Top
Image Alt

البحوث الجامعية مستوياتها وأنواعها

  /  البحوث الجامعية مستوياتها وأنواعها

البحوث الجامعية مستوياتها وأنواعها

البحوث الجامعية -البحوث التي تُجرى في الجامعة، وفي مراكز البحث العلمي- تنقسم إلى مستويين:

المستوى الأول: هو مستوى المرحلة الجامعية.

المستوى الثاني: هو مستوى الدراسات التي تتلو المرحلة الجامعية، وهي مرحلة الماجستير، ومرحلة الدكتوراه.

وطبيعي أن يكون هناك أمْر مشترك بين المرحلتيْن، ولكن لا بدّ أن يكون اختلاف في الواجب الذي يجب القيام به في المرحلة الجامعية الأولى عمّا يكلّف به الباحثون في المراحل الأعلى. والالتزام في المرحلة الأعلى أكبر، والتحديد أكثر، والنتائج لا بدّ أن تكون أكثر دقّة وأكثر أهمية، ولكننا نتحدث عن المستوييْن بصفة عامة، وعمّا يلزم لكلّ مستوًى من المستويات بصفة خاصة.

المرحلة الأولى، يقوم بها طلاب البكالوريوس:

الهدف منها:

عندما يأتي الأستاذ في مادة من المواد التي يدرسها الطالب، شرعية، أو إنسانية، أو اجتماعية، ويكلّف الطلاب بالقيام ببحوث.

ما المقصود، وما الهدف من القيام بهذه البحوث في هذا المستوى من الدارسة؟ وبالطبع تكليف الطلاب بالبحوث في هذا المستوى يدلّ على ارتفاع مستوى الجامعة؛ لأن العلْم ليس مجرّد تلقين، وليس تلقيًا كهذا الذي يتلقّاه الطالب في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية. هنا، لا بد أن يكون للطالب جزء من التعلّم الذاتي، طريقة التعلّم الذاتي: أن يقوم بالبحوث، وأن يتعرّف على كيفيّتها. وإذا كانت هناك جامعة لا تكلّف طلابها ببحوث في هذا المستوى، فهذا يدلّ على أنها ليست في الدرجة العليا من المستويات العلْمية بين الجامعات.

هناك مجموعةٌ من الأهداف التعليمية والتربوية الخاصة بهذا المستوى من الدراسة؛ منها:

(1) التعرف على المصادر والمراجع في مجال البحث.

مثلًا: إذا كُلّف الطالب ببحث في التفسير، عليه أن يعرف كتب التفسير القديمة والحديثة، ويعرف شيئًا عن مناهجها، وكيفية تفسيرها للنص القرآني، وكيفية استنباطها من النص القرآني … إلخ فيها ما يتعلّق بما يغلب عليه الطابع اللّغوي، ما يغلب عليه الطابع الاعتقادي، ما يغلب عليه الطابع النحوي، ما يغلب عليه الطابع الأخلاقي، ما يغلب عليه الطابع الفقهي. يعرف كلّ هذه الكتب، ويعرف مناهج هذه الكتب، ويتعرّف على طريقتها وكيفية قيامها بواجبها. إذا كان في الحديث يعرف الكتب، مثلًا: الصِّحاح، أو البخاري ومسلم … أو المسانيد، أو المعاجم، أو المجموعات الحديثية، والكتب التي أُلفت في نقد الرّجال والجرح والتعديل … إلخ، فلا يكون كالذي يتلقّى مجرّد تلقٍّ، ويستمع من الأستاذ، وقد يكون مشغول الذهن أو منصرفًا، لكن هنا سيتعرّف بنفسه. وهذه المعرفة التي يتعرّفها بنفسه تظل ثابتة في ذهنه، وتكون قاعدة علمية لا يكاد ينساها أبدًا؛ لأنه قام بجهد خاص في التعرف عليها، وبذل في ذلك جهدًا.

إذًا، التعرف سيكون مفيدًا جدًّا في بناء عقلية علْمية لهذا الطالب.

(2) التدرب على جمْع المعلومات من الكتب والمراجع، واستخلاصها، والتدرب على كيفية الصياغة لها، وترتيب الأفكار الموجودة فيها، وتقديم صورة لفكْره هو عندما يتّصل بهذه المراجع.

(3) اكتساب مهارة البحث، والتدرب على معرفة المنهجية في العرْض، وفي الفهم، وفي التفسير، وفي التحليل، وفي التعبير، والاستعداد للمرحلة العليا القادمة التي ستأتي فيما بعد إذا تدرب عليها في الجامعة. سوف يكون تدرّبه عليها وتطبيقه لها، فيما بعد ذلك من المراحل والدرجات، سهلًا ميسورًا بلا مشقّة ولا معوّقات.

فهذه إفادات ثمينة، وأهداف قويمة، وأهداف جميلة، والطالب إذا أخذها بجدّ فإنه سيفيد منها إفادة عالية تنفعه في كلّ حياته؛ حتى ولو لم يكمل الدراسات العليا؛ لأنه عندما يخرج إلى الحياة العملية سيكون قد تدرب على إجراء البحث، لا يلزم أن يكون الطالب قد درس كلّ شيء سيقوم بتدريسه فيما بعد؛ فربما تواجهه مشكلات جديدة لم يتمّ عرضها في مناهج الدراسة التي تلقّاها، يعني: التفسير، أو الحديث، أو علْم النفس، أو علْم الاجتماع، أو التربية، أو إدارة الأعمال، أو المحاسبة، أو نحو ذلك. لا يلزم أن يكون قد أحاط بكل دقائق العلْم في أثناء الدراسة الجامعية؛ فقد يواجه وهو في مرحلة حياته العملية بمشكلات إذا كان قد تدرّب على البحث فسيكون من السهل عليه أن يتعرّف على المعلومات، وأن يصل إليها بنفسه، وأن يجبر هذا النقص الذي جاء في مراحل تعلّمه الجامعية، ويكون قادرًا على مواجهة المواقف إذا كلِّف بمسألة أو بمهمّة أو عُهد إليه القيام بأمر. عنده دربة، وعنده مران، وعنده مراس، فسيكون عندئذ قويًّا وقادرًا على أن يواجه الصعوبات والمشكلات. فإذا ما أضاف إلى ذلك: أنه يريد أن يدخل إلى نطاق الحياة العملية فيما بعد البكالوريوس، فإنه يكون قد تدرّب على هذا الأمر بطريقة عملية أيضًا.

فينبغي على الطالب أن لا يأخذ هذه المسألة أنها مجرّد نجاح أو رسوب أو يأخذ التقديرات العالية أو التقديرات المتوسّطة. إنّ عليه أن يتعلّم ذلك من أجل حياته، ومن أجل عقله، ومن أجل فكره، ومن أجل طريقة تصرّفه، ومن أجل طريقة مواجهته لمشكلات الحياة العلْمية والعملية، عليه أن يستفيد من هذا إفادة مهمّة.

هنا ننبّه إلى أمر مهمّ، هل على الباحث الطالب في هذا المستوى من البحوث والدراسات -المستوى الجامعي فقط- أن يتوصّل إلى نتائج علْمية باهرة؟ أو أن يدوّن آراءه الخاصة به، وأن يفكر بطريقة إبداعية جديدة يضيف فيها إلى العلْم جديدًا على النحو الذي تحدّثنا به ونحن نتكلم عن تحديد وتعريف معنى البحث العلمي وخصائص البحث العلمي؟

نقول: كلّا! إنه إن فعَل ذلك فهذا شيء جيّد, وهذا يدل على دراسة، وعلى اطّلاع، وعلى صبر على العلْم، لكنه لا يكون في هذا المستوى مكلَّفًا بمثل هذا الأمر؛ لأن في هذا إثقالًا عليه، وتكليفًا له بشيء قد لا يُطيقه. وعلى الأساتذة أن يترفّقوا بأبنائهم الطلاب في هذه المرحلة؛ يكفي أن يعرف الكتب، ويرجع إلى المراجع، ويستكشف معالمها، ويتعرّف على أجزائها ومكوّناتها ومناهج أصحابها، ويستطيع أن يقوم ببعض المقارنات عندما يأتي بهذا الموضوع في هذا الكتاب وبموضوع آخَر في هذا الكتاب، وربما يتبين له بعض الموازنات وبعض المقارنات ويستطيع أن يكتبها، لكن لا نكلّفه تكليفًا محدّدًا بأن يصل إلى الجديد في مثل هذه الأمور، وإنّما نحن نكتفي منه بهذا الأمر في أن يقرأ هذه المصادر ويتعرّف عليها، وأن يتعرّف على كيفية الاقتباس للمعلومات منها، ويتعلّم كيفية الربط بين المعلومات، وأن يصوغها صياغة على حسب جهده.

ونعلّمه كيف يجوّد وكيف يتقن في الصياغة، وأمثال هذه البحوث نستطيع أن نقول إنها أشبه بالتقارير العلْمية، تكشف عن اتّصال الطالب بالعلْم، معرفته بشيء جديد لم يتعلّمْه من الأستاذ، لعلّ هذا يفتح له بابًا أوسع للاتّصال بمجالات العلْم المختلفة، يعمّق بها معارفه التي يأخذها في الجامعة؛ وهذا هو المطلوب مِن مثل هذه البحوث. إنها تفتح بابًا إلى العلْم لا يكون محصورًا فيما يقدّمه الأساتذة؛ لأنّ ما يقدّمه الأساتذة على الرغم من أهميته، لا يقدّم كل شيء في العلْم، ويقدّم أساسيات، ويقدّم أولويّات، لكنه لا يتناول كلّ العلْم. أمّا العلم، فهو موجود، سواء على مستوى الكتب والمراجع، أو على مستوى المعامل التي يستكشف منها العلماء الحقائق، ويتوصّلون بها إلى المعارف.

لكن يكفينا في هذا المستوى، أنّ الطالب يتعرّف على المصادر، ويتعلّم كيف يقتبس منها النصوص، ويتعلّم منها كيف يتوصّل إلى النتائج، ويتعلّم منها كيف يصوغ هذه المسائل بلغة علمية دقيقة. فهي كما يقول لنا الباحثون في علْم المناهج: إنها أشبه بالتقارير العلْمية، منها بالبحوث العلْمية.

المرحلة الثانية، مستوى الماجستير والدكتوراه:

وهي المرحلة الأكثر أهمِّيّة، والأعلى قيمة، والأكثر فائدة للعلْم والحضارة الإنسانية، ولا شك أن الدكتوراه أعلى وأكبر، والمرجو في البحث في درجة الدكتوراه أكبر من الماجستير؛ لأن الماجستير تكون مرحلة أوّليّة تبنى على ما تعلّمه الطالب في المرحلة الأولى، ويتعرّف منها الباحث على بعض الأمور، ويتوصّل إلى بعض الحقائق.

ونحن هنا في هذا المستوى، لا نكتفي بما اكتفينا به في المستوى الأوّل، وإنما علينا أن نطبّق ونحقّق شروط البحث العلْمي كما وضعها علماء المناهج، وكما تدلّ عليها حاجة البحوث العلمية.

ومن أهمّ ما يجب ملاحظته واعتباره، والعناية به والتركيز عليه في هذا المستوى: أنه لا بد أن نختار موضوعًا جيّدًا للبحث. والموضوع لا بد أن يكون فيه جديد -كما نقول دائمًا- ولا بدّ أن يُقرأ قراءة واضحة ومستوعِبة لكلّ ما يتعلّق بهذا الموضوع.

فنجمع الدراسات والمؤلَّفات والبيانات والرسومات، وكلّ ما يفيدنا في البحث العلمي الذي سنُخصّصه لموضوع معيّن -كما قلنا من قبل- ثم نفحصها فحصًا دقيقًا، وننظر إليها بنظرة نقدية علْمية سليمة، ونقوم بكلّ وظائف الباحثين من تفسير الحقائق، ومن تحليل النتائج، ومن التعليل للأسباب، ومن الاستنباط للأفكار. لا بدّ أن نقوم بكل هذه المسائل.

الباحث يتدرب على هذا، ويعوِّد نفسه، ويطبّق هذا في البحث: التفسير، والتحليل، والتعليل، والاستنباط، كلّ العمليات العقلية العلمية اللازمة للمناهج العلمية التي تستخدم في البحوث. ثم لا بد أن يصل إلى نتائج، ويرصد النتائج، ويعبّر عنها، ويستدلّ لها … إلخ، وأن يكون للباحث في هذا المستوى من الدراسة موقف واضح، وشخصية حاضرة، وأن يكون في البحث جديد.

الذي لم نكلف به الطالب في المستويات الأولى، لم نكلفه بأن يأتي بجديد، لكن هنا لا بدّ من الجديد؛ هذا ينفق عليه إنفاقًا خاصًّا، وتستحضر له الكتب والمراجع، وتستحضر له الأجهزة، وتحضر له المعامل والمواد اللازمة لها، وربما يقوم في رحلات علْمية أو في بعثات علْمية.

إذًا، لا بد أن يكون هناك جدوى من هذه البحوث؛ بحيث لا يكون الإنفاق عليها هباءً، والنتائج المترتبة عليها صفرًا أو قريبًا من الصفر. لا بد من أن يكون عندنا إضافة متّسمة بالأصالة وبالجدارة العلْمية؛ بحيث يقال: هذه النتيجة توصّل إليها فلان الفلاني في هذا البحث، لم يقتبسها من أحَد، ولم يأخذها من أحد، ولم يسرقها من أحد، وإنما هو الذي توصّل إليها بجهده وعرَقه وسهره وقراءته وفحصه ونقده وتعبيره وتخيّله العلْمي، إلى آخِر كلّ هذه المسائل … وهذه الأمور تتأكّد بصفة خاصة في درجة الدكتوراه التي هي أرفع درجة علمية في العالَم؛ حتى الآن درجة الدكتوراه لا بدّ أن تستكمل فيها كلّ هذه العناصر على أعلى درجة من الدّقّة وعلى أعلى درجة من الكمال؛ لأن هذا النوع من البحوث هو الذي يؤدِّي إلى النهضة بالبحث العلميّ، وإلى إفادة الحياة الإنسانية والاجتماعية، ويضيف الجديد إلى بناء العلْم، ويُسهم في حلّ المشكلات التي تواجهها البشرية والإنسانية.

البحوث الجامعية التي تحدّثنا عنها في المستويات العليا هي بحوث الماجستير، وبحوث الدكتوراه، هذه البحوث لها مناهج متعدّدة.

كلّ مجموعة من الظواهر التي يتخصص فيها منهج معيّن، لها موضوعات محدّدة، وتُدرس بمنهج خاص. مثل: البحوث التي تجرى على البشر غير التي تجرى على الطبيعة. البحوث التي تجرى على الجيولوجيا غير البحوث التي تجرى في الفلَك.

فهذه كلّ مجموعة من الظواهر تندرج تحت علْم معيّن، وتُناقش بمنهج معيّن، ولكن بصفة عامّة نستطيع أن نقسّم المناهج تقسيمًا عامًّا تندرج تحته كلّ العلوم وكلّ التخصّصات. يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أنواع من البحث:

النوع الأول: البحث الوصفي.

النوع الثاني: البحث التاريخي.

النوع الثالث: البحث التطبيقي، أو البحث التجريبي.

نأخذ فكرة عن كل منهج من هذه المناهج؛ حتى يضع القارئ لهذا المنهج نفسه في إطار المنهج الذي سيُطبّقه في دراساته. هذا كلام عام عن المناهج، يعني: ينفع للحديث للطب، وينفع للحديث للهندسة، وينفع للحديث للشريعة، وينفع للحديث في كلية التجارة وإدارة الأعمال، وينفع للحديث في الكليات الأخرى التي تتكوّن منها الجامعات.

فنحن نقدّم تعريفًا بالبحوث والمناهج، والطالب يضع نفسه في المنهج المحدّد له.

أولًا: البحث الوصفيّ أو البحث غير التطبيقي:

هذا النوع من البحث، موضوعه: وصف الظواهر التي تدخل في نطاق العلْم، وتفسيرها وتحليلها. وهو يُطبّق في العلوم الإنسانية المتعلّقة بالإنسان، أو المتعلّقة بالمجتمع الإنساني، أو المتعلّقة بالظواهر أو الموضوعات الدينية. مثلًا: لكي يقوم الباحث بوصف ما هو كائن من الأحداث والظواهر في داخل هذا العلْم لتعليلها، فلا بد من التعليل، والتحليل، وبيان التطورات المتوقّعة، ووصف الأحداث الماضية، لبيان تأثيرها في الحاضر، والمقارنة بين عدد من الأشياء المختلفة أو المتجانسة.

نماذج توضيحية:

  1. عندما يريد باحث أن يتعرّف على تأثير تعلّم لغة أجنبية في مرحلة الطفولة المبكّرة، على اللغة الأم، مثلًا: نحن عرب نتكلم اللغة العربية، لو قلنا: نعلّم لغة فرنسية وإنجليزية وإيطالية وألمانية للتلميذ في مرحلة الطفولة المبكّرة عند طفل في عمر ثلاث سنين. هل هذا يؤدي إلى تعويق معرفته اللّغة الأمّ أم لا؟ هذا نوع من الدراسة الإنسانية يقوم برصد الظاهرة، وتفسيرها وتعليلها، والتوصل إلى نتائج، والمقارنة والموازنة بين النتائج المحتملة لمثل هذا الأمر.
  2. تأثير شبكة الاتصالات الدولية “الإنترنت” على الأخلاق في مجتمع معيّن، هل تؤثر على الأخلاق بطريقة إيجابية أو بطريقة سلبية؟

نريد رصدًا، وتوصيفًا، ونتائج، واستبيانات؛ حتى نتوصل إلى النتائج الحقيقة المتوقعة لمثْل هذا الأمر.

  • 3.  تأثير الحياة الحضارية على العلاقات الاجتماعية، فحين يكون هناك بيئة بدوية أو ريفية، ثم تنتقل إلى بيئة حضارية، هل هذا يؤثّر على العلاقات الاجتماعية أو لا يؤثر. يؤدي إلى انفصال في الأسرة، والبعد عن الاتصال الوثيق الموجود في حياة الريف أو في حياة البدو ونحو ذلك؟

تأثير وصفي، يقوم برصد الظاهرة وبوصفها، ثم يقوم بتقديم التفسيرات، والتحليل، والنتائج التي يمكن أن تتقدّم بها في مثل هذا الأمر. ومن الممكن أن يقدّم توصيات تتعلّق بهذا الموضوع حتى تكون تحت نظر مَن يخطّطون للسياسة العمرانية أو الاجتماعية أو الثقافية لمثل هذه المسائل. هذا منهج وصفي.

  • تأثير غلاء المهور على العنوسة وعلى العزوبة، هذا الموضوع له تأثير على الشباب، والفتيات، أم لا؟ وما النتائج التي تترتّب على مثل هذا الأمر في مجتمع من المجتمعات؟
  • 5.  تأثير السفر إلى الخارج على القِيم والسلوكيات التي يرجع بها هؤلاء المسافرون، أو يقيم عليها هؤلاء المسافرون في بلاد أجنبية، ثم ما تأثيرها عندما يعودون إلى مجتمعاتهم الأصلية؟ وهكذا.
  • تأثير تسرّب التلاميذ في مرحلة معيّنة. يرصد الظاهرة، يصِف الظاهرة، ثم يفسّر، يحلّل، يعلّل، يقدّم مقترحات، يقدّم نتائج تكون تحت نظر مَن يهمّهم مثْل هذا الأمر. وهكذا في سائر المجالات.
  • تأثير الإدارة الخشِنة التي لا تتّصف بالحزم، ولكن تتّصف بالخشونة، وبالعدوانية على سيْر العمل في منطقة معيّنة، أو في مكان معيّن، أو في مؤسّسة معيّنة. لها تأثير أو ليس لها تأثير؟

نصِف، نحلّل، نعلّل، نفسّر، نقترح. وهكذا.

فعندئذ يكون الأمر على هذا النحو.

أهمّ خصائص هذا النوع من الدراسة:

أنه يبحث العلاقة بين أشياء مختلفة في طبيعتها، بشرط أن لا يكون قد سبقت دراستها. لا بد أن يكون وصفًا جديدًا، لظاهرة جديدة، في موضع جديد، أو في زمان جديد، أو في مكان جديد، أو في ظروف جديدة؛ حتى نصل إلى معلومات جديدة؛ لأن البحث العلمي لا بد أن يقدم شيئًا جديدًا.

هذا البحث -كما هو واضح من الأمثلة التي قلتها، ومن تفسير هذه الأمثلة- يقوم على منهج وصفي يرصد الظاهرة كما هي عليه، ولكن كثيرًا ما يتمّ استخدام الطريقة الاستقرائية الاستنباطية للتّوصّل إلى قاعدة ما. يعني: نريد أن نتوصّل إلى نتيجة يمكن تطبيقها على ظواهر مماثلة في أماكن أخرى أو في أزمنة أخرى.

فإذا درست البيئة البدوية في مكان معيّن، أو الريفية في مكان معيّن، أقدر أن أتوصّل إلى نتائج عامّة يمكن تطبيقها على مجتمعات حضارية أخرى، أو مجتمعات بدوية أخرى، أو مجتمعات صناعية أخرى، أو مجتمعات زراعية أخرى، أو نحو ذلك. أو مدارس غير المدارس التي أجريت عليها البحث، أو مؤسّسات غير المؤسسة التي أجريت عليها البحث الذي أقوم به؛ فعندئذ هنا سنستخدم الوصف، ولكن معه طريقة استقرائية واستنباطية يبذل الباحث فيها جهدًا في محاولة التّوصّل إلى عدد من القواعد العامة التي يمكن الاستفادة بها في مواطن أخرى لم يَجْرِ عليها البحث.

من الخصائص أيضًا: أنّ هذا البحث يهدف أيضًا إلى تقديم مقترحات وحلول للمشكلات العملية الواقعية، مع اختبار صحة هذه المقترحات، ثم يهدف كذلك إلى استبعاد ما ليس صحيحًا من الفرضيات والحلول.

لنفترض أنه وضع مجموعة من الفروض لظاهرة من هذه الظواهر التي يدرسها، ثم تبيّن على الطبيعة أنها خاطئة، وليست دقيقة، وليست متوافقة مع ما درَسه، فعندئذ يتمّ التنازل عن هذه الفرضيات بطريقة علْمية. ونحن تحدثنا عن الموضوعية وعدم التشبث بالآراء الخاطئة، والإذعان للحقائق والنتائج العملية الواقعية الحقيقية؛ وهذا هو الذي ينبغي الحرص عليه.

يجب أن يحرص الباحث في هذا النوع من الدراسة على وصف النماذج والإجراءات بصورة دقيقة كاملة؛ حتى يحدّد حجم الظاهرة التي يبحثها، وأن يختبر الفرضيات المتعلّقة بها والأسباب والنتائج التي تؤدّي إليها، ويتأكّد من النتائج التي يمكن الحصول عليها؛ حتى تكون مفيدة للباحثين فيما بعد، وحتى يمكن البناء عليها فيما يُجرى من البحوث الجديدة التي تُضيف جديدًا إلى هذا البحث، وتتناول مراحل أو مواطن أو مناطق أو مؤسّسات أو أماكن أو ظواهر مماثلة؛ وعندئذٍ سيتم الاستفادة من هذا البحث الذي قام به الباحث، وقدّم فيه هذا النوع من المعرفة الجديدة. هذا هو البحث الوصفي وأهمّ خصائصه.

هنالك جهود علْمية ربما تلتبس في الأذهان بالبحث الوصفي، لكنها في الحقيقة لا ترتقي إلى درجة البحث الوصفي، هي أقل منه في الدرجة، ربما تشابهه بعض المشابهة، ولذلك ينبغي أن نفرّق بين البحث الوصفي بحسب المنهج العلْمي الدقيق، وبين هذه الأنواع التي قد تتشابه معه، وهي في الحقيقة ليست مثْلَه.

من هذه الأمور التي تبدو متشابهة، وهي ليست مشابهة في الحقيقة ما يسمّى في البحث العلْمي “التقدير”:

يعني: “تقدير لموقف” في هذا التقدير يتم مجرّد وصْف الحالة فقط، وتحديد حجم الظاهرة فقط، في وقت محدّد، أو في وقت معيّن، دون أن يُكلّف الباحث نفسه عناء تفسير الظاهرة، أو أسبابها، أو العلل الكامنة وراءها، وليس مكلَّفًا بأن يقدِّم اقتراحات، أو بدائل، أو طريقة من طُرق التّصرّف مع هذا الموضوع.

وهذا النوع نستطيع أن نصِفه بأنه: تقدير موقف.

نرصد مثلًا عدَد الطلاب الذين تسرّبوا من المرحلة الابتدائية في أحد الأقاليم، أو في إحدى المحافظات، أو إحدى الولايات. فقط مجرّد رصد للظاهرة.

نقول: إنّ العدد وصَل إلى كذا من الطلاب الذين سنّهم ثماني سنوات، وعدد كذا من الطلاب الذين سنّهم تسع سنوات، وعدد كذا من الطلاب الذين سنّهم عشر سنوات. مجرّد تقدير للموقف. هذا سيفيد صانع القرار فيما بعد، ويكلّف أناسًا ببحث أسباب الظاهرة، فننتقل إلى البحث العلْمي، لكن مجرد التقدير والوصف العادي دون تفسير أو تحليل، هذا يسمَّى: تقدير موقف فقط. هذا أقل في مستواه من البحث العلمي الذي نتحدّث عنه، بما فيه من عناصر متكاملة ومتشابكة.

فهنا نتحدّث عن الظاهرة دون بيان الأسباب، دون التفسيرات، دون مقترحات، دون حلول … إلخ هذا نوع من الجهد، ولكنه قد يشتبه مع البحث الوصفي، ولكنه ليس هو هو، لا يرتقي إلى درجته، ولا يصل إلى مكانه العالي الذي يلتزم فيه بالمنهج العلْمي بكلّ عناصره.

نوع آخر: اسمه: “التقويم”: أقوم بما قمت به في التقدير، ولكن أعطي حُكمًا، أو قيمة على موضوع معيّن، وربما يتضمن بعض التوصيات في بعض الأحيان؛ هذا يقترب من البحث الوصفي، ولكنه ليس هو هو؛ لأن فيه مجموعة من عناصر البحث، ولكن ليست كلّ عناصر البحث الوصفي. فهو في منطقة وسط، أدناها التقدير، وأوسطها التقويم، وأعلاها البحث الوصفي الذي تتكامل فيه كل عناصر البحث العلْمي.

الجامعات ليس مطلوبًا منها إعطاء تقدير أو تقويم، ولكن المطلوب منها: القيام بالبحث الوصفي. ربما تقوم جهات أخرى أو مسئوليات أخرى بهذا النوع من التقدير أو التقويم، مثل: (الأجهزة المركزية للإحصاء، أجهزة المتابعة، أجهزة الإحصاء، أجهزة التعليم، أجهزة البحوث الاجتماعية). ربما تؤدِّي وصفًا للظاهرة، وربما تقدّم تقويمًا للظاهرة، ولكن لا تقوم بالبحوث.

الجامعات تقوم بالمستوى الأعلى في المنهج الوصفي، وربما كما أقول في النهاية: إنّ هذه الأنواع الثلاثة تتشابه أحيانًا وتتقارب، ولكن يجب التفريق بين المستويات المختلفة وبين العناصر التي يجب تحقّقها فيها؛ لأنّ على مقدار هذه العناصر أصف شيئًا ما بأنه وصف، أو بأنه وصف وتقويم، أو بأنه بحث علْمي يتّبع المنهج الوصفي.

ولا بدّ أن نفرّق بينها في الأهداف المرجوّة، وفي النتائج التي نتحصل عليها، وفي العناصر التي يتم استخدامها؛ حتى نقول إن هذا نوع معيّن، هو بحث وصْفي، أو هو مجرّد تقدير للموقف، أو هو تقويم لهذا الموقف.

وكما أقول: الجامعات تقوم بالمستوى الثالث الذي هو البحث الوصفي، الذي يُستخدم في العلوم الإنسانية على النظام الذي تحدثتُ عنه وقدمتُ له بعض النماذج؛ حتى تكون نماذج معروفة ومفهومة.

لعلّ هذا التقديم للبحث الوصفي يكون قد أعطانا فكرة تقريبية عنه، تجعله لا يلتبس بغيره من الأمور التي قد تشابهه.

ثانيًا: البحث التاريخي:

ونحن نعلم أنّ التاريخ وعلْم التاريخ يقدّم لنا سجلًّا للحياة الإنسانية ووقائعها ومنجزاتها، ويبيِّن حالة الأمم والبشر في حياتهم الماضية، ويوضّح العلاقة بين الإنسان والزمان والمكان والأحداث.

البحث التاريخي له غايات وله مقاصد:

منها: أن نفهم الماضي كيف كان، كيف كان عليه حال البشر من ألْف سنة، من ألف وأربعمائة سنة، قبل الإسلام، أثناء الإسلام، في حياة الراشدين، في حياة الدولة الأموية، في حياة العبّاسيِّين، فيما تلا ذلك من العصور مثلًا، أو حياة أمّة من الأمم الأخرى نستطيع أن نعرفها.

ونحن نعلم أنّ القرآن الكريم قد عُني بالجانب التاريخي عناية بالغة، وقدم في القرآن قَصصًا سمّاه: { أَحْسَنَ الْقَصَصِ} [يوسف: 3]، وسماه: { الْقَصَصُ الْحَقُّ}  [آل عمران: 62]، وقدّم فيه تواريخ الأمم الأخرى لكي تكون أمام المسلمين، وأمَر بالنظر في التاريخ، وبالسّيْر في الأرض لمعرفة عواقب الأمم، وماذا كان عليه أحوالهم مع الأنبياء؟ وكيف تصرّفوا؟ كيف آمنوا؟ ولماذا لم يؤمنوا؟ ما العواقب والمصير الذي انتهى إليه؟ وقال الله عز وجل: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ } [يوسف: 3]، وقال: {إِنَّ هَـذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ} [آل عمران: 62]؛ حتى تُؤخذ فكرة عن الماضي والاعتبار. والله تعالى يقول: { كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ } [يوسف: 111].

فإذًا، نفهم الماضي؛ لكن هل نكتفي بفهم الماضي فقط؟

يجب أن نضيف إلى ذلك ما الذي سنستفيده من الإفادة من هذا الماضي في فهم الحاضر، في معرفة عواقب الأحداث في الماضي، وكيف يمكن التوقع والتنبؤ لِما يمكن أن يقع منها في الحاضر؟ ومن ثمّ، فإننا ندرس الماضي، سواء أكان متعلقًا بالأفراد، أو بالمؤسسات، أو بالحركات الفكرية والثقافية والسياسية، أو بالدّوَل، أو بالأفكار. وهذا كلّه في دراسة الماضي ليس فقط من أجل الماضي، ولكن مع ذلك وبالإضافة إليه، لمعرفة التفاعل مع الواقع الذي عاشه هؤلاء، ولكشف علاقتهم بالمؤثِّرات الواقعة في عصورهم. ودراسة هذا التاريخ تحتاج إلى منهج علْمي، هو هذا المنهج الذي سنفصّله تفصيلًا واضحًا فيما هو آتٍ.

نستطيع أن نفرّق هنا بين ما كان عليه المؤرِّخ القديم، وبين ما يجب أن يكون عليه الباحث العلْمي في التاريخ في العصر الحديث:

المؤرِّخ القديم: عرَض الأحداث من وجهة نظره، وعلى حسب ما تيسّر له من المعلومات والوثائق، وربما غابت عنه بعض المؤثرات في الظواهر التاريخية والوصف التاريخي لِمَا قدّمه من معلومات حول الأمم، والحضارات، والأشخاص، والأفكار، والمؤسّسات، والمذاهب، وربما وقع له نوع من التحيّز لها أو التعصّب ضدّها.

هو عَكَسَ وجهة نظره، قدّم رؤيتَه.

المؤرّخ الطّبري: ساق لنا الحوادث، وبعضها يمكن أن يكون موضوعًا للمراجعة والمناقشة. والطبري احتاط لنفسه، وذكر الأخبار بأسانيدها، وقال لِمن يقرأ كتاب “التاريخ”: عليك أن تفحص في السّند، وأن تعرف الرجال، وأن تحكم على الخبر بناء على ذلك، مستفيدًا ممّا قدّمه علماء الحديث في دراستهم للأسانيد ونقْدهم للرجال.

لكنَّ الباحث الحديث في نطاق علم التاريخ، ينبغي أن لا يكتفي بعرض ما قدّمه الطبري، أو ما قدّمه ابن الأثير، أو ما قدّمه ابن كثير، أو ما قدّمه كُتاب “التراجم والطبقات” ممّا قد يُوصف بالمبالغة أحيانًا، وما قد يوصف بالتحيّز أحيانًا أخرى، وما قد يقع فيه من نقص أو قصور في بعض الأحيان.

على الباحث التاريخي الآن: أن يُفيد ممّا قدّمه عالِم التاريخ القديم، ولكن عليه أن يُفسّر لنا الأحداث، وأن ينقد الروايات، وأن يحاول التّعرّف على الأسباب التي حكمت موقفًا معيّنًا من المواقف، وأن يكشف بطريق التخيّل العلْمي، ليس التخيّل المطلق كخيال الشعراء، لكن التخيل العلْمي الذي تؤيّده الظواهر التاريخية المُثبَتة والمؤكّدة، عليه أن يتوصّل لنا إلى البواعث الخفيّة، أو إلى الأسباب الدقيقة التي أدّت إلى وجود ظاهرة تاريخيّة معيّنة.

لماذا تمّت مثلًا الترجمة في عهد الخليفة المأمون؟

ترجمة وقعت، وكلّ المؤرّخين يتحدّثون عن وقوع الترجمة في عهد الخليفة المأمون.

لا بدّ على المؤرِّخ أن يبيِّن لي الأسباب، وهل هي أسباب خاصة به؟ أو خاصّة بأمّه؟ أو خاصة بالفرقة التي انتسب إليها؟ أو بنوع من الانفتاح الكبير على الثقافات والحضارات الأخرى؟ لا بد أن يقدّم لي الأسباب التي أدّت إلى ذلك.

إذا وُجدت رواية من الروايات، فإنّ على المؤرِّخ الحديث، الباحث في مجال التاريخ بطريقة علْمية: أن يُمحّص هذه الرواية، وأن يرى معقوليّتها مع الأحداث، وموافقتها لها، أو عدم الموافقة لها، وأن ينظر لها بنظرة الناقد الفاحص الخبير؛ لأنّ على هذا الأساس يمكن بناء التاريخ بناءً علميًّا جديدًا.

وعلى سبيل المثال: فإننا نجد أنّ ابن خلدون طبّق هذا المنهج في “مقدّمته في علْم التاريخ”، وبيّن نماذج من الروايات التاريخية التي كتبها المؤرِّخون السابقون عليه. وعن طريق النظر فيها ونقْدها، بيّن أنها روايات غير صحيحة، وأنّ فيها مبالغات، وأنّ الذين ساقوها لم يوفِّقوا بينها وبين الأوضاع الاجتماعية السائدة، أو ما سمّاه ابن خلدون بقوانين العمران، أو القوانين الاجتماعية التي تُبيّن الخبر معقولًا أو غير معقول. وساق في هذا الصدد نماذج وأمثلة تدلّ على هذه العقلية النقدية التي يجب أن يتّسم بها المؤرِّخ في العصر الحديث، عندما يريد أن يقدِّم بحثا علميًّا عن ظاهرة معيّنة؛ فيبيّن الأسباب والعلل، ويفسّر لي الظواهر، ويتوصّل إلى بعض النتائج، ويحاول أن يتوصّل إلى تعميمات، أو يصل إلى قوانين، كلّما ارتقى مستوى البحث العلْمي في نطاق البحث التاريخي.

فهذا هو الذي يسمَّى بحثًا علميًّا تاريخيًّا. على هذا النحو، ليس مجرّد سرْد الأحداث، كما كان يفعل بعض المؤرِّخين القدامى، وليس كلّهم كما أوضحنا أنّ ابن خلدون لم يكن يكتفي بالسّرْد، ولكن يمكن أن نلاحظ أنّ ابن خلدون نفسه في “المقدّمة” بحَث هذا الأمر مستفيدًا من العلوم الإسلامية الأصيلة، كعلْم أصول الفقه، وعلْم الحديث، ونحو ذلك. ولكنه عندما ذكَر كتابه في التاريخ، في كتابه: (العبر)، بعد المقدمة جرى في معظم الأحيان على منهج المؤرِّخين العاديِّين في السّرْد أيضًا، ولم يتوقف كثيرًا للتعليل والتحليل الذي طالب به، والذي وضع أساسه في مقدّمته العلْمية.

وهذا الكلام نضعه بين قوسيْن لننطلق إلى أن الذي يعمل في حقل التاريخ، قاصدًا بذلك الوصول إلى البحث العلْمي الرفيع الذي يجدر به أن يسمَّى بحثًا علميًّا، عليه أن يتعرّف على مادّته العلْمية، وعلى مصادر بحثه من طريقيْن كبيريْن.

فمصادر البحث التاريخي تنقسم إلى قسميْن:

مصادر مادّيّة: تتعلّق بالشهادات المادية المتبقية من آثار السابقين، كالملابس، والآلات الحربية والصناعية والزراعية، والأدوات المنزلية، والنقود، والمباني كالمساجد، والقصور، والمعابد، والآثار المعمارية، والنّصب التي تركها السابقون، والتماثيل، ونحو ذلك. والكتابات التي دُوّنت على الحوائط، والآثار القديمة. هذه كلها تُعَدّ مصادر للمادة التاريخية التي يستفيد منها المؤرِّخ في كتابته للتاريخ القديم؛ لكن عليه أن يكون حذرًا جدًّا؛ لأن بعض الوثائق المادية من هذا النوع ربما تكون غير حقيقية، وربما تكون مزوّرة؛ لأنه حدث مثلًا بعض الفراعنة القدامى الذين حكموا قديمًا مسحوا آثار السابقين، أو نسبوا آثارهم إلى أنفسهم.

إذًا المؤرِّخ لا بدّ أن يكون حصيفًا دقيقًا واعيًا ماهرًا، لا يتقبّل الروايات التاريخية تقبّلًا هكذا دون نقد، بل لا بدّ من أن تتكوّن عنده الروح النقدية في النظر في الخبر، وتقويمه، وبيان معقوليّته ومطابقته للوقائع الموجودة في ذلك العهد.

عندما تُنسب مثلًا وثيقة إلى الرسول صلى الله عليه  وسلميقال فيها: إنه وضع الجزية عن بعض أهل الكتاب، لو لم يكن المؤرِّخ دقيقًا في النظر إلى هذه الوثيقة، فإنه يتقبّلها، ويَبني عليها أحكامًا، لكن عندما يأتي العالِم الفاحص ينظر إليها نظرة نقدية، فيتوصّل إلى بعض النتائج المخالفة حينما يستخلص من الوثيقة نفسها ما يدل على أنّ الوثيقة مزوّرة. فهذا جزء من العمل الذي يقوم به المؤرِّخ في النوع من الشهادات المادية.

هذا النوع من الشهادات المادية مصدر مهمّ جدًّا من مصادر المعرفة بالتاريخ. وإذا كان هذا التاريخ مكتوبًا بلغة قديمة، فلا بدّ من معرفة هذه اللغة القديمة. إذا كانت عندنا بعض الآثار عليها نقوش مثلًا، فلا بدّ من معرفة اللغة.

نحن نعلم أنّ جزءًا كبيرًا من التاريخ المصري القديم كان مجهولًا؛ لأنه كان مكتوبًا باللغة الهيروغليفية القديمة، أو باللغة الديموطيقية. وظل هذا الأمر على هذا النحو إلى أن اكتُشفت هذه اللغة وعرفت أسرارها، وتمكّن المؤرخون من سدّ الثغرات والفجوات التاريخية التي كانت موجودة في الأسَر المصرية القديمة وعصور التاريخ المصري القديم، بعد التعرف على اللغة التي كُتبت بها هذه النقوش على جدران المعابد والمتاحف ونحو ذلك. هذا النوع الأول هو: الشهادات المادية.

هنالك مصدر آخر من المصادر التي يلجأ إليها المؤرِّخ، وهو: الوثائق المكتوبة، والسجلَّات، والعقود، والوصايا، والقوانين، والأحكام القضائية، والصحف، والخطابات، والتسجيلات الصوتية، والأفلام المسجّلة التي تحكي حقبًا من التاريخ بعد ظهور السينما ونحو ذلك. فهذه أيضًا مصدر من مصادر المعرفة: الكتب المؤلفة قديمًا.

كيف أستطيع أن أتحدّث عن الحياة في عصر صدر الإسلام؟ بالرجوع إلى الأحاديث النبوية، وبالرجوع إلى كُتب المؤرِّخين عن هذه الفترة، لمعرفة التفصيلات والوقائع والأحداث التي تمّت، كيف أتحدّث عن عصر اليونانيِّين القدماء، أو عصر الفُرس القدماء، أو عصر المصريِّين القدماء، أو عصر العرب في الجاهلية، أو عصر العرب في أيّة مرحلة من مراحل التاريخ؟ لا بدّ أن أرجع إلى الوثائق والكتب، والمؤلّفات والسجلات … إلخ؛ لأستخلص منها المادة العلمية التي تكوّن مادة البحث، مثل قوالب البناء تمامًا؛ قوالب البناء لا تَبني بيتًا إذا ظلّت متناثرة، لكنها تتحوّل إلى بيت عن طريق تجميعها حسب خطّة في ذهن المهندس الذي يَبني البيت أو العمارة. وبغير خطّة، ولا فكر، ولا تصميم هندسي، تظل هذه الأحجار ملقاة لا قيمة لها ولا فائدة منها.

فهنا الوثائق، سواء أكانت مادية أو مكتوبة، تقدّم لنا المادة التي يعمل عقلُ المؤرِّخ على ضوئها ومستهديًا بها، ولكنه لا يكتفي بمجرّد السّرد -هذا هو الذي نودّ أن نؤكِّده- إنما لا بد أن يكون لديه من الحس الفكري والذهني والمنطقي، ولا بد أن يكون لديه من الخيال العلْمي، ولا بد أن يكون لديه من الروح النقدية، ما يتقدّم به لإكمال النقص في هذه الوثائق؛ لأنه أحيانًا أمور لا تكون واضحة، عليه أن يستكملها ليس في خيال كخيال الروايات أو خيال الشعراء، لكن خيال علْمي، بمعنى: أن يكون مستندًا إلى الوقائع، ومتوافقًا مع الوقائع التي يطّلع عليها في الكتب أو يراها في الآثار المادية.

ثم عليه أن يقوم بتفسير الأحداث، توجّه الأحداث نحو اتّجاه معيّن في وقت معيّن. ولا بد أن يكشف العلل التي تقوم عليها الأحداث التاريخية.

وبذلك يكون البحث العلمي بحثًا تاريخيًّا، إذا اجتمعت له كلّ هذه الصفات والعناصر: التفسير، التحليل، كشف الأسباب، نقد الوثائق، تخيّل الأسباب الناقصة أو الظواهر الناقصة في الموضوع التي لا تكشف عنها الوثائق القديمة، النتائج التي توصّل إليها البحث. هل يمكن الوصول إلى نظرية عامة في تفسير شيء معيّن؟ مثلًا: مؤرِّخ يستطيع أن يقول إنه بعد الحروب يحدث مظاهر اجتماعية قلقة ومضطربة، أو يحدث غلاء في الأسعار نتيجة لفقْد الاتّصال بين الدول، والاعتماد على الاستيراد، أو نحو ذلك.

يفسر التاريخ عن طريق الاضطرابات التي يمكن أن تحدث أو التي يُتوقع حدوثها بعد حدوث ظواهر معيّنة. يقول: إذا وقعت زلازل، أو وقع شحّ، يمكن أن يتحوّل المسار التاريخي … إلخ فيتوصّل إلى تفسير جديد للأحداث، إلى الوصول لنتائج يمكن أن يعمّمها، إلى الوصول إلى قوانين يمكن أن يحكم بها على الحوادث التاريخية، يمكن أن يتنبّأ بوقوع بعض الحوادث تنبئًا علميًّا، فيحذّر المجتمع من ذلك؛ حيث إنه حدثت مثل الظواهر في الماضي فأدّت إلى نتائج معيّنة، فاحذروا! لأن وجود مثل هذه الظواهر في عصر معيّن سيؤدى إلى وقوع نتائج أخرى مماثلة إلى تلك التي حدثت في الماضي؛ لأن البشر يتصرّفون بطريقة تكاد تكون متشابهة إزاء بعض الظروف.

فهذا هو المنهج الثاني الذي يطبّق في مجال البحوث العلمية.

ثالثًا: البحث التطبيقي.

يستخدم لدراسة الظواهر الطبيعية الموجودة في الطبيعة، يعني: الفلَك، الجيولوجيا، الزراعة، الجسد الإنساني، التجارب التي تُجرى على بعض العناصر لبيان منافعها أو استخدامها في الأدوية، أو نحو ذلك. فهذا هو البحث التطبيقي التجريبي العملي الذي يطبّقه العلماء في كليات العلوم وأمثالها. ومن الممكن أن يطبّق بقدر على بعض الظواهر الإنسانية والاجتماعية. يعني: افتراض أن عندهم شيئًا من النقص في المدارك العقلية، كيف يمكن وضع مناهج تليق بمستوياتهم العقلية؟ يتم هذا عن طريق التجربة، وأُجَرّب كذا، وأُقدّم كذا، وأُقدّم وسائل إيضاح كذا … إلخ فمِن الممكن تطبيق مثل هذا الأمر على مثل هذه الأمور.

هنا، نحن نقوم بعناصر المنهج التجريبي القائم على إجراء الملاحظات. فبالنسبة للإنسان قد لا نتمكّن من التجربة إلَّا في أضيق الحدود، لكن نلاحظ الذي يحدث في الفلَك يعتمد على الملاحظة أكثر من التجربة، ولكن العلْم الآن -بعد اختراع الصواريخ وسفن الفضاء- أصبح يقوم ببعض التجارب ويرسل أجهزة تنوب عن الإنسان في الرصد والملاحظة والقيام ببعض التجارب هناك.

هنالك علوم كثيرة تقوم على إجراء التجارب.

فمثلًا: نحن نريد أن نعالج آفة معيّنة حصلت في زراعة معيّنة. أقوم بعزل بعض الظواهر التي وقعت فيه هذه الآفات، ومحاولة التجربة للوصول إلى السبب، ثم الوصول إلى العلاج، وهكذا.

الأمراض المستعصية التي يسمع الناس عنها الآن، لا بدّ من القيام بتجارب لوصف الحالة، ثم لمعرفة الأسباب، ثم لوضْع الأدوية التي تُعالج وتحاول القضاء على هذه الأمراض، وهكذا.

فنحن نقوم بإجراء ملاحظات، ثم نقوم بإجراء تجارب كلّما كان ذلك ممكنًا، ثم نستخدم كلّ عناصر المنهج التجريبي في الوصف، والرصد، والاستقراء، والبحث عن الأسباب والعلل، ووضع الفروض التي يضعها العالِم، ويقول: السبب في الظاهرة هو كذا، لكن يقوم بإجراء تجارب وملاحظات جديدة للتأكّد من صحة هذا الفرض. فإذا كان الفرض صحيحًا، فإنه يكون هو في السبب الحقيقي، وإذا لم يكن الفرض صحيحًا فإنّ على العالِم أن يتنازل عنه وأن يعمل على وضْع فرض جديد يُفسّر به الظاهرة التي يجدها أمامه.

فإذا توصل إلى مجموعة من الفروض الصحيحة، وصل إلى مجموعة من القوانين، فإذا وصل إلى مجموعة من القوانين فإنه يصل إلى نظرية تجمع هذه القوانين، ويمكن بها تفسير أشياء كثيرة جدًّا في هذا الذي بحثه العالِم، أو الذي لم يبحثه ممّا لم يدخل في نطاق البحث، ولكنه ينطبق عليه ما ينطبق على الظواهر التي بحثها؛ وعندئذ يمكن الوصول إلى نظريات عامة، أو نظريات كبرى، مثل: “النظرية النسبية” مثلًا، هذه نظرية تفسر مجموعة من القوانين. وهكذا يطبق العلماء الشروط المطلوبة في البحث العلمي؛ حتى يكون بحثهم بحثًا علميًّا على المستوى المطلوب.

عندما نقول: إنّ هذه الظواهر طبيعية نقوم بإجراء ملاحظات أو بإجراء التجارب عليها، فإنّ الملاحظات تجرى في المعامل: والمعمل فيه أجهزة، وفيه وسائل قياس، وفيه وسائل تصوير، وفيه وسائل تحليل … إلخ بحسب الظواهر التي ندرسها في المعامل عادة.

وقد تجرى التجارب خارج المعامل، يعني: عندما نبحث ظاهرة زراعية، أو ظاهرة جيولوجية، أو نحو ذلك. أو ظاهرة في الفضاء، لا أستطيع أن آتي بالفضاء في المعمل. ظاهرة كسوف، خسوف، علاقات بين الكواكب، مغناطيسية، كهربية، في الفضاء، أوزون … إلخ لا أستطيع أن أستحضر الأوزون في المعمل؛ ولكن قد تجرى التجارب خارج المعمل، في الفضاء عن طريق السفن الفضائية، أو الآلات، أو المراصد، أو نحو ذلك. كما يتم ذلك في الحقول … إلخ.

ما الغاية التي يسعى إليها العلماء في بحوثهم التطبيقية؟

إنهم يحاولون معرفة الأسباب التي تؤثّر في ظاهرة معيّنة: مرض معيّن، ظاهرة طبيعية معيّنة، آفة معيّنة، دواء يُراد اكتشافه، عمليّة جراحية يراد تطبيقها، يراد الوصول إليها، كشف عن عناصر جيولوجية موجودة في بعض الأراضي، أسباب حدوث ظاهرة معيّنة لا بدّ أن يكشفوا لنا عن الأسباب المؤثّرة فيها، ومحاولة الكشف عن القانون الذي يَحكم هذه الظاهرة حتى يمكن الاستفادة من هذا القانون في التنبّؤ بوقوع هذه الظاهرة من بعد والاستفادة بها في الحياة العملية.

فمثلًا: مِن القوانين المعروفة والبسيطة جدًّا والتي نعرفها: أن الأشياء تتمدّد بالحرارة، وأنها تنكمش بالبرودة بصفة عامة. فعندما تُبنى “الكباري” على سبيل المثال، لا بدّ يُراعى هذا القانون: أنّ الحديد يتمدّد بالحرارة؛ ولذلك توضع قطع الحديد بينها أبعاد يمكن أن يمتدّ الحديد من خلالها، فلا يؤدي هذا إلى تحطيم “الكُبري”. ولو وُضعت قِطَع الحديد متّصلة، فإنها عندما تتمدّد يتحطّم هذا “الكُبْري”. فعندئذ نحن نستفيد من العلْم في حياتنا، ويمكن أن نطبّق ذلك على كلّ الحالات المماثلة.

عندما نرى إنسانًا ظهرت عليه أعراض مرَض معيّن، فإننا نستطيع أن نعالجه بالدواء الذي تمّ تجريبه على هذا المرض، بغير أن نُلزم هذا الشخص بأن يقوم بإجراء فحوص جديدة؛ لأن الظواهر واضحة. نحن نقوم بالفحوص عندما تكون هناك ظواهر متشابهة.

فهذه هي الأنواع الثلاثة الجامعة التي تندرج تحتها البحوث العلْمية في الجامعات ومراكز البحث العلْمي:

المنهج الوصفي، والمنهج التاريخي، والمنهج التطبيقي بدرجاته المتنوعة التي تشترك في عدد من الأصول، وفي عدد من القواعد الأساسية؛ وإن كان كلّ علْم يُمكن أن يكون له بعض الأشياء المتفرّدة التي تتّصل بطبيعة هذا العلْم وطبيعة الظواهر التي يتعامل العلماء على أساسها في ظواهر هذا العلْم.

وقد أشرت من قبل إلى: أنّ المسلمين كان لهم دور كبير جدًّا في اكتشاف مناهج هذه العلوم، وعلينا أن نعرف ذلك حتى نرى هذا الجانب المضيء المشرق في تراثنا، لا لكي نتغنّى به ونتوقّف عنده، ولكن لكي نحاول أن نبذل جهدًا مثل ما بذله السابقون في الإضافة، وفي البناء، وفي تقديم الثمرات للعلْم؛ حتى يؤدّي هذا إلى نهضة أمّتنا وإلى استعادة مجْدها وحضارتها، وإسهامها في تاريخ العلْم. وقد بلغ الأمر بالقدامى منّا أن وصلوا إلى مناهج أصبحت هي التي تُتّبع بعد ترجمتها إلى اللغة اللاتينية، وأصبحت عنصرًا في بناء الحضارة الأوروبّية نفسها، التي يعترف المنصفون من رجالها بدور المسلمين في وضع قواعد مناهج العلوم، وفي الثمرات العلمية التي أضافوها إلى العلْم بإضافة علوم جديدة، أو بتعديل المناهج التي كانت قائمة، أو بوضع المناهج الجديدة التي كان للمسلمين الفضل الأكبر في اكتشافها وصياغتها.

فنحن علينا أنّ نتعلّم هذا؛ حتى لا نظنّ أنّنا نملك تاريخًا مُجدبًا أو عقيمًا، وإنما نحن نملك في مجال البحث العلْمي تراثًا عظيمًا علينا أن نتمسّك به، وأن نحذو حذوه، وأن ننسج على منواله؛ حتى نتوصّل إلى استعادة هذا التراث العظيم ومجده، وأن نبذل في نطاق العلْم أمورًا علينا أن نقوم بجهدنا فيها؛ رعايةً لتاريخنا ولحاضرنا ولمستقبلنا، وتأكيدًا لمكانتنا وهويّتنا الثقافية والحضارية التي علينا أن نُحسن التمسك بها في هذه الأيام العصيبة التي يمرّ بها العالَم العربي الإسلامي. 

error: النص محمي !!