Top
Image Alt

التحديث، والشعر الحر

  /  التحديث، والشعر الحر

التحديث، والشعر الحر

مَضَى الشعر العربي في إبداعه وتجديده مع المحافظة على القواعد الموروثة للقصيدة العربية، إلى أن ظهرت الدعوة إلى الثورة على القديم، والثورة على نظام القصيدة العربية، والثورة على القافية في القصيدة العربية، وعلى الوزن في القصيدة العربية، وعلى النظام الذي قامت عليه القصيدة العربية، وهو ما يسمى بـ”وحدة البيت” المكوَّن من شطرين، هذا ما حدث عندما ظهرت في نهايات العَقد الرابع من القرن العشرين الدعوةُ إلى ما يُسمى بـ”الشعر الحر”.

جاء أصحاب الدعوة إلى الشعر الحر لا ليتبعوا آثار سابقيهم في التجديد ويسيروا في طريقهم، وإنما ليكون تجديدهم الذي دعوا إليه ثورةً وتمردًا على النمط المتوارث، والقواعد المعروفة في بناء القصيدة العربية من جهة الموسيقى، وقد برَّر أصحاب هذه الدعوة ما دعوا إليه بأن العصر مختلف، وأن المُبدعين يجب أن تكفل لهم حرية الإبداع، وأن الشاعر ينبغي أن يكون حرًّا من كل قيد، وأن النظام المتوارث للقصيدة العربية لا يصلح الآن في النصف الثاني من القرن العشرين -هكذا كانوا يقولون- لا يصلح للتعبير عن هموم الإنسان العربي وواقعه، وكل ذلك في نظرهم يستدعي نظامًا جديدًا للقصيدة العربية، وقد تأثروا في هذه الدعوة بالأدب الغربي، والشعر المتحرر من النظام الموسيقي في الأدب الغربي، وبدأ يظهر نوع أو نَمَط جديد من الكتابة الشعرية، ومن المقالات التي تشجع على هذا النمط وتؤيده، وأفسحت المجلات التي كانت تصدر في هذا الوقت في العراق وفي لبنان وفي غيرهما في صفحاتها لنشر هذه النماذج الجديدة، وبدأ في العراق وانتشر في لبنان، ثم انتشر في مصر، وتعددت الأسماء التي أُطلقت على هذا اللون الجديد، فقد سمي “شعرًا حرًّا”، وسمي “الشعر المطلق”، وسمي “الشعر الجديد”، وسمي “شعر اليوم”، وسمي “شعر التفعيلة”.

وتنازع الداعون إليه الريادة فيه، وتكاثر المدَّعون الذين يدَّعي كل واحد منهم أنه أوّل مَن كتب هذا الشعر، وكثير من الدارسين يرى أن أول ظهور لهذا الشعر المتحرر من وحدة الوزن ووحدة القافية، والذي يسمَّى بـ”الشعر الحر”، كان عام ألف وتسعمائة وسبعة وأربعين بظهور ديوان (أزهار ذابلة) للشاعر العراقي بدر شاكر السياب، وديوان (عاشقة الليل) للشاعرة العراقية نازك الملائكة، ثم سار في هذا الركب عبد الوهاب البياتي وغيره من العراقيين، واتجه هذه الوجهة من شعراء مصر عبد الرحمن الشرقاوي، وصلاح عبد الصبور، وأحمد عبد المعطي حجازي،… وغيرهم.

وقد صاحب نشأة هذا اللون الجديد من الشعر دعواتٌ كثيرةٌ تدعو إلى تحطيم عمود الشعر العربي، وإلى تحطيم قواعد اللغة العربية، والبلاغة العربية، وتزعَّم هذه الدعوات أناسٌ لهم انتماءاتٌ فكريةٌ معينةٌ؛ منهم: شبلي ملَّاط، ونيقولا حداد، وسلامة موسى، ولويس عوض. وكل هذا المصادر الثقافية التي رُبُّوا عليها يمكن أن تكون معاديةً أو مخاصمةً للثقافة العربية الأصيلة.

على أي حال؛ مضت الدعوة إلى هذا الشعر الجديد -أو إلى الشعر الحر- تسلك طريقها، ورغم مقاومة الأدباء والنقاد المحافظين وغير المحافظين، وذهابهم إلى أن هذا اللون من التحرُّر لا يخدم الفن، ولا يخدم التجديد، وذهب كثير من النقاد والدارسين إلى أن هذا الشعر باطِّراحه الوزنَ والقافيةَ يخرج عن مجال الشعر ويكون نثرًا، مع هذا كله استمرَّت الموجة في الاستمرار، واستمرَّ الشباب المتحمس للتجديد، يكتب في هذا الإطار إلى أن بَدَا أن الطريقة المحافظة التي يكتب أصحابُها ملتزمين بوحدة القافية أو بتنويع القافية مع المحافظة على الوزن، الذين يقيمون بينهم وبين الإطار المتوارث نسبًا، بَدَا أن أصحاب هذا اللون غرباءُ في زحمة الشعر الحر الذي تحمَّست له كثير من المجلات في لبنان وفي العراق، ثم بعد ذلك في مصر وفي الشام.

ولقد وضع هؤلاء المتحمسون للشعر الحر النُّموذج الغربي خاصةً قصيدة مشهورة للشاعر “إليوت” هي قصيدة “الأرض الخراب” جعلوها نموذجًا يحتذَى، يبدو هذا مثلًا من كلام أحد الشعراء الذين تحمسوا لهذا اللون وكتبوا فيه، وهو الشاعر المصري صلاح عبد الصبور، يقول:

“إن الذي أخرجه هو وناشئة الشعراء من إيثار التقليد الشعري الذي يؤثر أن تكون للشعر لغته الخاصة المجاوزة للغة الحياة، البعيدة عنها في بعض الأحيان، وأخرجهم من عباءة المدرسة الرومانتيكية العربية بموسيقاها الرقيقة، وقاموسها اللغوي المنتقى الذي تتناثر فيه الألفاظ ذوات الدلالات المجنحة، والإيقاع الناعم، إنما هو توقفه -أي: الذي أخرجه عن كل هذا- عند الشاعر “إليوت” ولا سيما جسارته اللغوية”.

يقول صلاح عبد الصبور:

“كانت السليقة العربية التي أنبتتنا تنكر أبياتًا كهذه الأبيات من قصيدة: الأرض الخراب”.

ويأتي بترجمة هذه الأبيات التي تقول:

في الساعة البنفسجية

ساعة المساء التي تقود إلى البيوت

و تعيد البحّار من البحر إلى وطنه

عاملة الآلة الكاتبة في منزلها في وقت الشاي

 لتنظف المائدة من بقايا الإفطار

ولتشعل الموقد

وتخرج الطعام من علبة الصفيح

لقد تدلت من النافذة منشورة خوف السقوط

أطقمها الداخلية وهي تجف

التي لفحتها أشعة الشمس الغاربة

وتكومت على الأريكة التي تتخذها سريرًا في المساء

جواربها وخفها وقمصانها ومشداتها

هذه الألفاظ وهذا القاموس الجديد الذي ورد في ترجمة هذه القصيدة، هو الذي استوقف الشاعر صلاح عبد الصبور، وأغراه بأن يترك وأن يهجر اللغة الخاصة للشعر العربي والطريقة الرومانتيكية في التصوير، وهذا ما يُسمى عندهم بـ”التعبير الواقعي”، أو “لغة اليوم”، أو “لغة الكلام اليومي”، و”لغة الرجل العادي”، أرادوا أن ينقلوا هذه اللغة إلى الشعر، أو أن ينقلوا الشعر إليها، وهم يحتجُّون أن هذه الطريقة هي المناسِبة لهموم العصر ولإنسان العصر، وللتعبير عن همومه ومشكلاته.

وهذا التأثر بأسلوب التعبير الغربي -الذي أشرنا إليه- هو الذي أكدته نازك الملائكة في مقدمة ديوانها المعنون (شظايا ورماد) إذ ذكرتْ أن الشعر العربي يقف على حافة تطور جارف عاصف، ولن يُبقي من الأساليب القديمة شيئًا، فالأوزان والقوافي والأساليب القديمة والمذاهب ستتزعزع قواعدها جميعًا، والألفاظ ستتسع حتى تشمل آفاقًا جديدةً واسعةً من قوة التعبير، والتجارب الشعرية -أي: الموضوعات- ستتجه اتجاهًا سريعًا إلى داخل النفس بعد أن كانت تحوم حولها من بعيد، وتؤكد نازك الملائكة أن ذلك هو النتيجة المنطقية لإقبالنا على قراءة الآداب الأوروبية، ودراسة أحدث النظريات في الفلسفة والفن وعلمي الاجتماع والنفس.

إذًا؛ هذه هي الوجهة التي اتجهت إليها دعوة التجديد في الشعر العربي منذ نهاية النصف الثاني من القرن العشرين، وظَهَرَ الشعرُ الحرُّ الذي ترك وحدة البيت، واتخذ السطر الشعري -كما يقولون- وَحدةً له بدل البيت، واختفى من القصيدة نظام الشطرين، وقالوا: إن السطر الشعري يمكن أن يقصر ويطول حسب الدفقة الشعورية عند الشاعر.

وحافظ الرعيل الأول من هؤلاء المجددين على الوزن الشعري، وعلى الرغم أنهم أهدروا القافية، لكنهم نوعوا في عدد الأوزان أو عدد التفعيلات في كل سطر، وناسب أن يسمى شعرهم هذا بـ”شعر التفعيلة”.

من هذا مثلًا قول الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي في قصيدته بعنوان “الذي كان يغني” يقول فيها:

على أبواب طهران رأيناه

رأيناه

يغني

عمر الخيام يا أخت ظنناه

على جبهته جرح عميق فاغر فاه

يغني أحمر العينين

كالفجر بيمناه

رغيف مصحف قنبلة كانت بيمناه

يغني عمر الخيام يا أخت

حقول الزيت والله

يغني طفله المصلوب في مزرعة الشاه

وكان الموت أواه

على مقربة منه

على أطراف دنياه

وناداه وناداه

صياح الديك أختاه

وخلفناه في الساحة

لا تطرف عيناه

وداعًا قالها واختفت في فمه الآه

وداعًا لك يا بيتي وداعًا لك أماه

ودوت طلقة واحتقنت في فمه الآه

على أبواب طهران رأيناه

يغني الشمس في الليل

يغني الموت والله

على جبهته جرح عميق فاغر فاه

ويقول بدر شاكر السياب في قصيدته “ليلة وداع إلى زوجتي الوفية”:

أوصدي الباب فدنيا لست فيها

ليس تستأهل من عيني نظرة

سوف تمضين وأبقى

أي حسرة

أتمنى لك ألا تعرفيها

آه لو تدرين ما معنى ثوائي في سرير من دمي

ميِّت الساقين محموم الجبين

تأكل الظلماء عيناي ويحسوها فمي

تائهًا في واحة خلف جدار من سنين

وأنين

إذن هنا وحدة السطر وليست وحدة البيت، وهنا اختفى نظام الشطرين، وكل سطر يختلف عن السطر الآخر في عدد التفعيلات، واستمرت الكتابة على هذا اللون المتحرّر، فأغرت هذه الحرية كثيرًا من الشباب الذين لا حظَّ لهم في الذوق، ولا نصيبَ عندهم من الموهبة، ولا صلة لهم بالثقافة الأدبية، أغرتهم بأن يكتبوا كلامًا لا ضابطَ له، ولا رابط، ولا قاعدة، وظنوا أن هذا هو الشعر الحر، وأنهم بذلك شعراء وأدباء، وللأسف أفسحت المجلات في كثير من صفحاتها لنشر نَمَاذِجَ تَافِهَةٍ لا تدل على موهبةٍ، ولا تحمِلُ فِكرةً، ولا تَحْمِلُ شُعورًا، وأفسدوا كثيرًا في الحياة الأدبية بهذه النماذجِ التافهةِ الهابطةِ، وكثر الغَثُّ كثرةً مفرطةً تحت دعوى “الشعر الحر”!!.

لكننا مع ذلك نقرر: أن هناك شعراء كثيرين لهم قَدَم راسخة في الثقافة العربية، وعندهم حظ كبير من الموهبة الشعرية الأصيلة، وكانوا يكتبون القصيدة العربية التقليدية الموزونة المقفَّاة، ولكن الشكل الجديد استهواهم فكتبوا فيه، وكانت كتابتهم فيه تحمل تجربة حقيقية، ويعبرون عن أفكار، ويعبرون عن مشاعر، ويمتلكون اللغة القادرة على التعبير، واستطاعوا أن يختاروا ألفاظهم بعناية، وأن يضعوها في هذا الإطار الجديد، وكثرت هذه التجارب عندهم حتى عُرِفوا بها؛ منهم: الشاعر فاروق شوشة، والشاعر محمد إبراهيم أبو سنة، وشعراء الموجة الأولى كذلك من شعراء العراق: بدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، وفي مصر يمكن أن نجد نماذج أيضًا جيدة لأحمد عبد المعطي حجازي،… وغيرهم.

من هذا الشعر الجيد الذي يمكن أن تجد فيه تجربةً فكريةً ونفسيةً قصيدة “النسور” للشاعر محمد إبراهيم أبو سنة، يقول فيها:

النسور الطليقة هائمة

في الفضاء الرمادي

ترصد موقعها في أعالي الجبال

إنها تتذكر شكل السهول بخضرتها

بتدفق غدرانها

والأرانب تقفز في العشب مثل اللآل

تتذكر والجوع يحرق أحشاءها

فتمدد نظرتها للمحال

تتعالى تحلق مثل الشموس التي أفلتت من مداراتها

يصبح الأفق ملكًا لها

والنجوم مناراتها

والخلود احتمال

عندها تأخذ الكبرياء

التي قتلت جوعها

تتمدد تنسَى

تراب السهول

اخضرار الحقول

انبساط الرمال

ثم يقول:

في المضيق العميق الأرانب

قابعة في انتظار المصير المدجج بالموت

تأكل أعشابَها بالفرار إلى الجحر

ترجف بالخوف بين الظلال

النسور الطليقة في الأفق تعرف مصرعها

والعيون التي تترصدها

والنصال التي تتعاقب خلف النصال

النسور الطليقة في الأفق ترفع هاماتها وتحلق

تعلو وتخفق بالزهو لا تتذكروا خضر السهول بخيراتها

تتعقب ورد الذُّرى في الفضاء السحيق وحلم الكمال

ففي هذه القصيدة يريد الشاعر أن يعبر عن حياة وحياة؛ حياة فريق من الناس، وحياة فريق آخر، فالنسور ترمز إلى طائفة من الناس تتعلق بالمثل العليا، ولها طموح أن تحيا حرةً طليقةً، وأن تصل إلى أعلى درجات الكمال حتى لو جاعت وانتصرت على شهوة الطعام عندها، ونسيت السهول الخضر، وحلقت وارتفعت وارتقت قمم الجبال، هذه هي النسور، وحالتها يشبِّه بها الشاعر حالةَ الذين يريدون أن يحيوا حياة عزيزة كريمة، يتعالون فيها على المطالب الهينة الدنيئة من مطالب الحياة، فهؤلاء الناس لا تستعبدهم بطونهم، ولا يستعبدهم طعامهم وشرابهم، ويضحُّون من أجل حياة الحرية والكرامة والمجد والإباء، في المقابل هناك أناس يشبهون الأرانب، يعيشون في المضايق، يفزعون ويفرون، يحتمون بالفرار، كل همهم أن يؤمَّن لهم طعامهم وشرابهم، فَفَرْق كبير بين أناس وأناس، وبين حياة وحياة.

هذه القصيدة تحمل هذه الأفكار، ووراءها بالتأكيد تجربة نفسية أوحت بها، واللغة لغة رشيقة، والألفاظ منتقاة، والشاعر يحافظ على قواعد النحو، وعلى فصاحة الألفاظ، وعلى سلامة التراكيب، لكنه ترك النظام القديم للقصيدة العربية، النظام المبني على وحدة القافية، وتساوي الشطرين ووحدة البيت.

ولأبي سنة وفاروق شوشة وغيرهما من الشعراء تجارب كثيرة جيدة في هذا المجال، مجال الشعر الحر أو شعر التفعيلة.

لكننا مع ذلك نقرر أن كثيرًا من النقاد لم يعترفوا بهذا الشعر على أنه شعر، وكان العقاد إلى أن مات يرى أن هذه الكتابة أولى بأن تكون من مجال النثر، وليس من مجال الشعر.

ومن النماذج الجيدة لهذا الشعر كذلك، قصيدة الشاعر فاروق شوشة وعنوانها “الليل والمشانق” والتي يقول فيها:

وكيف تنام

وكفك فوق الزناد

ورأسك مشتعل بالحريق

تشعب سيل الفصائل

وحان شَتات القبائل

فكل بواد وكل ينادي

وكل لغايته في طريق

فكيف الأكف الشتيتة تهتز كفًّا

وكيف الصفوف البديدة ترتج صفًّا

وكيف تنام

وأنت الرفيق

تحاذر خَطْو الطريق

وهجس الشقيق

وحارسك المرتجى لا يفيق

وما عدت تدري

وسيل الرصاص بكل اتجاه

أيأتيك من خائن أو صديق

وكيف تنام

وكل الهموم وِساد

وكل الحشايا سهاد

وكفك فوق الزناد

مصوبة وحدها للمضيق

فالقصيدة -كما يبدو- تصور مأساة وطن مزقت الفرقةُ أهلَه، وتداعت عليه الأخطار من كل اتجاه، وبين الترقب والحذر والأمل في النجدة، يحاول هذا الوطنُ الخروجَ من دائرة الخطر، والشاعر -كما ترى- لم يخرق قواعد اللغة، ولم يغرب في التصوير، ولم يقدم ألغازًا وطلاسمَ بدعوى الكشف والسحر؛ لأنه في الحقيقة أُصيبت هذه الموجة من التجديد -الشعر الحر- بداء مميت اسمه داء الغموض، فكثير من النماذج تنشر لا يستطيع المرء أن يفهم منها شيئًا، ولا أن يُحس فيها بشيء. وهذه النماذج التي يغطّيها الغموض تنشر تحت عنوان: الإبداع والتجديد، وتنشر لأسماء أخذت في الثقافة العربية وفي عالم الشعر العربي الحديث مكانًا مرموقًا بسبب الإعلام والترويج لها ولِمَا تكتب.

ولكن عندما يقرأ الإنسان مثل هذه القصيدة للشاعر الملقب بـ”أدونيس” مثلًا؛ إذ يقول:

المرايا تُصالح بين الظهيرة والليل

خلف المرايا جسد يفسح الطريق

لأقاليمه الجديدة

في ركام العصور

ماحيًا نجمة الطريق

بين إيقاعه والقصيدة

عابرًا آخر الجسور

أو قتلت المرايا؟

لست أدري

ومزجت سراويلها النرجسية

بالشموس

ابتكرت المرايا

هاجسًا يحضن الشموس

وأبعادها الكوكبية

هذه قصيدة أو جزء من قصيدة لا يستطيع المرء أن يفهم منها شيئًا، ولا أن يحس بشعور ما، حتى إننا نتحير في قراءة بعض الجمل؛ بسبب هذا الغموض الذي يغلفها.

ومن هذا أيضًا قول محمد عفيفي مطر:

صحت من غاشية الإشراق

وجلال النوم الحي

فمِن تذكر شظايا النار الباردة

وعروق الماء المتوهج

وملامسة النجوم المنطفئة إذ تزدهر ألوانها

هي الرجرجة على ماء المعرفة

ويقظة الطفولة على جريان الأحداث وعلم النسيان

هذا أيضًا كلام غريب وعجيب، ويلفه الغموض، ولا أدري: ما هذه النجوم المنطفئة؟ ولا الماء المتوهج؟ ولا جلال النوم الحي؟! فكلها تعبيرات غامضة.

وهذه التجارب الغامضة في الحقيقة أساءت إلى هذا اللون من الشعرِ الجديدِ.

لكن هل توقفت الدعوة إلى التجديد عند هذا الحد؟ هذا ما سنعرفه.

error: النص محمي !!