Top
Image Alt

التجرد والزهد

  /  التجرد والزهد

التجرد والزهد

ومن أهم الصفات التي ينبغي للداعية أن يتحلى بها: التجرد والزهد:

والتجرد: هو الجد في نشر الدعوة، والاجتهاد في تبليغها، والتفرغ لها، وتقديمها على غيرها من مصالح الإنسان الخاصة، والزهد: هو عدم التطلع إلى ما في أيدي الناس والاقتناع بما قسم الله من الرزق، وعدم تعليق القلب بالدنيا وزخارفها، وهاتان الصفتان -التجرد والزهد- من أهم أسباب نجاح الدعاة في مهمتهم؛ لأن الداعية إلى الله إذا لم يجد ويجتهد في نشر الدعوة كسل وتبلّد، والكسل والبلادة قعود عن الحق وإهمالٌ للواجب، ولا يمكن لكسلان أن يقوم بحقّ الدعوة، كما لا يتمكن البليد من تبليغها، ولأن تعليق القلب بالدنيا والاشتغال بتحصيلها يحول بين الداعية وبين الناس، فلا يجتمع عليه أحد ولا يكون في قلبه مكان لدعوته؛ حيث استحوذت الدنيا على قلبه وملكت عليه حواسه، ومن استولت الدنيا على قلبه سخّرته لخدمتها، وعندئذ لا يكون فيه مكان للآخرة؛ لأن الدنيا والآخرة ضرتان، والدعوة لا تنتشر إلا بالعمل الجاد الدائب والبذل المستمر الذي لا ينقطع.

وكيف يبذل للدعوة من همه جمع المال، بل كيف ينفق في الدعوة من غايته تحصيل الدنيا وجمع حطامها، إن التكالب على الدنيا والحرص على جمع المال والانغماس في الشهوات وبذل أقصى الجهد في مسابقة الناس على الدنيا- كل ذلك يؤدي إلى الانصراف عن الحق الذي هو مهمة الدعاة، وتشبث بالباطل الذي هو مِعْول هدم في الدعوات؛ ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه من بعده -رضوان الله عليهم أجمعين- كانوا أبعد ما يكونون عن الدنيا، حتى إن النبي -صلى الله عليه وسلم لم يشبع من خبز الشعير مرتين في يوم واحد، وكان ينفق نفقة من لا يخشى الفقر، جاءه رجل فرأى غنمًا بين واديين أو بين جبلين، فنظر إليها فقال له -صلى الله عليه وسلم: ((أيسرك أن تكون لك؟ قال: نعم يا رسول الله، فأمر بها له، فرجع الرجل إلى قومه يقول: يا قوم أسلموا؛ فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخاف الفقر)).

ويذكر الواقدي في (المغازي) أن النبي -صلى الله عليه وسلم أعطى صفوان بن أمية يوم حنين واديًا مملوءا إبلًا ونعمًا، فقال: “أشهد ما طابت بهذا إلا نفس نبي” وكان صفوان يقول: “أعطاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم ما أعطاني وإنه لمن أبغض الناس إليّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليّ”، وهكذا ترى أيها الداعية أن الرسول -صلى الله عليه وسلم تجرّد لدعوته ولم يشغل قلبه بأعراض الدنيا، ولم تتطلع نفسه الشريفة إلى شيء من متاعها، بل كان يبذلها بسخاء ويعطيها لمن يتألفهم؛ ليكسبهم أتباعًا لدعوته وحماة لشريعته، وكان يقول: ((ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها)) ولقد سار خلفاؤه الراشدون } سيرته، ونهجوا نهجه فجدُّوا في نشر الدعوة وأرسلوا الدعاة إلى الأمصار يحملون الهدى للناس، ولم يجمعوا شيئًا من الدنيا، وقد فُتحت عليهم وحُملت إليهم كنوزها، فعافوها وبذلوها طائعين في نصرة الدين وتأليف قلوب المستجدين، حتى مات أبو بكر -رضي الله عنه-ولم يزد ماله الذي كان عنده قبل الخلافة درهمًا، بل نقص، وتوفي عمر -رضي الله عنه-ولم يكن في بيته غير نفقته المعهودة، حقّا لقد تجردوا لدعوتهم وزهدوا في الدنيا وقد واتتهم مرغمة، حتى انتصر الإسلام وعز المسلمون.

إن الذين يتنافسون على لذيذ الطعام وشهيّ الشراب ببطن لا تشبع، ويتطلعون للقصور الشامخة والمراكب الفارهة بعينٍ لا تدمع من خشية الله، ويسابقون غيرهم إلى الزوجات الفاتنات ويتشوقون للبنين والبنات بقلوب لا تخشع- إن هؤلاء جميعًا لا يصلحون لحمل هذه الدعوة ولا يطيقون مواصلة السير إلى نهاية الشوط؛ لأن شرف العمل لهذه الدعوة لا يناله من يضنّ عليها بوقته، ويعطيها ساعة من فراغه، ولا يحصل عليها من يبخل عليها بماله ويبذل لها نافلته، ولا يحظى به من جعل الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه، وجعل الدعوة دبر أذنه وخلف ظهره.

إن شرف الدعوة إلى الله لا يناله إلا المتجردون لها، الباذلون أقصى الجهد في تبليغها، المقدمون لها على أولادهم وأزواجهم وبيعهم وشرائهم وأحسابهم وعشائرهم، أولئك هم المؤمنون حقًّا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم.

error: النص محمي !!