Top
Image Alt

التبادل بين صيغ المفرد والمثنى والجمع

  /  التبادل بين صيغ المفرد والمثنى والجمع

التبادل بين صيغ المفرد والمثنى والجمع

كثيرًا ما يقع التبادل بين صيغ المفرد والمثنى والجمع بعضها ببعض، ويكون ذلك في الأغلب الأعم على النحو الآتي:

أولًا: التبادل بين المفرد والمثنى:

أ. وقوع المفرد في موقع المثنى:

قد يقع المفرد في موقع المثنى، ويكثر ذلك فيما إذا أضيف جزءان، أو ما هما كجزأين إلى مثنى يتضمنهما؛ ومن أمثلة ذلك قول العرب: أكلت رأس شاتين، والمراد: أكلت رأسي شاتين، إلا أن العرب استثقلوا تثنيتين في شيئين هما شيء واحد لفظًا ومعنى، أو يقال: إنهم استثقلوا إضافة المثنى إلى المثنى، والمضاف جزء من المضاف إليه، فهما شيء واحد؛ ولذلك عدلوا إلى إفراد المضاف؛ لكونه أولى من التثنية؛ لخفته، ولكون المراد حاصلًا به -أي: بهذا المفرد- إذ لا يتبادر إلى ذهن أحد: أن المقصود هو معنى الإفراد في المضاف، أي: أننا إذا سمعنا قول العربي: أكلت رأس شاتين، لا يمكن أن يتبادر إلى الأذهان أن المأكول رأسًا واحدة لأحد الشاتين، ومن ذلك قول الشاعر:

حمامة بطن الواديين ترنمي

*سقيت من الغر الغوادي مطيرها

وفي رواية: سقاك من الغر الغوادي مطيرها، يريد: يا حمامة بطني الواديين: يدعوها إلى الترنم، والتغني بصوتها الجميل، ويدعو لها: بأن تسقى من السحب التي تنشأ فتمطر في وقت الغداة مطرًا صافيًّا رائقًا.

وقد يقع المفرد أيضًا موقع المثنى في كل اثنين يصطحبان -أي: يتلازمان- ولا يفارق أحدهما الآخر -أي: لا يغني أحدهما عن الآخر- كالعينين، والأذنين، والجفنين، والفخذين، ونحو ذلك، فإذا وقع أحدهما خبرًا عن الآخر أو صفة له أو نحو ذلك، فقد يُعاقِب الإفراد التثنية، وربما تعاقبا مطلقًا، ومعنى التعاقب: التناوب، فيجيئان على صورة من أربع صور:

الصورة الأولى -وهي الأكثر، والأفصح؛ لأنها الأصل-: وتكون بالمطابقة، فتقول مثلًا: أذناي سمعتاه، وعيناي رأتاه، وقدماي سعتا إليه، لاحظ المطابقة بين المبتدأ والخبر، فكلاهما جاء بالتثنية، المبتدأ مثنى، والجملة الفعلية اشتملت على ضمير التثنية العائدة إلى المبتدأ، ومن ذلك قول الشاعر -وهو ذو الرمة-:

وعينان قال الله كونا فكانتا

*فعولان بالألباب ما يفعل الخمر

لاحظ المطابقة في التثنية: عينا، كونا، فكانتا، فعولان.

وقال امرؤ القيس:

له أذنان تعرف العتق فيهما

*كسامعتي مذعورة وسط ربرب

أي: أن هذا الثور حاد السمع، وأذناه: كأذني بقرة مذعورة ذعرت، فنصبت أذنيها، وحددتهما، والربرب: القطيع من البقر.

وقد جاء البيتان -بيت ذي الرمة، وبيت امرئ القيس- على الصورة الأولى، فكلاهما مثنى، وكلاهما مطابق لصاحبه.

الصورة الثانية: أن تعبر عن العضوين بواحد، وتفرد الخبر حملًا على اللفظ تقول: عيني رأته: وأذني سمعته، وقدمي سعت إليه، وإنما استعملوا الإفراد في هذه الصورة تخفيفًا، وللعلم بما يريدون، فاللفظ على الإفراد، والمعنى على التثنية.

من شواهد ذلك: قول الشاعر في رثاء ابن هبيرة:

ألا ترى أن عينًا لم تجد يوم واسطٍ

*عليك بجاري دمعها لجمود

لاحظ المطابقة في الإفراد: عينًا، لم تجد، دمعها، لجمود.

ومن ذلك أيضًا: قول جرير يرثي قيس بن ضرار بن القعقاع:

أظن إنهمال العين ليس بمنته

*عن العين حتى يضمحل سوادها

لاحظ المطابقة في الإفراد: عن العين، سوادها.

الصورة الثالثة: أن تثني العضو، وتفرد الخبر؛ لأن حكم العينين أو الأذنين أو القدمين أو نحوهما حكم واحدة، لاشتراكهما في الفعل، تقول: أذناي سمعته، وعيناي رأته، وقدماي سعت إليه، لاحظ المبتدأ في العبارات: مثنى، والضمير العائد عليه من الخبر مفرد.

ومن ذلك قول أبي الطيب المتنبي:

حشايا على جمر ذكي من الغضا

*وعيناي في روض من الحسن ترتع

عيناي ترتع: عيناي: مثنى، وقد عاد عليها الضمير من ترتع بالإفراد.

وقول الآخر:

وكأن في العينين حب قرنفل

*أو سنبلًا كُحلت به فانهلت

في العينين بالتثنية، كحلت به: الضمير عاد عليها مفردًا، فانهلت: أي: هي أيضًا الضمير عاد عليها بالإفراد.

وكذلك قول امرئ القيس:

لمن زحلوفة زلوا

*بها العينان تنهل

العينان بالتثنية، تنهل: أي: هي، الضمير يعود على المثنى بالإفراد، والزحلوفة في البيت أو الزحلوقة: آثار أراجيح الصبيان على الميدان، والميدان: هو فسحة من الأرض متسعة، معدة للسباق أو للرياضة ونحوها، أو هي مكان الانزلاق، وزلوا: أي: زلق، وامرؤ القيس يتحدث عن قبر ينزلق فيه إنسان، والشاهد قوله: بها العينان تنهل، ولم يقل: تنهلان؛ لأن حكم حاسة العينين حكم حاسة واحدة

ومن ذلك أيضًا قول الفرزدق:

ولو بخلت يداي بها وضنت

*لكان علي للقدر الخيار

يداي بالتثنية، وضنت: الضمير يعود على المثنى بالإفراد

الصورة الرابعة: أن تعبر عن العضوين بواحد، وتثني الخبر أي: بعكس الصورة الثالثة، حملًا على المعنى، فتقول: أذني سمعتاه، وعيني رأتاه، وقدمي سعتا إليه، أذني بالإفراد، سمعتاه: الضمير من الخبر يعود على المبتدأ المفرد مثنى، وبقية الأمثلة

وهذه الصورة قالوا: إن استعمالها قليل، ومنه: قول امرئ القيس:

وعين لها حبرة بدرة

*وشُقت مآقيهما من آخر

عين: بالإفراد، مآقيهما: بالتثنية، ومن ذلك أيضًا قول الآخر:

إذا ذكرت عين الزمان الذي مضى

*بصحراء فلجن ظلتا تكِفان

تكفان: أي: تنهلان بالدموع، إذا ذكرت عيني: بالإفراد، ظلتا تكفان: بالتثنية.

ومن وقوع المفرد موقع المثنى كذلك: قوله تعالى: {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولآ إِنّا رَسُولُ رَبّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 16] ومن ذلك قوله عز وجل: {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشّمَالِ قَعِيدٌ} [ق: 17]

ب. وضع التثنية في موضع المفرد:

فمن ذلك: ما أعرب إعراب المثنى وهو مفرد لا يصلح للتجريد وعطف مثله عليه؛ وهو: إما اسم جنس: ككلبتي الحداد، وكلبتا الحداد: أداة واحدة مفردة، يأخذ الحداد بها الحديدَ المحمى، وإما: علم كالبحرين، وهو علم على الدولة المعروفة، وكالدونتين: وهو موضع، قال تميم بن مقبل يصف ذكرين من ذكور النعام بشدة العدو بأنهما: يكادان ينسلخان من جلودهما:

يكادان بين الدونكين وألوة

*وذات القتاد السمر ينسلخان

ومن وقوع المثنى موقع المفرد أيضًا قول الشاعر

إذا ما الغلام الأحمق الأمي سامني

*بأطراف أنفيه استمر مقارعًا

أراد بأطراف أنفه.

ثانيًا: التبادل بين المثنى والجمع:

قد يأتي المعرب إعراب المثنى ويراد به التكثير، كقوله تعالى: {ثُمّ ارجِعِ البَصَرَ كَرّتَيْنِ} [الملك: 4] {كَرّتَيْنِ} من المصادر المثناة التي لا يراد بها حقيقة المثنى، وإنما يراد بها التكثير، بدليل قوله تعالى: {يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ} [الملك: 4] أي: مزدجرًا وهو كليل، وهذان الوصفان: لا يأتيان بنظرتين أو ثلاث نظرات، وإنما المعنى: كرات كثيرة.

ومثل ذلك أيضًا: لبيك، وسعديك، وحنانيك، ودواليك، وهذاذيك، لا يريدون بهذه المصادر المثناة شفع الواحد، إنما يريدون التكثير، على أن التثنية تفيد التكثير لقرينة، كما يفيده قصرها وهو العطف لقرينة أيضًا كقول الشاعر:

لو عد قبر وقبر كنت أكرمهم

*ميت وأبعدهم من منزل الذام

يريد: لو عدت قبور كثيرة؛ ليتم المدح، والذام بتخفيف الميم: هو العيب، ومعنى لبيك: إقامة على إجابتك بعد إقامة، من ألبَّ بالمكان إذا أقام به ولزمه، ومعنى سعديك: إسعادًا لك بعد إسعاد، ولا يستعمل إلا بعد لبيك، ومعنى حنانيك: حنانًا عليك بعد حنان، ومعنى دواليك: تداولًا لك بعد تداول، والتداول: هو التناوب أي: تداولًا لطاعتك بعد تداول، ومعنى هذاذيك: إسراعًا لك بعد إسراع، وكلها مصادر مثناة لفظًا، مقصود به التكثير معنى.

وقد يقع الجمع في موقع التثنية: وذلك إذا أضيف جزءان أو ما هما كجزأين إلى ما يتضمنهما من مثنى المعنى، وإن لم يكن مثنى اللفظ، وسواء أكانت الإضافة صريحة -أي: حقيقية معنوية- كقوله تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4].

أم كانت الإضافة غير صريحة، أي: كانت لفظية، كقول الشاعر:

رأيت ابني البكري في حومة الوغى

*كفاغري الأفواه عند عرين

إضافة في الآية الكريمة حقيقية، وحل فيها الجمع وهو: قلوب، محل المثنى، والأصل: قلباكما؛ أما الإضافة في البيت فغير حقيقية، وهي في تقدير الانفصال؛ لأن المضاف وصف يشبه الفعل المضارع، والتقدير كفاغرين أفواههما، يعني: كأسدين فاتحين أفواههما عند عينهما، ذابين ومدافعين عن أشبالهما، وقد حل الجمع -وهو الأفواه- محل المثنى.

وذلك -كما سبق- أن العرب استثقلوا إضافة المثنى إلى المثنى في شيئين يربط بينهما علاقة الجزئية أو شبه الجزئية، والكلية، فعدلوا عن التثنية، فكان الجمع هنا أولى؛ لأنه شريك التثنية في معنى الضم، وفي مجاوزة الإفراد؛ ولذلك جاء به الكتاب العزيز كالآية السابقة من سورة التحريم، وكقوله تعالى: {فَاقْطَعُوَاْ أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] وهي في قراءة ابن مسعود “فاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا”.

ولم يضف المثنى إلى مثله مع علاقة الجزئية أو شبهها والكلية إلا في الشعر؛ اعتمادًا على الضرورة الشعرية، وكما قال الخليل: الشعراء أمراء الكلام.

ومن ذلك قول أبي ذؤيب الهذلي:

فتخالسا نفسيهما بنوافذ

*كنوافذ العبط التي لا ترقع

يصف في البيت مقاتلين، جعل كل واحد منهما يخالس الآخر، ويطعنه طعنات النوافذ -أي: طعنات النافذات- والعبط: جمع عبيط، وأصل العبط: شق الجلد الصحيح، ونحر الصحيح من غير علة، فإن لم يكن المضاف جزئي المضاف إليه، ولا كجزأيه، لم يعدل عن لفظ التثنية غالبًا، نحو: قبضت دِرْهَميكما، إذا قبضت درهمًا من كل واحد منهما، ونحو: ألَّف العالمان كتابيهما، إذا كان كل واحد منهما ألف كتابًا؛ لأن العدولة في مثل هذا إلى لفظ الجمع: قبضت دَراهمكما، وألف العالمان كتبهما، أو إلى لفظ المفرد: قبضت دِرْهمكما، وألف العالمان كتابهما، موقع في اللبس غالبًا، أما إذا أُمن اللبس جاز العدول إلى الجمع؛ سماعًا عند غير الفراء، وقياسًَا عند الفراء.

قال ابن مالك في (شرح التسهيل) الجزء الأول الصفحة السابعة بعد المائة مرجحًا رأي الفراء: ورأيه في هذا أصح؛ لكونه مأمون اللبس مع كثرة وروده في الكلام الفصيح.

وأورد ابن مالك عديدًا من الشواهد، وفي مقدمتها شواهد من الحديث النبوي الشريف، كقول النبي صلى الله عليه  وسلم لأبي بكر وعمر رضي الله  عنهما: ((ما أخرجكما من بيوتكما…)) وقوله صلى الله عليه  وسلم لعلي وفاطمة رضي الله  عنهما: ((إذا أويتما إلى مضاجعكما فسبحا الله تعالى ثلاثًا وثلاثين…)) الحديث.

ثالثًا: التبادل بين المفرد والجمع:

كثيرًا ما يقع المفرد في موقع الجمع، وقد اتسع هذا فيما كان على وزن “فعيل” وقد ذكر ابن شجري في (أماليه) الجزء الثاني الصفحة الثانية عشرة بعد المائتين من أمثلته: إيقاع كثير في موضع كثيرين، وقليل في موضع قليلين، قال: ومن ذلك: قوله تعالى في مفتتح سورة النساء: {وَبَثّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً} [النساء: 1] وقوله عز وجل: {وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِيَ الشّكُورُ} [سبأ: 13].

ومن ذلك أيضًا: {رَفِيقاً} في قول المولى -جل شأنه-: {وَحَسُنَ أُولَـَئِكَ رَفِيقاً} [النساء: 69] {نَجِيّاً} في قوله -تبارك وتعالى-: {فَلَمّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً} [يوسف: 80].

قالوا: أوقع نجيًّا، وأصله: نَجُويًّا “فعولًا” في موضع: أنجية، كما قال الراجز:

إني إذا ما القوم كانوا أنجية

*…. …. …. ….

ومن ذلك أيضًا: {ظَهِيرٌ} في قول المولى عز وجل: {وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} [التحريم: 4]. ومن وضع:  “فعيل” في موضع الجمع كذلك قول الشاعر، المعروف بالراعي، يذم عمال الصدقات، الذين كانوا يجمعون الزكاة في عهد عبد الملك بن مروان، قال:

أَخَذوا المَخاضَ مِنَ الفَصيلِ غُلُبَّةً

*ظُلماً وَيُكتَبُ لِلأَميرِ أَفيلا

يقول: إن هؤلاء العمال يأخذون المخاض -وهي: النوق الحوامل- بدل الفصيل -وهو ولد الناقة الصغير- الذي فصل من أمه، غلبة: أي: غلبة وقهرا وظلمًا، ويكتبون لأمير المؤمنين أنهم أخذوا الإيفال -أي: الصغار- والشاهد: وضع الفصيل في موضع الفصال، ووضع الأفيل في موضع الإيفال، من باب وضع “فعيل” المفرد في موضع الجمع.

ومما يوضع موضع الجمع مع كونه بلفظ المفرد:

“فعول” ومن ذلك: {عَدُوّ} في نحو قوله تعالى: {وَهُمْ لَكُمْ عَدُوّ} [الكهف: 50].

و”فِعل” كطفل في نحو قوله تعالى: {ثُمّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} [الحج: 5] ومثله كذلك: {ثُمّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} [غافر: 67].

ومنه أيضا “فَعَلٌ” في نحو قوله عز وجل: {إِنّ الْمُتّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَهَرٍ} [القمر: 54] أي: في جنات وأنهار.

ومنه قوله سبحانه: {وَالْمَلَكُ عَلَىَ أَرْجَآئِهَآ} [الحاقة: 17] أراد: والملائكة على جوانبها.

ومن ذلك أيضًا: مجيء السماء بمعنى: السماوات، والأرض بمعنى: الأراضين، كقوله تعالى: {ثُمّ اسْتَوَىَ إِلَى السّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} [فصلت: 11] والسماء سبع، والأرض سبع، يدلك على ذلك قوله -عز من قائل-: {اللّهُ الّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنّ} [الطلاق: 12].

ومن وضع المفرد في موضع الجمع كذلك: لفظ: {الإِنسَانَ} في نحو قوله تعالى: {وَإِنّآ إِذَآ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا} [الشورى: 48] بمعنى: الناس، فلذلك قال المولى -جل شأنه- في بقية الآية الكريمة {وَإِنّآ إِذَآ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا}.

ومما جاء بلفظ المفرد مراد به الجمع: {الْمُفْسِدَ} و{الْمُصْلِحِ} في نحو قوله تعالى {وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} [البقرة: 220] أي: يعلم المفسدين من المصلحين.

ومنه: قول الراجز:

إن تبخلي يا جُمل أو تعتلي

*أو تصبحي في الظاعن المولي

أراد: في الظاعنين الموليين.

وكما وضع المفرد في موضع الجمع، وضع كذلك الجمع في موضع المفرد، ومن ذلك قولهم: شابت مفارقه، والمفرق واحد، جعلوا المفرق مواضع، كأنهم سموا كل موضع: مفرقًا، قال جرير:

قال العواذل ما لجهلك بعدما

*شاب المفارق واكتسين قتيرًا

ومعنى البيت: أن النساء العواذل يعجبن من جهله وافتتانه في تلك السن، والقتير: هو الشيب، واشتقاقه من القتر، وهو الغبار، فكأن شيبه الغبار في لونه.

ومن ذلك أيضًا قولهم للبعير: ذو عثانين، وعثانين: جمع عثنون، والعثنون: شعيرات طوال عند مذبح البعير والتيس، وكأنهم جعلوا كل شعرة منها عثنونة.

ومن وضع الجمع في موضع الواحد كذلك: قول الشاعر:

والزعفران على ترائبها

*شرق به اللبات والنحر

وضع: الترائب في موضع التريبة، واللبات: في موضع اللبة، وتريبة الصدر، واللبة: الموضع الذي يكون عليه طرف القلادة، وإنما جمع التريبة واللبة بما حولهما، كأنه يسمي ما جاور التريبة: تريبة، وما جاور اللبة: لبة.

error: النص محمي !!