفه وإنما تذكر المسجد؛ لأنه إذا دخل المسجد بدأ الاعتكاف بدخوله؛ لأن الاعتكاف إنما يبدأ بدخول المسجد مع نية الاعتكاف.

وأما وقت خروج المعتكف من معتكفه فاستحبَّ كثير من أهل العلم أن يكون عند خروجه لصلاة العيد؛ لكي يصل عبادة بعبادة، والقول الثاني أنه يخرج إذا غربت الشمس ليلة العيد؛ لأن العشر الأواخر تنتهي بانتهاء الشهر، والشهر ينتهي بغروب الشمس من ليلة العيد، وهذا هو الأظهر لقوة مأخذه ودليله.

الوجه الذي يُستفاد أيضًا من هذا الحديث أنه يجوز للمعتكف أن يخصص له مكانًا في المسجد؛ ينقطع فيه لعبادة الله سواء كان هذا المكان خباء أو غير خباء. واشترط الفقهاء ألا يضيق بذلك على المصلين، وبشرط أن يعتني بالصيانة والنظافة، وأن يكون المسجد غير متقذر بإقامته أو بامتهانه للمسجد، أما في مثل الحرمين الشريفين أو المساجد الكبيرة التي يعتكف فيها كثير من الخلق، فلا شك أن الخلوة فيها قد تتعذر، لكن إذا انتفت الخلوة الحقيقية أو الحسية فلا ينبغي تفويت الخلوة الحكمية أو المعنوية، فيحرص المعتكف على أن ينفرد بنفسه ولو كان معه في المكان غيره، ولا يتم هذا إلا بإدراك معنى الاعتكاف وحكمته، ووظيفة المعتكف، ومنع النفس من الاسترسال في مخالطة الناس، والرغبة في التحدث معهم أو إليهم.

وعنها قالت: ((إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل علي رأسه وهو في المسجد فأرجّله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفا)) متفق عليه، واللفظ للبخاري.

هذا الحديث دلَّ على جواز أن يخرج المعتكف شيئًا من بدنه كرأسه مثلًا، وأن هذا لا يؤثر على اعتكافه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يدني رأسه إلى عائشة رضي الله عنها وهي في حجرتها، وهو معتكف في المسجد فترجله، أي: تسرّح شعر رأسه وتدهن هذا الشعر، وهي حائض، وإخراج النبي صلى الله عليه وسلم رأسه من المسجد يحتمل أنه لقصد ترجيل عائشة رضي الله عنها، ويحتمل أنه فعل ذلك صيانة للمسجد، وعلى كل حال كل هذا جائز ولا حرج فيه.

وقد دلَّ الحديث على أنه يجوز للمعتكف أن ينظف شعره، وأن هذا لا ينافي الاعتكاف، ويقاس على ذلك تنظيفه لبدنه وتنظيفه لثيابه؛ لأن النظافة مطلب شرعي ولو كان الإنسان معتكفًا؛ لعموم قوله تعالى: {يَابَنِيَ آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31] ولا ينافي كون الإنسان معتكفًا أن يتنظف. ولا يمكن أن يقال: إن المعتكف عليه أن يكون بأرث حال وأسوأ هيئة، أو يظن أن هذه الرثاثة وهذه المبالغة في عدم النظافة أمر يقرب إلى الله تبارك وتعالى.

والحديث دلَّ على جواز خروج المعتكف لحاجته، وقد ورد عند مسلم: ((وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان)) وفسرها الزهري بالبول والغائط، ونقل ابن المنذر وابن هبيرة وغيرهما الإجماع على جواز ذلك، ولا ينبغي أن يختلف فيه لأن الإنسان لا بد له من قضاء حاجته، وإذا لم يكن للمسجد مكان ملحق لقضاء الحاجة أو مكان قريب يقضي فيه حاجته؛ فإنه يضطر ولا بد إلى أن يخرج لقضاء الحاجة تنزيهًا للمسجد عن القذر.

ويلحق بقضاء حاجة الإنسان في بوله وغائطه ما لا بد له منه؛ ومن ذلك أن يخرج ليطعم أو ليشرب أو ليحضر ملابس أو نحو ذلك مما لا بد له منه ولا غنى له عنه، وإذا كان عنده من يقوم بإحضار ذلك كله لم يكن له أن يخرج من هذا المكان الذي اعتكف فيه، إلا أن يشترط ذلك. وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم من معتكفه مع صفيَّة ليقْلَِبها إلى بيتها؛ تأنيسًا لها وإحسانًا إليها؛ لأن بيتها لم يكن لاصقًا ولا قريبًا من المسجد، والحديث في الصحيحين. ومثل ذلك لو احتاج إلى أن يخرج لأداء صلاة الجمعة إذا كان المسجد الذي اعتكف فيه لا تقام فيه الجمعة، وإذا كان يقام فيه الجمعة فليس له أن يخرج إلا أن يكون قد اشترط.

وقد قسَّم الفقهاء خروج المعتكف إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: خروج يُنافي الاعتكاف، كما لو خرج لبيع أو شراء أو جماع، فهذا يبطل الاعتكاف سواء شرطه أو لم يشرطه عند دخول معتكفه.

القسم الثاني: خروج لأمر لا بد له منه شرعًا أو طبعًا كما تقدم، فهذا يجوز ولو لم يشترطه؛ لأنه وإن لم يشترطه لفظًا فهو مشترط عرفًا.

القسم الثالث: خروج لأمر له منه بدّ. مثل: أن يخرج لتشييع جنازة أو عيادة مريض أو زيارة قريب وما أشبه ذلك من العبادات والطاعات، وهذا إن اشترطه الإنسان جاز وإلا فلا. وهذا قول الحنابلة، وسيأتي حديث عن موضوع الاشتراط فيما يأتي من شرح أحاديث هذا الباب.

وعنها قالت: “السنة على المعتكف ألا يعود مريضًا ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد له، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع” رواه أبو داود، ولا بأس برجاله إلا أن الراجح وقف آخره.

هذا الحديث أخرجه أبو داود في كتاب الصوم، وأخرجه البيهقي في (السنن الكبرى)، وقال في (معرفة السنن والآثار): “قد أخرج البخاري ومسلم صدر هذا الحديث في الصحيح إلى قوله: “والسنة في المعتكف ألا يخرج”، ولم يخرجا الباقي لاختلاف الحفاظ فيه؛ فمنهم من زعم أنه من قول عائشة، ومنهم من زعم أنه من قول الزهري، ويشبه أن يكون من قول من دون عائشة، وبهذا جزم أيضًا الدارقطني كما في (السنن). وقد دلَّ الحديث على أنه ليس للمعتكف أن يعود مريضًا أو يشهد جنازة في غير المسجد الذي هو معتكف فيه، بل يلزم مكانه حتى يتفرغ للعبادة، ولكن تقدم أن هذا الأثر فيه مقال، فلا يقع الاستدلال به على منع المعتكف من الخروج لعيادة المريض أو شهود الجنازة.

وقيَّد الفقهاء ذلك بمن له عليه حق كوالده أو قريبه؛ لأن ذلك من باب صلة الرحم، أو عالم له أثر في نفع المسلمين، فمثل هؤلاء يعاد مريضهم وتشهد جنائزهم، أما عيادة كل مريض أو شهود كل جنازة فهذا يؤثر على الاعتكاف كما تقدم، فإن اشترط في ابتداء اعتكافه الخروج لأمر عارض؛ مثل عيادة المريض أو شهود الجنازة أو حضور مجلس علم أو نحو ذلك؛ فللعلماء فيه قولان:

القول الأول: جواز الاشتراط وهذا مذهب الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة، وبه قال جماعة من السلف، واستدلوا بحديث ضباعة بنت الزبير < في موضوع الاشتراط في الحج، وقد قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ((حجي واشترطي))، ووجه الدلالة أنه إذا كان الشرط يؤثر في الإحرام وهو ألزم العبادت بالشروع فيه، فالاعتكاف من باب أولى.

القول الثاني: أنه لا يجوز الاشتراط، وهذا مذهب المالكية وقد نص على ذلك الإمام مالك فقال: “لم أسمع أحدًا من أهل العلم يذكر في الاعتكاف شرطًا، وإنما الاعتكاف عمل من الأعمال مثل الصلاة والصيام والحج وما أشبه ذلك من الأعمال، ما كان من ذلك فريضة أو نافلة، فمن دخل في شيء من ذلك فإنما يعمل بما مضى من السنة، وليس له أن يحدث في ذلك غير ما مضى عليه المسلمون، لا من شرط يشترطه ولا يبتدعه”.

كما دلَّ هذا الحديث على أن المعتكف ممنوع من مباشرة النساء، دلَّ على ذلك قول الله تعالى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187] أي: لا تلامسوهنَّ بجماع أو تقبيل أو نحو ذلك من الملامسة؛ لأن المعتكف منقطع لعبادة الله تعالى وفي بيت من بيوته، فمثل هذه المباشرة تحول بين المقصود من ذلك الانقطاع. وقال ابن عباس: “إذا جامع المعتكف بطل اعتكافه واستأنف” ومعنى استأنف أي: بدأ اعتكافه من جديد.

والحديث دلَّ على أنه يشترط في الاعتكاف أن يكون في مسجد جامع تصلى فيه الجماعة، وليس المراد أن تصلى فيه الجمعة، أما كون الاعتكاف لا بد أن يكون في مسجد فهذا شرط متفق عليه فقد قال الله تعالى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}.

قال القرطبي: “أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد” وكذا حكى غيره الإجماع، وأما كونه تقام فيه صلاة الجماعة فلأن الجماعة واجبة على الراجح، واعتكاف الرجل في مسجد لا تقام فيه الجماعة يفضي إلى أحد أمرين؛ إما أن يترك الجماعة الواجبة وإما أن يخرج إليها، فيتكرر ذلك منه في كل يوم وليلة خمس مرات مع إمكان الاحتراز عنه، وهذا ينافي الاعتكاف الذي هو لزوم المعتكف، والإقامة على طاعة الله تعالى فيه.

لكن هل يلزم أن يكون المسجد جامعًا تقام فيه صلاة الجمعة؟ قولان لأهل العلم:

القول الأول: أنه يلزم أن يكون المسجد من المساجد التي تقام فيها الجمعة، وهذا قول المالكية والشافعية، إن كان اعتكافه نذرًا، متتابعًا وهذا ظاهر اختيار الصنعاني -رحمه الله.

القول الثاني: أنه لا يلزم أن تقام فيه الجمعة بل له أن يخرج لصلاة الجمعة ولا يؤثر ذلك على اعتكافه، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة، وبه قال ابن حزم، واستدلوا بعموم قول الله تعالى: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187] فهذا نص عام في كل مسجد، ولقوله تعالى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِذَا نُودِيَ لِلصّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَىَ ذِكْرِ اللّهِ} [الجمعة: 9] وهذا يدل على أن الجمعة مستثناة من عدم البطلان بالخروج، وهو الراجح إن شاء الله لقوة دليله.

لكن يقال: هل له أن يبكر إلى الجمعة وهو معتكف قولان:

القول الأول: أن له التبكير فيخرج إلى الجمعة في الوقت الذي كان يخرج فيه، وذلك لعموم الأحاديث التي ندبت إلى التبكير، وهي تشمل المعتكف كما تشمل غيره، وهذا خروج جائز ومأذون فيه فجاز تعجيله، كما أن اللبث في المسجد حاصل ببقائه في المسجد الذي هو معتكف فيه.

القول الثاني: أنه لا يبكر بل يخرج متأخرًا لئلا يطول زمن خروجه عن معتكفه، وقد رخص له للحاجة وهي حضور الجمعة وهذا لا يتم إذا حضرها وصلى مع الناس وهو مشغول بعبادة قد شرع فيها فصارت أولى، والقول الأول أظهر لقوة مأخذه ودليله.

الحديث الخامس:

عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه)) رواه الدارقطني والحاكم والراجح وقفه أيضًا.

هذا الحديث أخرجه الدارقطني والبيهقي والحاكم من طريق عبد الله بن محمد الرملي بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنه مرفوعًا، وقد اختلف في رفعه ووقفه فقال الدارقطني: “رفعه هذا الشيخ، وغيره لا يرفعه”. ويعني بالشيخ عبد الله بن محمد الرملي، وقال البيهقي: “هذا هو الصحيح أنه موقوف ورفعه وهم”.

وعبد الله الرملي ترجم له ابن أبي حاتم وذكر أنه روى عنه الوليد بن محمد الموقري، وروى عنه موسى بن سهل الرملي وقال عنه ابن القطان: لا أعرفه وذكر أن المسمى بذلك أكثر من واحد، والحال في الجميع مجهولة، وقد أخرجه الطحاوي في (شرح مشكل الآثار) من طريق عبد الملك بن أبي الحواري، والبيهقي من طريق أبي بكر الحميدي كلاهما مع عبد العزيز بن محمد عن أبي سهيل عن طاوس عن ابن عباس موقوفًا، وهذا مما يرجح ما قاله الدارقطني والبيهقي كما تقدم.

وقد استدل بهذا الأثر من قال: إن الصوم ليس شرطًا في الاعتكاف فيصح بلا صوم، وهذا قول بعض المالكية وهو مذهب الشافعية والحنابلة وهو قول ابن حزم.

والقول الثاني أن الصوم شرط للاعتكاف مطلقًا سواء أكان اعتكافًا واجبًا أم تطوعًا، وهذا مذهب المالكية وبه قال بعض الشافعية ورواية عن الإمام أحمد، ورجَّح هذا القول ابن القيم وقال: “إن الذي كان يرجحه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- هو أن يكون صائمًا إذا اعتكف” وعند الحنفية أنه شرط في الاعتكاف الواجب دون التطوع.

استدل هؤلاء بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتكف إلا صائمًا إلا ما كان قضاء، كما استدلوا بقول عائشة المتقدم: “ولا اعتكاف إلا بصوم” والصحابي إذا أطلق السنة انصرفت إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

والراجح القول الأول وهو أن الصوم ليس بشرط في الاعتكاف؛ لأنه صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأول من شوال قضاء، كما ثبت في حديث عائشة رضي الله عنها، ومن العشر الأول يوم العيد، ولا يمنع من اعتكافه اشتغاله بالصلاة والخطبة فيعتكف بقية اليوم، ولأن الاعتكاف عبادة مستقلة بنفسها فلم يكن الصوم شرطًا فيه كالحج والجهاد، ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه اشترط الصوم في الاعتكاف أو أنه اشترط الصوم للمعتكف.

فإن قيل: ما الفائدة من قولنا يصح بلا صوم، وقد تقدم أن أفضل الاعتكاف في العشر الأواخر؟ فالجواب: تظهر الفائدة فيما لو كان الإنسان مريضًا يباح له الفطر، ولكن أحب أن يعتكف فلا بأس ولو كان اعتكافه بلا صوم.

error: النص محمي !!