Top
Image Alt

التحقيق في مسألة اختلاف المفسرين

  /  التحقيق في مسألة اختلاف المفسرين

التحقيق في مسألة اختلاف المفسرين

إن التحقيق في مسألة الاختلاف، هو أنه واقعٌ فعلًا، وأنه يئول إلى أحد وجهين:

أحدهما: اختلاف تنوّع لا تناقض فيه.

والثاني: اختلاف حقيقي متعارض؛ بل ومتناقض في بعض الأحيان؛ بحيث لا يمكن الجمع، أو التوفيق بين أفراده بأي حال.

كما يمكننا القول: إن جملة الاختلاف المأثور عن السلف رضي الله عنهم هو من النوع الأول، كما نبّه ابن تيمية، في حين أن جملة الاختلاف في التفسير بين أهل الأهواء والبدع، هو من النوع الثاني المتعارض المتناقض، ولا عجب في ذلك بعد أن رأينا أن مردّ هذا الاختلاف إلى الهوى والاجتهاد المذموم.

وإذا عرف ذلك، أصبح سهلًا علينا أن نُعلن ثقتنا بأن كتاب الله عز وجل محكمٌ مترابطٌ لا ينقض بعضه بعضًا، ولا يكذب بعضه بعضًا، وإدراك هذا الأمر سهلٌ يسير على من اتّبع منهج التفسير الصحيح؛ سواء أكان نقلًا أثريًّا صحيحًا، أو اجتهادًا عقليًّا صريحًا، وصدق الله إذ يقول: {أَفَلاَ يَتَدَبّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً} [النساء:82]، وعلى هذا كانت وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روى الإمام أحمد بسنده، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، قال: لقد جلست أنا وأخي مجلسًا ما أحب أن لي به حمر النعم، أقبلت أنا وأخي، وإذا مشيخة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوسٌ عند باب من أبوابه، فكرهنا أن نفرق بينهم فجلسنا حَجرة؛ إذ ذكروا آيةً من القرآن، فتماروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم ((فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضبًا قد احمرّ وجهه يرميهم بالتراب، ويقول: مهلًا يا قوم بهذا أُهلكت الأمم من قبلكم باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضًا؛ بل يصدق بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم به فردّوه إلى عالمه))، فمن الواضح في هذا الحديث، أن مردّ الاختلاف المذموم هو القول على الله تعالى بلا علم، وقد جاء النهي عن ذلك، في قوله تعالى: {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف:33]، ويمكن تحديد منهج تفسير كتاب الله وفق هذا الحديث، بردّ ما لا نعلم من تفسير كتاب الله إلى من يعلم؛ فإن كان مما للعلماء إليه سبيل رددناه إليهم، وإن كان مما استأثر الله تعالى بعلمه توقفنا، وبهذا نسلم من التهجم على مراد الله –تعالى- ويسلم القرآن من نسبة التعارض إليه زورًا وبهتانًا.

وختامًا يمكننا أن نقول: إن من توفيق الله عز وجل أن قد أَلْمَمْنَا في هذا المباحث الموجزة، بحقيقة الاختلاف في تفسير القرآن وبأهم أسبابه، وأشير في هذه الخاتمة إلى أهم الفوائد والاستنتاجات؛ فأقول وبالله التوفيق:

  1. 1.  تبيّن لنا في هذا البحث، أن الاختلاف في التفسير حقيقة واقعة لا مجال لغض الطرف عنها، وأن هذا الاختلاف قد يترتّب عليه من المفاسد والشبهات ما يوجب تحرير القول فيه، وضبط أسبابه من أجل تفنيد هذه الشبهات، ووقاية المسلمين منها.
  2. 2.  إن من الاختلاف في التفسير ما هو اختلاف بحسب الظاهر وليس اختلافًا حقيقيًّا؛ بل هو من اختلاف التنوع الذي لا تعارض فيه، وهذا لا ضرر من وقوعه -بل ربما كان وقوعه مطلوبًا من جهة كمال عرض المعاني وتفصيلها وتقريبها للمستمع- ولا يعني هذا أن يتحرّى هذا الاختلاف ويطلب لذاته، وإنما المعنى أن ما وقع منه اتفاقًا لا يقدح في المفسِّر، كما أنه لا يقدح في المفسَّر قطعًا.
  3. 3.   إن من الاختلاف في التفسير ما هو اختلاف حقيقي مآله إلى التعارض الذي لا يمكن التوفيق بين أفراده، وإن المتدبّر في أسباب هذا الاختلاف يجد أن البدع والأهواء، وتحكيم الرأي في النصوص وتقديم العقل على النقل يمثل أهم أسباب هذا الاختلاف، وبالتالي فإنه اختلاف مذمومٌ من جهة الدوافع والوسائل والمآلات، وهذا النوع من الاختلاف يقدح في المفسِّر ولكنه لا يقدح في المفسَّر؛ بل إن نسبته إلى مراد الله تعالى من كلامه نسبةٌ مدَّعاة.
  4. 4.  تبيّن معنًا أيضًا أن تفسير القرآن الكريم لا يسلم من الخطأ بمجرّد الاعتماد على ما يسوغ في اللغة؛ بل لا بد من مراعاة مقتضيات الشرع وأصوله من حيث معرفة أن هذا القرآن الكريم هو كلام الله تعالى فيراعي خصائص المتكلم، وأن هذا القرآن جاء لهداية البشر فيراعي ما يليق بمقتضيات هذا المقام.
  5. 5.  وأخيرًا أقول: إن من السلبيات المشاهدة في عصرنا الحالي وفرة وانتشار المطبوعات من تفاسير القرآن الكريم المختلفة بين العامة، وهم لا يملكون أدوات التمييز ما بين هذا المطبوع من جهة صحته إن كان نقلًا، أو صوابه إن كان عقلًا، وهذا يؤدّي إلى بلبلة شديدة في عقول العامة وتشتيت وضياع، وربما فقدان الثقة في علم التفسير والمفسَّر بسبب ما يطلعون عليه من تناقض وتعارض، وتعدد دون تميز أسبابه وحقيقته، ولذا أرى وأقترح أنه لا بد من اجتماع كلمة أهل العلم وجهودهم على إخراج تفسير للقرآن الكريم يراعي الحد الصحيح الذي يلزم العامي معرفته والإطلاع عليه، فيكون متداولًا بين العامة ويوفّر في المكتبات ونحوه، في حين تكون طباعة باقي المدونات مقتصرة على الكميات التي تسدّ حاجة أهل العلم، وطلاب العلم ونحوه، وهذا مشاهد وممارس في كل العلوم، فأنت لا ترى في المكتبات العامة كتبًا طبية تخاطب العامة بغير ما يناسب حاجاتهم ومستوياتهم، وكذا في غيرها من العلوم ونحوه، ولقد كان السلف سباقين في هذا المجال، فلم يكونوا يوزعون العلوم هكذا على غير هدى؛ بل كانوا ينظرون في أهلية الطالب لتحمّل هذا العلم، والله أعلم.

ويحسن بنا أيضًا هنا أن نعرض لخاتمة رسالة الدكتور الفنيسان؛ حيث قال:

ولعلّ أهم النتائج التي توصّلت إليها في هذا البحث ما يلي:

  1. 1.  أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفسر من القرآن إلا ما كانت تدعو الحاجة إلى تفسيره.
  2. 2.  أن التفسير في عهد الصحابة والتابعين، كان يعتمد على الأثر والرواية أكثر من العقل والدراية،ولم يفسر القرآن كاملًا مرتبًا؛ بل كان يقتصر على بيان ما غمض منه، ببيان مجملة، أو كشف معنى لغوي بأخصر لفظ وأوجزه، فلم يتطرّق إليه دخيلٌ، اللهم إلا في الروايات الإسرائيلية، في آخر عهد التابعين التي هيّأ الله لها نقدة الحديث، فبيّنوا الحق فيها.
  3. 3.  أن التفسير في فترة الصحابة والتابعين، كان يروى كرواية الحديث، حتى هيّأ الله له مجموعة من العلماء جمعوه في كتب خاصة به، عرفت بكتب التفسير بالأثر، كتفسير الطبري، والنيسابوري، وابن ماجه.
  4. 4.  أن الاعتماد في التفسير على المأثور -رغم ما شابه من ضعف في حلقة من حلقاته التاريخية- ظلّ هو السائد إلى أواسط العصر العباسي، حين انتشرت المذاهب الفقهية، والعقدية، والطرق الصوفية، والعلوم التخصصية فراح كل فريق يفسر القرآن بالرأي، وبعضهم راح يلوي عنق الآية حتى توافق مذهبه، أو عقيدته، ويزعم أن ما قاله هو تفسير للقرآن وتأويل له.
  5. 5.  أن السمة الغالبة على التفسير الحديث، الإنشائية، والعلمية، مع العناية بالاكتشافات العلمية، والظواهر الاجتماعية، والنفسية، أكثر من عنايته بالأثر، والدلالات اللغوية.
  6. 6.  أن ضابط القراءة الصحيحة، أنها كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا، وصحّ سندها.
  7. 7.  أن قراءات القرآن ثلاثة أقسام:
    1. ما اجتمع فيه ثلاثة شروط، وهي صحة السند، وموافقة العربية، وخط المصحف، فيقطع بقرآنيته، وكفر منكره.
    1.               ‌ب.  ما صحّ سنده، ووافق العربية، وخالف خط المصحف العثماني، فهذا لا يُقرأ به؛ وإنما يعمل به لأنه من باب السنة لا من باب القرآن.
    1.                 ‌ج.  ما لم يصحّ سنده؛ فهذا لا يقبل، ولو وافق العربية وخطّ المصحف.
  8. 8.  أن سبب الاختلاف في القراءات، نزول القرآن على سبعة أحرف.
  9. 9.  أن الراجح: أن الأحرف السبعة، هي سبع لغات توقيفية معروفة، كان الصحابة يقرءون بها في أول الأمر، ثم أجمعوا على مصحف عثمان.
  10. 10.  أن كتابة القرآن بدأت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن بقي متفرقًا في الجريد، والعسب، فلما كانت خلافة أبي بكر، ووقعت المقتلة في الصحابة في اليمامة، اقترح عمر على أبي بكر جمعه؛ حتى لا يذهب القرآن بذهاب القرّاء، فأمر زيد بن ثابت الأنصاري بجمعه فجمعه من الجريد، والعسب، وصدور الرجال، فلما كانت خلافة عثمان وبدأ الصحابة ينتشرون في البلاد، وظهر الخلاف بين القراء في الأمصار، وخشيت الفتنة بين الناس، اقترح حذيفة بن اليمان على عثمان، أن يجمع القرآن في مصحف واحد؛ فكلف بذلك مجموعة من الصحابة برئاسة زيد بن ثابت الأنصاري فكتبوا المصحف، وأرسل منه ستة نسخ إلى أمصار الإسلام، واحتفظ منه بنسخة واحدة، سمّيت فيما بعد بالمصحف الإمام، فأخذ أهل كل مصر بما في مصحفهم، وفق القراءة التي أقرأهم بها الصحابة، وأجمع أهل كل مصر على صحة روايتهم وقبولها.
  11.  ومن هنا نشأ علم القراءات، وظهر بسبب ذلك اختلاف كاد أن يجرّ الأمة إلى الفتنة، حتى قيّض الله العلماء فجمعوا الحروف والقراءات، وعزوا الوجوه والروايات، وميّزوا بين المشهور والشاذ، والصحيح والضعيف، وكان أول من صنف في القراءات في كتاب واحد، أبو عبيد القاسم بن سلام، ثم أحمد بن جبير الكوفي، ثم إسماعيل بن إسحاق المالكي، ثم جاء أبو بكر أحمد بن موسى، المعروف بابن مجاهد، وهو أول من اقتصر على قراءة القراء السبعة، ثم تتابع التأليف.
  12. 12.  أن مصحف عثمان رضي الله عنه اقتصر على حرف واحد من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، وهو ما كان في العرضة الأخيرة التي عرضها النبي صلى الله عليه وسلم على جبريل.
  13. 13.  أن التواتر شرط لعد القراءة قرآنا، وليس شرطًا للعمل بها؛ بل يعمل بها إن كانت آحادًا.
  14. 14.  أن تواتر القراءات نسبيّ، فقد يتواتر عند أحد القراء ما لم يتواتر عند الآخر؛ ولهذا لم يكفر بعضهم بعضًا في إنكار ما ثبت عنده بالتواتر، ولم يثبت عند غيره.
  15. 15.  أن الراحج أن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا غيرها؛ وإنما كان يُؤتى بها للفصل بين السور.
  16. 16.  أن الأسباب العامة للخلاف في التفسير بين العلماء ترجع إلى الخلاف في الإعراب أحيانًا، كما ترجع إلى اشتراك الألفاظ، والقول بالمجاز، والاختلاف في المخصِّص، والمقيِّد، والمبيِّن، ودلالة الأمر والنهي، واعتبار الناسخ أحيانًا أخر.
  17. 17.  أن مذهب أهل السنة والجماعة، تقديم الشرع على العقل عند التعارض، بخلاف المعتزلة الذين يقدمون العقل على الشرع، ومما ترتّب على ذلك إنكار المعجزات، والجن، والسحر، والإصابة بالعين.
  18. 18.  أن الأسباب الخاصة لاختلاف المفسرين في التفسير ترجع إلى:
    1. اختلاف مقاييس النقد لسند الرواية.
    1. اختلاف مقاييس النقد لمتن الرواية.
    1. الاختلاف في مصادر التشريع فيما لا نصّ فيه.
    1. الانتماء العقدي.
    1. الانتماء المذهبي الفقهي.

انتهت خاتمة الدكتور الفنيسان، ومع تحفظنا على بعض ما ذكر فيها، إلا أنها ألقت لنا الضوء على معلومات قيّمة ضمنها بحثه الماتع، فمن أراد التوسع فليرجع إليها.

       وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

error: النص محمي !!