Top
Image Alt

البحتري، ونماذج من شعره

  /  البحتري، ونماذج من شعره

البحتري، ونماذج من شعره

هو أبو عبادة الوليد بن عبد الله، ينتهي نسبه إلى بحتر، أحد بطون طيِّئ، فهو شاعر عربي طائي، لا خلاف في أصل عروبته، وقد اختلف الرُّواة في تاريخ مولده، وذكروا سنوات؛ منها مائتان، ومائتان واثنتان، ومائتان وأربع، ومائتان وخمس، أو مائتان وست من الهجرة. وكذلك اختلفوا في سنة وفاته، وأكثرهم أنه وُلد سنة مائتين وست، وتُوفي سنة مائتين وأربع وثمانين، في حدود الثمانين من العمر.

وقد نشأ البحتري نشأة فقيرة، وأخذت موهبته الفنية تُعلن عن نفسها في وقت مبكر من حياته، ويذكر الرُّوَاة أنه كان يُنشد شعره في صِباه، يمدح به الباعة المتجمِّعين أمام مسجد مِنْبِج في حلب، ولكن هذا الفتى الصغير لم يكد يكبر حتى فارق منبج، وذهب بشعره إلى قصور الملوك والأمراء.

وقد التقى البحتري بأبي تمام، وتعلَّم على يديه وعَرَض عليه شعره، وأُعجب أبو تمام بالبحتري، وشجعه، وقضى البحتري فترة من حياته في معرَّة النعمان، ثم رحل إلى العراق. وقد عاصر البحتري سبعةً من الخلفاء العباسيين هم: الواثق، والمتوكل، والمنتصر، والمستعين، والمعتز، والمهتدي، والمعتمد، ولكن الخليفة الذي ارتبط اسم البحتري به، واتَّصل به اتصالًا وثيقًا هو المتوكل؛ فقد لازمه ملازمة طويلة، امتدَّت أكثر من اثنتي عشرة سنة، ولم تنقطع صلته به إلا بالموت؛ إذ قُتل المتوكل في مجلس شراب له، وكان البحتري حاضرًا معه.

وتبلغ مدائح البحتري في المتوكل ثلاثين قصيدة، ولما قُتل المتوكل واضطربت الأمور السياسية من بعده رحل البحتري بعيدًا عن العراق إلى بلاد فارس، ونظم هناك أشهر قصائده وهي السينية الذَّائعة والرائعة التي وصف فيها إيوان كسرى، وبكى دولة الفرس الزائلة، وكأنما وجد في زوال هذه الدولة، وتَدَاعي هذا الإيوان مجالًا يتعزَّى به عن فقده لصديقه الخليفة المقتول المتوكل. وفي هذه المرحلة نظم قصيدته التي رثى بها المتوكل، والتي مطلعها:

محلُّ على القاطول أخلق داثره

*وعادت صروف الدهر جيشًا يُغاوره

وقد رثى فيها المتوكل رثاءً حارًّا، وتحسَّر على أيامه الناضرة التي ذهبت، ويتوعَّد المتآمرين الذين دبَّروا المؤامرة التي انتهت بمصرعه، ويتحدَّث في صراحة عن غدر ولي العهد بأبيه، ويُنذره بأنه سيلقى مصيرًا لا يقلُّ بشاعة عن هذا المصير.

وعاد البحتري بعد ذلك إلى بلدته منبج، وقضى فيها فترة غير طويلة، بعيدًا عن السياسة وأحوالها وفتنها، لكنه ما لبث أن عاد إلى العراق واتصل بالخليفة المنتصر، وهو الخليفة القاتل الذي توعَّده من قبلُ في قصيدته التي رثى بها أباه.

ولم تَدُمْ خلافة المنتصر طويلًا، فقد تُوفي بعد ستة أشهر، وتولى الخلافة من بعده المستعين، ثم المعتز بالله، وَوَطَّد البحتري صلته بالمعتز ومدحه بمدائح كثيرة، وقد وصله المعتز وأغدق عليه، وبعد أن انقضت خلافة المعتز ضَعُفت صلة البحتري بالقصر العباسي، وفي أواخر خلافة المعتمد عاد إلى منبج؛ حيث كانت له ضيعة اشتراها من الأموال التي حصَّلها من مديحه للملوك والأمراء، فاستقرَّ بمنبج، وعاش حياة هادئة مُترفة، حتى وافته منيَّته فيها. أما المذهب الفنِّي للبحتري فهو رأس مدرسة المحافظين في الشعر العباسي، فإذا كان أبو تمام هو إمام المجدِّدين، ورئيس مذهب الصنعة؛ فإن البحتري كان محتفيًا بعمود الشعر، كما ورث صفاته وسماته عن الشعر العربي القديم من العصر الجاهلي ثم العصر الأموي.

وقد كان البحتري مطبوعًا، ولم يكن يميل إلى التعمُّق، ولا إلى التفلسف، ولا إلى الإغراب في شعره، ومن هنا قامت الموازنات بين مذهبه ومذهب أبي تمام؛ فانتصر لهذا فريقٌ، وانتصر لذاك فريق، ولكن أكثر النقاد يذهبون إلى أن شعر البحتري أعلق بالنفس، وأقرب إلى القلب، والذي ينظر في شعره يُلاحظ أن استخدامه للبديع يختلف عن استخدام أبي تمام له.

فالبحتري لم يُفْرط في استخدامه، ولم يبالغ فيه، ولم يعقِّده، ولم يتعمَّق في أغواره، كما كان يفعل أبو تمام، والاستعارة عنده كذلك استعارة غير معقَّدة، وغير مركَّبة، والجناس والطباق يأتيان في شعره عفوًا، ويُعبِّر البحتري عن مذهبه في الشعر فيقول مخاطبًا المولَعين بالثقافة التي تعقد الشعر فيقول:

كَلَّفتُمونا حُدودَ مَنطِقِكُم

*والشِعرِ يُلغى عَن صِدقِهِ كَذِبُه

وَلَم يَكُن ذو القُروحِ يَلهَجُ بِال

*مَنطِقِ ما نَوعُهُ وَما سَبَبُه

وَالشِعرُ لَمحٌ تَكفي إِشارَتُهُ

*وَلَيسَ بِالهَذرِ طُوِّلَت خُطَبُه

فالبحتري إذًا معنيٌّ باللفظ، والديباجة، والأسلوب في شعره أكثر من عنايته بالفكر والمعنى؛ فقد كان حريصًا على اختيار ألفاظه وانتقائها، متلائمة مع المعنى الذي يُريده مع ميلٍ إلى الوضوح والسهولة، وبُعدٍ عن الأغراب والتعقيد، كما يتميَّز شعره بموسيقية يرتفع رنينها، وذلك ناشئٌ من قدرته على اختيار ألفاظه، وبناء جمله بناءً متناسقًا منسجمًا.

وقد أجاد البحتري في أكثر فنون الشعر، فهو مجيدٌ في الوصف، ومجيدٌ في الغزل، ومجيدٌ كذلك في المديح وفي الرثاء، ومن أشهر قصائده قصيدته في الربيع التي لم يجد الأدباء

 وصفًا للربيع، وجمال منظره، وفتنته أبدع مما جاء فيها، وهي التي يقول فيها:

أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكًا

*من الحسن حتى كاد أن يتكلَّما

وقد نبَّه النيروز في غلس الدُّجى

*أوائل وردٍ كنَّ بالأمس نوَّما

يفتِّقها برد الندى فكأنه

*يبثُّ حديثًا كان قبلُ مكتّما

أحلَّ فأبدى للعيون بشاشة

*وكان قذًى للعين إذا كان مُحرِما

ورقَّ نسيم الريح حتى حسبته

*يجيء بأنفاس الأحبة نُعَّمَا

ومن غزله الرقيق هذه الأبيات التي يقولها في عَلوة محبوبته:

كم ليلة فيك بتُّ أسهرها

*ولوعة من هواك أضمرها

وحرقة والدموع تطفئها

*ثم يعود الجوى فيُسعرها

يا علوة علَّ الزمان يعقبنا

*أيام وصلٍ نظلُّ نشكرها

ومن شعره المشهور أيضًا قصيدته في وصف بِركة المتوكل، وفيها يقول:

ما بال دجلة كالغيرى تُنافسها

*في الحسن طورًا وأطوارًا تباهيها

أما رَأَتْ كالئ الإسلام يكلؤها

*من أن تُعاب وباني المجد يبنيها

كأن جنّ سليمان الذين وَلَوا

*إبداعها فأدقُّوا في معانيها

فلو تمرُّ بها بلقيس عن عَرض

*قالت هي الصرح تمثيلًا وتشبيهًا

تنصبُّ فيها وُفود الماء مُعجَلة

*كالخيل خارجةً من حبل مُجريها

وقد كان له عتابٌ واعتذارٌ لا يقلُّ روعة وجمال تصويرٍ عن اعتذارات النابغة الذبياني للنعمان بن المنذر.

error: النص محمي !!