Top
Image Alt

البلاغ وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم، والهداية لله وحده، وبيان حرمة الربا

  /  البلاغ وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم، والهداية لله وحده، وبيان حرمة الربا

البلاغ وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم، والهداية لله وحده، وبيان حرمة الربا

1. البلاغ وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم والهداية لله وحده، ووجوه الإنفاق:

أقوال المفسرين:

قوله: {لّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} أي: ليس عليك هدى من خالفك حتى تمنعه الصدقة، لأجل أن يدخلوا في الإسلام، فتصدق عليهم لوجه الله، هداهم ليس إليك.

قوله: {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ} كقوله: {مّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ} ونظائرها في القرآن كثيرة.

وقوله: {وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاّ ابْتِغَآءَ وَجْهِ اللّهِ} حاصله: أن المتصدق إذا تصدق ابتغاء وجه الله فقد وقع أجره على الله، ولا عليه في نفس الأمر لمن أصاب البر أو فاجر أو مستحق أو غيره، وهو مثاب على قصده، ومستند هذا تمام الآية {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} والحديث المخرج في الصحيحين المتقدم في الآثار.

وقوله: {لِلْفُقَرَآءِ الّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ} يعني المهاجرين الذين قد انقطعوا إلى الله وإلى رسوله وسكنوا المدينة وليس لهم سبب يردون به على أنفسهم ما يغنيهم و لا يستطيعون ضربًا في الأرض يعني سفرًا للتسبب في طلب المعاش والضرب في الأرض، هو السفر قال الله تعالى {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصّلاَةِ} وقال تعالى: {عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مّرْضَىَ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ…} الآية.

وقوله {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التّعَفّفِ} أي الجاهل بأمرهم وحالهم يحسبهم أغنياء من تعففهم في لباسهم وحالهم ومقالهم، وفي هذا المعنى الحديث المتفق على صحته المتقدم في الآثار.

وقوله: {تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ} أي بما يظهر لذوي الألباب من صفاتهم كما قال تعالى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ} وقال: ولتعرفنهم في لحن القول، وفي الحديث الذي في السنن ((اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله)) ثم قرأ {إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لِلْمُتَوَسّمِينَ}.

وقوله: {لاَ يَسْأَلُونَ النّاسَ إِلْحَافاً} أي: لا يلحون في المسألة ويكلفون الناس ما لا يحتاجون إليه فإن من سأل وله ما يغنيه عن المسألة فقد ألحف في المسألة.

قوله: {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ} أي: لا يخفى عليه شيء منه وسيجزى عليه أوفر الجزاء وأتمه يوم القيامة أحوج ما يكون إليه.

وقوله: {الّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللّيْلِ وَالنّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} هذا مدح منه تعالى للمنفقين في سبيله وابتغاء مرضاته في جميع الأوقات من ليل أو نهار، والأحوال من سر وجهر حتى إن النفقة على الأهل تدخل في ذلك أيضًا، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسعد بن أبي وقاص حين عاده مريضًا عام الفتح، وفي رواية عام حجة الوداع: ((وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة حتى ما تجعل في فيِّ امرأتك)).

وقيل: نزلت في أبي بكر، تصدق بأربعين ألف دينار: عشرة بالليل، وعشرة بالنهار وعشرة في السر، وعشرة في الجهر. وقيل غير ذلك كما سبق في الآثار.

وقوله: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ} أي: يوم القيامة على ما فعلوا من الإنفاق في الطاعات {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}.

ج. المعنى الإجمالي:

يبين الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن هداية الضالين والزائغين بمعنى توفيقهم للحق ليست بيده تطييبًا لخاطره، وتعليمًا للأمة ولكن تلك الهداية إنما هي لله وحده، يوفق إليها من يشاء، وأما النفقة من صدقة وهدية وفعل الخير؛ فإنه يعود على منفقه وينفع به نفسه في الدنيا والآخرة بغض النظر عن المنفق عليه، وحقيقته سواء أكان كافرًا أم فاجرًا أم غنيًّا طالما أن النفقة كان المقصود بها التقرب إلى الله، وابتغاء مرضاته وسوف يجازي الله هذا المنفق كل ما أنفقه في وجوه الخير جزاء وافيًا، لا ظلم فيه ولا انتقاص.

ثم ذكر سبحانه من وجوه الإنفاق أولاها وهو ما كان من نفقة على الفقراء من المهاجرين، ومن شابههم الذين حبسوا أنفسهم على طاعة الله تعالى، والاستعداد للجهاد، وليس لهم القدرة على السفر وطلب المعاش، وإذا رآهم من يجهل حالهم، وحقيقة أمرهم يظنهم من الأغنياء الذين لا يحتاجون مساعدة أحد، لتعففهم وترفعهم عن مد أيديهم للناس، وطلب العون منهم ويلحون عليهم في الطلب كما يفعل غيرهم، وإنما يعرفون بالتوسم، والفطنة من علاماتهم التي تدل على حالهم دون سؤال منهم.

ثم بين سبحانه أنه ما من خير ينفقه المسلم، إلا وهو سبحانه عليم به، مجازٍ عليه وأن الذين ينفقون أموالهم، وينفعون بها إخوانهم في مختلف أحوالهم من ليلهم ونهارهم، وأمام الخلق وبينهم وبين ربهم، فإن أجرهم محفوظ لهم عند ربهم لا ينقص منه شيء، ولا يلحقهم الخوف مما يقدمون عليه يوم القيامة من بركات هذه النفقات، ولا يحصل لهم حزن على ما تركوه في الدنيا من مال وأهل.

2. النهي عن التعامل بالربا، وبيان أن الله يمحقه ويعاقب عليه:

قال تعالى: {الّذِينَ يَأْكُلُونَ الرّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الّذِي يَتَخَبّطُهُ الشّيْطَانُ مِنَ الْمَسّ ذَلِكَ بِأَنّهُمْ قَالُوَاْ إِنّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرّبَا وَأَحَلّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرّمَ الرّبَا فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رّبّهِ فَانْتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللّهُ الْرّبَا وَيُرْبِي الصّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبّ كُلّ كَفّارٍ أَثِيمٍ}.

أقوال المفسرين:

{الّذِينَ يَأْكُلُونَ الرّبَا} {يَأْكُلُونَ} يأخذون، فعبر عن الأخذ بالأكل، لأن الأخذ إنما يراد للأكل. والربا في اللغة الزيادة مطلقًا، ثم إن الشرع قد تصرف في هذا الإطلاق فقصره على بعض موارده، فمرة أطلقه على كسب الحرام، كما قال الله تعالى في اليهود: {وَأَخْذِهِمُ الرّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ}. ولم يرد به الربا الشرعي الذي حكم بتحريمه علينا وإنما أراد المال الحرام، كما قال تعالى: {سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكّالُونَ لِلسّحْتِ} يعني به المال الحرام من الرشا، وما استحلوه من أموال الأميين حيث قالوا: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الاُمّيّينَ سَبِيلٌ} [آل عمران: 75]

وعلى هذا، فيدخل فيه النهي عن كل مال حرام بأي وجه اكتسب. والربا الذي عليه عرف الشرع شيئان: تحريم النساء، والتفاضل في العقود وفي المطعومات. وغالبه ما كانت العرب تفعله، من قولها للغريم: أتقضي أم تربي؟ فكان الغريم يزيد في عدد المال ويصبر الطالب عليه. وهذا كله محرم باتفاق الأمة.

{لاَ يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الّذِي يَتَخَبّطُهُ الشّيْطَانُ مِنَ الْمَسّ} أي: لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له، وذلك أنه يقوم قيامًا منكرًا.

وفي حديث أبي سعيد في الإسراء: ((أنه عليه السلام مر ليلتئذ بقوم لهم أجواف مثل البيوت فسأل عنهم فقيل: هؤلاء أكلة الربا)). رواه البيهقي في الدلائل مطولًا.

وقوله: {ذَلِكَ بِأَنّهُمْ قَالُوَاْ إِنّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرّبَا وَأَحَلّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرّمَ الرّبَا} أي: إنما جوزوا بذلك لاعتراضهم على أحكام الله في شرعه، وليس هذا قياسًا منهم للربا على البيع؛ لأن المشركين لا يعترفون بمشروعية أصل البيع الذي شرعه الله في القرآن، ولو كان هذا من باب القياس لقالوا: إنما الربا مثل البيع وإنما قوله: {إِنّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرّبَا} أي هو نظيره فلم حرم هذا وأبيح هذا، وهذا اعتراض منهم على الشرع، أي هذا مثل هذا، وقد أحلّ هذا وحرّم هذا.

وقوله تعالى: {وَأَحَلّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرّمَ الرّبَا} يحتمل أن يكون من تمام الكلام ردًّا عليهم أي على ما قالوه من الاعتراض مع علمهم بتفريق الله بين هذا وهذا حكمًا، وهو العليم الحكيم الذي لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو العالم بحقائق الأمور ومصالحها، وما ينفع عباده فيبيحه لهم وما يضرهم فينهاهم عنه وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها الطفل، ولهذا قال: {فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رّبّهِ فَانْتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ} أي من بلغه نهي الله عن الربا فانتهى حال وصول الشرع إليه فله ما سلف من المعاملة لقوله: {عَفَا اللّهُ عَمّا سَلَف} [المائدة: 95] وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: ((وكل ربًا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين وأول ربًا أضع ربا العباس)) ولم يأمرهم برد الزيادات المأخوذة في حال الجاهلية، بل عفا عما سلف كما قال تعالى: {فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ}.

ثم قال تعالى: {وَمَنْ عَادَ} أي: إلى الربا ففعله بعد بلوغه نهي الله عنه، فقد استوجب العقوبة وقامت عليه الحجة ولهذا قال: وَمَنْ عَادَ {فَأُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.

يخبر تعالى أنه يمحق الربا أي يذهبه، إما بأن يذهبه بالكلية من يد صاحبه أو يحرمه بركة ماله فلا ينتفع به، بل يعدمه به في الدنيا، ويعاقبه عليه يوم القيامة كما قال تعالى: {قُل لاّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطّيّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ} [المائدة: 100] وقال تعالى: {الطّيّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنّمَ} [الأنفال: 37] . وقال: {وَمَآ آتَيْتُمْ مّن رّباً لّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ اللّهِ…} الآية.

وقال ابن جرير في قوله: {يَمْحَقُ اللّهُ الْرّبَا} وهذا نظير الخبر الذي روي عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الربا وإن كثر فإلى قل)).

وقوله: {وَاللّهُ لاَ يُحِبّ كُلّ كَفّارٍ أَثِيمٍ} أي: لا يحب كفور القلب أثيم القول، والفعل ولا بد من مناسبة في ختم هذه الآية بهذه الصفة، وهي أن المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من الكسب المباح؛ فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل بأنواع المكاسب الخبيثة. ثم قال تعالى مادحًا للمؤمنين بربهم، المطيعين أمره، المؤدين شكره، المحسنين إلى خلقه، في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مخبرًا عما أعد لهم من الكرامة، وأنهم يوم القيامة من التبعات آمنوا فقال: {إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصّلاَةَ وَآتَوُاْ الزّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}.

المعنى الإجمالي:

يصف سبحانه وتعالى حال آكلي الربا وهو إما ربا النسيئة أو ربا الفضل أو أنواع من البيوع المحرمة المشابهة، أنهم يعاقبون يوم القيامة بأنهم لا يقومون يوم القيامة إلا كما يقوم المجنون الذي مسّه الجن، وتخبطه بتلبسه به، فأصبح مختبلًا يصرع ويخنق، كلما قام سقط مصروعًا، وذلك بسبب اعتراضهم على شرع الله سبحانه، وقولهم: إن البيع والربا سواء، ولا اختلاف بينهما. فأخبر الله سبحانه أنه أحل البيع وحرم الربا، فمن اتبع شرعه سبحانه، وأخذ بما جاءه من ربه وترك الربا؛ فقد تجاوز الله عنه فيما سبق، ومضى والله سبحانه عالم به مطلع عليه يعرف نيته وحقيقته، ومن أصرَّ على الربا فعاد للمعاملة به بعد ما حرمه الله فجزاؤه النار، يمكث خالدًا فيها.

ثم بيَّن تعالى أنه يعامل المرابي بنقيض قصده، فيذهب البركة ويضيع مال الربا بخلاف الصدقة؛ فإنه سبحانه يربيها ويكثرها حتى تصبح أضعافًا مضاعفة، والله سبحانه لا يحب الكفَّار الذي لا يعرف قدر ربه وقدر أوامره، الأثيم الذي يأكل أموال الناس ويظلمهم.

أما الذين آمنوا وصدقوا بما جاءهم من ربهم وعملوا به وأدوا الصلاة المكتوبة، كما أمر الله وأدوا زكاة أموالهم لمستحقيها حسب شرع الله- فهؤلاء لهم الأجر الكامل والجزاء الأوفر عند ربهم ولا يخافون مما يقدمون عليه يوم القيامة، ولا يحزنون على ما تركوا وراءهم في الدنيا من مال وأهل.

سادسًا: الآية: (281):

{وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}.

الآثار:

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: آخر ما نزل من القرآن كله {وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} وعاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية تسع ليال، ثم مات يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول.

وأخرج النسائي وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس، قال: آخر شيء نزل من القرآن: {وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}. قال ابن جريج يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم عاش بعدها تسع ليال، وبدئ يوم السبت ومات يوم الاثنين.

وعن أبي سعيد قال: آخر آية نزلت: {وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب أنه بلغه أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين.

سابعًا: الآية: (282):

{يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىَ أَجَلٍ مّسَمّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ وَلْيَتّقِ اللّهَ رَبّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ الّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ فَإِن لّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشّهَدَآءِ أَن تَضِلّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا الاُخْرَىَ وَلاَ يَأْبَ الشّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوَاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَىَ أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشّهَادَةِ وَأَدْنَىَ أَلاّ تَرْتَابُوَاْ إِلاّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوَاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتّقُواْ اللّهَ وَيُعَلّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.

المناسبة:

لما أمر الله بالنفقة في سبيله، وبترك الربا، وكلاهما يحصل به تنقيص المال، نَبَّه على طريق حلال في تنمية المال وزيادته، وأكد في كيفية حفظه.

وأيضًا لما كان جُلُّ الربا في المداينات نبَّه على أحكام الدَّيْن المشروع.

اللغويات:

“تداين”: تفاعل من الدين، يقال: داينت الرجل: عاملته بدين معطيًا أو آخذًا، كما تقول: بايعته إذا بعته أو باعك

أمل وأملى لغتان: يقال: أمليت وأمللت على الرجل أي: ألقيت عليه ما يكتبه، وأصله في اللغة: الإعادة مرة بعد أخرى.

“البخس”: النقص.

“القسط”: بكسر القاف: العدل، يقال منه: أقسط الرجل؛ أي: عدل، وبفتح القاف: الجور.

المعنى الإجمالي:

يأمر الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين بأن يتركوا ما لم يزل قائما من معاملاتهم الربوية، إن كانوا حقًّا مؤمنين به، وبما أنزل إليهم من تشريعات، ثم تهددهم إن لم يفعلوا ذلك، فإنه -سبحانه- سيكون حربًا عليهم في الدنيا والآخرة، بإقامة شرعه عليهم في الدنيا وبالعذاب الأليم في الآخرة، وأما إن تابوا فلهم أن يطالبوا بأصل أموالهم ولا يأخذون شيئًا زائدًا عليها؛ فلا يقع عليهم ظلم من أحد ولا يظلمون هم أحدًا.

ثم أمرهم سبحانه أن يمهلوا من كان معسرًا لا يستطيع السداد إلى الوقت الذي يتيسر له فيه ذلك، وحثهم على أن يتصدقوا عليه، فهو أولى لهم وأفضل لو كانوا يعلمون عظم الأجر المترتب عليه، والخير المدخر لهم في ذلك.

وختم ذلك سبحانه بأن يجعلوا بينهم وبين اليوم الذي يرجعون فيه إلى ربهم، وهو يوم القيامة- ما يقيهم عذابه؛ حيث تأخذ كل نفس ما تستحقه وافيًا غير منقوص حسبما عملت دون أن تظلم شيئًا.

ثم بين سبحانه أحكام الدين، فأمر المؤمنين بكتابة الدين المقيد، بوقت محدد، وأن يكون الكاتب الذي يكتب لهم كاتبًا بالعدل والحق، فيكتب كتابة صحيحة، كما علمه الله تعالى، ويقوم بإملاء المكتوب الذي قد أخذ الدين، ويتقي الله تعالى فيذكر الصدق، ولا ينقص شيئًا مما عليه؛ فإن كان صغيرًا أو ضعيف العقل أو ليست لديه القدرة على الإملاء لعي أو غيره فيقوم وليه بذلك بالحق والقسط.

وأمر عز وجل بأن يشهد على ذلك رجلين أو رجل وامرأتين من العدول الذين يرضاهم الطرفان، وإنما جعلت المرأتان في مقابل الرجل حتى إذا نسيت إحداهما، أو أخطأت تقوم الثانية بتذكيرها وتنبيهها، للنقص المعروف في النساء.

ثم أمر سبحانه الشهداء أن يستجيبوا للشهادة إذا دعوا إليها، ولا يرفضوها سواء في تحملها، أو أدائها، وأمر المؤمنين بعدم الضجر من الكتابة مهما كان الدَّين صغيرًا كان أم كبيرًا إلى الأجل المتفق عليه، فإن ذلك هو الطريق الأعدل والأقوم عند الله، وهو ما يدفع الريبة والشك وسوء الظن.

ويستثنى من ذلك حال التجارة الحاضرة؛ فطالما كان بيعًا يدًا بيد يدار بين الأطراف- فلا حرج عليهم ولا إثم إن لم يكتبوها، وأما الإشهاد: فعليهم أن يشهدوا على البيع كما أنه لا يجوز الإضرار بالكاتب الذي كتب، ولا بالشاهد الذي يشهد بأي صورة من صور الإضرار، فإن من فعل ذلك فهو في شرعه -سبحانه- فاسق عاصٍ مخالف لأمره سبحانه.

ثم أمرهم سبحانه باتقاء غضبه وعقابه، وبيّن لهم أنه يعلمهم ما يصلحهم، وينفعهم، فهو سبحانه العليم بكل شيء، المحيط بما فيه الخير لهم.

الآثار:

عن ابن عباس في قوله {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىَ أَجَلٍ مّسَمّى فَاكْتُبُوهُ} قال: أنزلت في السلم إلى أجل معلوم.

وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس، قال: “قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)).

تفسير الآيات:

قوله: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىَ أَجَلٍ مّسَمّى فَاكْتُبُوهُ} هذا إرشاد منه تعالى لعباده المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها ليكون ذلك أحفظ لمقدارها، وميقاتها وأضبط للشاهد فيها، وقد نبه على هذا في آخر الآية حيث قال: {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشّهَادَةِ وَأَدْنَىَ}. وقوله: {فَاكْتُبُوهُ} أمر منه تعالى بالكتابة للتوثقة والحفظ.

وقوله تعالى: {وَلْيَكْتُب بّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} أي: بالقسط والحق، ولا يُجِر في كتابته على أحد، ولا يكتب إلا ما اتفقوا عليه من غير زيادة ولا نقصان، وقوله: {وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ} أي: ولا يمتنع من يعرف الكتابة إذا سئل أن يكتب للناس ولا ضرورة عليه في ذلك، فكما علمه الله ما لم يكن يعلم فليتصدق على غيره ممن لا يحسن الكتابة، وليكتب .

وقوله: {وَلْيُمْلِلِ الّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ وَلْيَتّقِ اللّهَ رَبّهُ} أي: وليملل المدين على الكاتب ما في ذمته من الدين وليتق الله في ذلك {وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً} أي: لا يكتم منه شيئًا، {فَإن كَانَ الّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ سَفِيهاً} محجورًا عليه بتبذير ونحوه {أَوْ ضَعِيفاً} أي: صغيرًا أو مجنونًا {أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلّ هُوَ} إما لعي أو جهل بموضع صواب ذلك من خطأه {فَلْيُمْلِلْ وَلِيّهُ بِالْعَدْلِ} وقوله: {وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ} أمر بالإشهاد مع الكتابة لزيادة التوثقة {فَإِن لّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} وهذا إنما يكون في الأموال وما يقصد به المال.

وقوله: {مِمّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشّهَدَآءِ} فيه دلالة على اشتراط العدالة في الشهود، وهذا مقيد حكم به الشافعي على كل مطلق في القرآن من الأمر بالإشهاد من غير اشتراط، وقد استدل من رد المستور بهذه الآية الدالة على أن يكون الشاهد عدلًا مرضيًا.

وقوله: {أَن تَضِلّ إْحْدَاهُمَا} يعني المرأتين إذا نسيت الشهادة {فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا الاُخْرَىَ} أي: يحصل لها ذكر بما وقع به من الإشهاد، وبهذا قرأ آخرون، فتذكر بالتشديد من التذكار، ومن قال: إن شهادتها معها تجعلها كشهادة ذَكر- فقد أبعد، والصحيح الأول. والله أعلم.

وقوله: {وَلاَ يَأْبَ الشّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ} قيل: معناه إذا دعوا للتحمل فعليهم الإجابة، وهو قول قتادة والربيع بن أنس وهذا كقوله: {وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ} ومن ها هنا استفيد أن تحمل الشهادة فرض كفاية فيها وهو مذهب الجمهور.

والمراد بقوله: {وَلاَ يَأْبَ الشّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ} للأداء لحقيقة قوله الشهداء والشاهد حقيقة، فيمن تحمل فإذا دعي لأدائها، فعليه الإجابة إذا تعينت وإلا فهو فرض كفاية. والله أعلم.

وقوله: {وَلاَ تَسْأَمُوَاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَىَ أَجَلِهِ} هذا من تمام الإرشاد وهو الأمر بكتابة الحق صغيرًا كان أو كبيرًا، فقال: {وَلاَ تَسْأَمُوَاْ} أي: لا تملوا أن تكتبوا الحق على أي حال كان من القلة والكثرة إلى أجله.

وقوله: {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشّهَادَةِ وَأَدْنَىَ أَلاّ تَرْتَابُوَاْ} أي: هذا الذي أمرناكم به من الكتابة للحق إذا كان مؤجلًا هو أقسط عند الله أي: أعدل وأقوم للشهادة، أي: أثبت للشاهد إذا وضع خطه ثم رآه- تذكر به الشهادة لاحتمال أنه لو لم يكتبه أن ينساه، كما هو الواقع غالبًا، {وَأَدْنَىَ أَلاّ تَرْتَابُوَاْ} وأقرب إلى عدم الريبة، بل ترجعون عند التنازع إلى الكتاب الذي كتبتموه فيفصل بينكم بلا ريبة.

وقوله: {إِلاّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاّ تَكْتُبُوهَا} أي: إذا كان البيع بالحاضر يدًا بيد فلا بأس بعدم الكتابة لانتفاء المحذور في تركها، فأما الإشهاد على البيع فقد قال تعالى: {وَأَشْهِدُوَاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ}. هذا الأمر محمول عند الجمهور على الإرشاد والندب لا على الوجوب.

وقوله تعالى: {وَلاَ يُضَآرّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ} قيل: معناه لا يضار الكاتب ولا الشاهد فيكتب هذا خلاف ما يملي، ويشهد هذا بخلاف ما سمع أو يكتمها بالكلية. وهو قول الحسن وقتادة وغيرهما. وقيل: معناه لا يضر بهما. وقوله: {وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} أي: إن خالفتم ما أمرتم به، أو فعلتم ما نهيتم عنه فإنه فسوق كائن بكم، أي: لازم لكم لا تحيدون عنه، ولا تنفكون منه وقوله: {وَاتّقُواْ اللّهَ} أي: خافوه وراقبوه واتبعوا أمره، واتركوا زجره، {وَيُعَلّمُكُمُ اللّهُ} كقوله: {يِا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إَن تَتّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لّكُمْ فُرْقَاناً} وكقوله: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللّهَ وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ} وقوله: {وَاللّهُ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أي: هو عالم بحقائق الأمور ومصالحها وعواقبها، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء، بل علمه محيط بجميع الكائنات.

error: النص محمي !!