Top
Image Alt

التحليل البلاغي للنص الأدبي، وفهم معانيه، وتذوقه، والاهتداء إلى مواطن الجمال فيه

  /  التحليل البلاغي للنص الأدبي، وفهم معانيه، وتذوقه، والاهتداء إلى مواطن الجمال فيه

التحليل البلاغي للنص الأدبي، وفهم معانيه، وتذوقه، والاهتداء إلى مواطن الجمال فيه

موضوع هذه القصيدة والمعاني العامة التي وردت فيها، ثم بعد ذلك نتحدث عن العاطفة، ثم نقف عند التذوق البلاغي لهذه القصيدة.

موضوع القصيدة ومعانيها:

موضوع هذه القصيدة هو رثاء الزوجة، والتحسر على فقدها، ومحاولة التعزي عنها بذكر الموت ومصارع الآباء، والأجداد، والقبائل، والأفراد.

وقد بدأ الشاعر قصيدته بالحديث عن المنون -أي: الموت- متعجبًا من فداحة ما أصابته به، ومن شأن النار التي أوقدته في قلبه. لقد هدت عزمه الشديد، وحطمت عوده الصلب وحيرت لبه، وأخذت عينيه، فاستبد به الحزن حتى كاد يهلكه وذهب الشاعر يطلب الملاذ في زفراته الحارة؛ محاولًا التصبّر، ولكن هيهات هيهات!.

ويسائل الدهرَ عن سبب إصابته في زوجته التي كانت سنده وعدَّته، ويتذكر مصير بناته اللائي كُتب عليهن الحِرمانُ من الأب والأم؛ بسبب النفي والموت.

ألا ما أصعب مصير هؤلاء البنات وقد ترَكتهن الأحداث من غير عائل، فتقرحت جفونهن من البكاء، وتفطرت أكبادهن حزنًا، واتخذ الهمُّ من قلوبهن سكنًا.

ثم يندب البارودي زوجته معظمًا مصابه فيها، مستثقلًا وقع الخطب، فعزيزٌ عليه أن يراها حبيسة قبر مظلم كئيب، بعد أن كانت نورًا يُضيء كل ظلمة في حياته.

آهٍ من هذا الدهر الذي لا يقبل عنك فدية ولا يرهب من فاتكٍ صولة، فلا يُجدي في مواجهة أقداره غير الرضا والتسليم، لكن الرضا والتسليم لا يمحوان الأسى ولا يدفعان الحزنَ، ولا يستطيع الشاعر أن يصبر، ولا يمكن له أن ينسى، فالصبر في رأيه قساوةٌ وغدرٌ، والسلوى في نظره عداوة وجفوة.

وقد كُتب عليه أن يبتلى بملازمة الحزن والبكاء، فلا ينفك عن ذكر زوجته الراحلة؛ يذكرها في نهاره وليله وعند يقظته ونومه، حتى أصبح مثلًا للمحزونين، وعبرة لذوي الأسى المصابين، يُعرف من هيئته ويستدل عليه من مِشيته.

ويدعو الشاعر بالتعاسة على البريد الذي حمل إليه الخبر المشئوم، الذي هدّ قوته وصدَّع قلبه، وأشعل النار بين جوانحه، وأظلمت منه عيناه، وينكر الشاعر على الذين لاموه على جزعه أمرَهم، ويعلن أن الملامة لن ترده عن الحزن، وإذا احتكم اللائمون بما قضاه لبيد بن ربيعة، من أن المحزون يقضي حق المفقود بالبكاء عليه حولًا كاملًا؛ حيث قال لبنتيه وقد حضرته الوفاة:

…. …. …. ….

*ومن يبك حولًا كاملًا فقد اعتذر

فإن البارودي يرفض هذا القضاء، ويطعن في ذلك الحكم، ويرى أن الحزن عامًا غير كافٍ في قضاء حق الأحبة الراحلين، وإذا كان حزن عام كافيًا في قضاء حق لبيد على ابنتيه، فإن الفرق بين لبيد وزوجة الشاعر كبير، فلبيد رجل ملّ الحياة وملته وقضَى وطره من الدنيا، أما هذه الزوجة فإنها لم تبلغ شبيبة عمرها، ولم تقضِ من الحياة حاجتها.

ولأن الشاعر بعيدٌ عن وطنه ناءٍ عن دار زوجته وقبرها، فإنه يطلب من النسيم أن يحمل إليها تحيته، وأن يبث قبرها أنينه وشكواه.

ومن الأمور التي شكاها الشاعر فساد الناس وسوء أخلاقهم، ويُرجع هذا السوء وذلك الفساد إلى غفلة الناس عن أمر الموت وأهوال المصير.

ويجد الشاعر في الالتفاتة إلى أحوال الدهر عزاءَه، فيتأمل في أحداث الأيام وعوائد الدهر ويتذكر مصارع الآباء والأجداد، ويستحضر ما فعلته أيدي الفناء بملوك حمير وزعماء ثمود وعاد، وما رمت به قضاعة وإياد، ويسائل المدائن والهرمين، ويستنطق أبا الهول، عن الأمم التي ذهبت والحضارات التي بادت.

ويخرج الشاعر من تلك السياحة المتأملة بالنتيجة التي لا مراء فيها، وهي أن مصير الحياة ومصير الأحياء جميعًا إلى الفناء، ولما أدرك الشاعر ذلك لجأ إلى ربه يستهديه ويستعينه ويسأله المغفرة لزوجته، التي كانت له مهجته وروحه، والتي عاش بعدها في حسرة دائمة، كادت تقضي عليه لولا اعتصامه بالله، وأملُه في لُقْياها يوم الحساب.

ثم يختتم الشاعر قصيدته بتحية دائمة متجددة، يرسلها قلبه المحزون إلى زوجته الراحلة كلما ناحت على غصن حمامة.

أما العاطفة في هذه القصيدة:

فهي عاطفة صادقة، والعاطفة الصادقة هي روح النص الأدبي، التي تنفخ فيه الحياة، وتهبه الدفء، وتجعله موصولًا بصاحبه، ذا أثرٍ في متلقيه.

والعاطفة في كل نص وليدة موقف ونتيجة ظروف، وثمرة تجربة وانفعال بحدث، والحدث هنا مصيبة موت، حلّت برجل منفي بعيد عن أهله ووطنه، يشتاق إليهم ويستبطئ رسائلهم، إلى أن فاجأه البريد بخبر المصيبة.

وقعُ الخبر وألم الغربة ووحشة الوحدة ومرارة العجز وتبدد الأمل والإشفاق على الأولاد؛ كل ذلك هيج عواطف الشاعر وأثارها، فاندفعت كالبركان ملتهبة هادرة، تُوحي إليه بتلك الأفكار، وتطبع في مخيلته تلك الصورَ، وتقذف على لسانه ذلك الشعر الصادق المؤثِّر.

وأنت تجد في هذه القصيدة عاطفة الحزن الشديد، من زوج وفيٍّ وأبٍ شفوق، وهذه العاطفة تملأ جو القصيدة كله، بيدَ أنها في أول القصيدة ووسطها أكثر تدفقًا وحرارةً منها في الخاتمة؛ لأنها في النهاية هدأت، وقد هدأت العاطفة بسبب تأمل الشاعر في أحداث الدهر، والتفاته إلى طلب المعونة من ربه عز وجل وتذكره يومَ الحساب والحشر.

وتستطيع أن تَلمس أثر تلك العاطفة في هذه الصيحات المتتالية الشاكية العاتبة، في مثل قوله:

أَيَدَ الْمَنُونِ قَدَحْتِ أَيَّ زِنَادِ

*وَأَطَرْتِ أَيَّةَ شُعْلَةٍ بِفُؤَادِي

وقوله:

أَوْهَنْتِ عَزْمِي وَهْوَ حَمْلَةُ فَيْلَقٍ

*وَحَطَمْتِ عُودِي وَهْوَ رُمْحُ طِرَادِ

وأي عاطفة أصدق من عاطفة رجل غريب اجتمعت عليه أحداث قاسية أوهنت عزمه وهدّت قوته، إن أشباح المصيبة وصور الفجيعة، وأنات الحزن التي تطالعك في أكثر أبيات القصيدة، وإن إصرار الشاعر على الجزع، ورفضه الصبر، ومداومته على ذكر زوجته، ودعاءه على الحادي والبريد، ولعنه للمصيبة، وعدم قبوله بقضاء “لبيد”، كل ذلك من آثار العاطفة الصادقة التي أخلص الشاعر لها مُعايَشةً وتمثلًا وتعبيرًا.

وهذه العاطفة الثائرة الدافقة خفّت حدتها وهدأت ثورتها بالتأمل العاقل في حقيقة الموت ومصائر الخلق، والاستعانة بالله في ذلك الموقف الرهيب، الذي لا ينفع في مثله إلا الرضا بالقضاء والاعتصام بالله عز وجل.

التذوق البلاغي:

في قوله:

أَيَدَ الْمَنُونِ قَدَحْتِ أَيَّ زِنَادِ

*…. …. …. ….

في هذا البيت تشخيصٌ للموت، بتصويره ذا جارحة وفعل وندائه وسؤاله، فالبيت إذن فيه استعارة، والاستفهام عن الزناد والشعلة يُوحي بعظم أمرهما وشدة أثرهما، وقدح الزناد وإشعال النار كناية عن المصيبة التي أنزلها الموت بالشاعر، وأثر تلك المصيبة في نفسه.

في قوله:

أَوْهَنْتِ عَزْمِي وَهْوَ حَمْلَةُ فَيْلَقٍ

*…. …. …. ….

إلى آخره.

فيه إخبار بما جرّه عليه فقد زوجته من إضعاف عزمه وتحطيم صلبه، والجملتان الحاليتان وهو “حملة فيلق، وهو رمح طراد” تدلان على أنه احتفظ بقوته ومضاء عزمه، مع ما تعرض له من أحداث، حتى حلت عليه مصيبة موت زوجه؛ فكانت القاصمة التي قصمت ظهرَه.

وفي كلتا الجملتين تشبيه، “وهو حملة فيلق” شبه العزم بحملة الفيلق، والفيلق: هو الجيش، “وحطمت عودي وهو رمح طراد” تشبيه لعوده، أي: جسمه برمح الطراد.

في قوله:

لَمْ أَدْرِ هَلْ خَطْبٌ أَلَمَّ بِسَاحَتِي

*…. …. …. ….

إلى آخره، الاستفهام يدل على حَيْرته، وتنكير كلمة “خطب وسهم” للتهويل من شأنهما.  وقوله:

…. أَلَمَّ بِسَاحَتِي

*فَأَنَاخَ …. …. …. ….

يظهر الخطب في هيئة محسوسة عن طريق الاستعارة.

في البيت الرابع: تشبيهٌ للدمع بالفرصاد، والفرصاد: صبغ أحمر، وهو يدل على تقرح جفني الشاعر من كثرة البكاء، حتى إن الدمع ليبدو أحمرَ اللون كأنه قد امتزج بدم.

في البيت السادس: مبالغة مقبولة، في قوله:

أَبْلَتْنِيَ الحَسَراتُ حَتَّى لَمْ يَكَدْ

*جِسْمِي يَلُوحُ لأَعْيُنِ الْعُوَّادِ

في البيت السابع والثامن: كناية عن حزن الشاعر وعجزه عن دفع المصيبة؛ إذ يقول:

أَسْتَنْجِدُ الزَّفَراتِ وَهْيَ لَوَافِحٌ

*وَأُسَفِّهُ الْعَبَرَاتِ وَهْيَ بِوَادِي

لا لَوْعَتِي تَدَعُ الْفُؤَادَ وَلا يَدِي

*تَقْوَى عَلَى رَدِّ الحَبِيبِ الْغَادِي

في البيت التاسع:

يا دَهْرُ فِيمَ فَجَعْتَنِي بِحَلِيلَةٍ

*…. …. …. ….

إلى آخره، نداء للدهر وسؤال له للتعجب من أمره والعتب عليه، وفي نداء الدهر تشخيص له عن طريق الاستعارة، وتنكير كلمة “حليلة” للتعظيم.

في البيت العاشر والحادي عشر: إثبات الفعل للدهر وعتبٌ عليه كذلك.

وفي البيت الحادي عشر تصوير لحالة بناته المحزونات:

…. …. …. ….

*قَرْحَى الْعُيُونِ رَوَاجِفَ الأَكْبَادِ

وفي هذا كنايةٌ عن حزنهن وخوفهن.

في البيت الثاني عشر:

أَلْقَيْنَ دُرَّ عُقُودِهِنَّ

*…. …. …. ….

إلى آخره، فيه تشبيه لدمع بناته بالدر بجامع اللمعان والتلألؤ، وأنهما غاليان حقيقان بأن يُصانا، وذلك يدل ويُوحي بضنّ الأب بدموع بناته، وهو في ذلك مدفوع بعاطفة حبه لهن وإشفاقه عليهن، وفي البيت مقابلة بين:

أَلْقَيْنَ دُرَّ عُقُودِهِنَّ وَصُغْنَ مِنْ

*دُرِّ الدُّمُوعِ قَلائِدَ الأَجْيَادِ

والمقابلة توضّح المعنى وتؤكده، وهو إشارة إلى بعض ما يفعله النساء عند الحزن.

في البيت الثالث عشر:

يَبْكِينَ مِنْ وَلَهٍ فِرَاقَ حَفِيَّةٍ

*…. …. …. ….

“من” هنا تعليلية؛ أي: يبكين بسبب الوله، والوله: هو الحزن، وتنكير “حقبة”، وتنكير “الوله”، وتنكير “الحفية” للتعظيم.

في البيت الرابع عشر:

فَخُدُودُهُنَّ مِنَ الدُّمُوعِ نَدِيَّةٌ

*وَقُلُوبُهُنَّ مِنَ الْهُمُومِ صَوَادِي

مقابلة بين شطري البيت، و”مِن” هنا تعليلية في موضعيها، والمقابلة توضح المعنى وتؤكده.  وفي البيت الخامس عشر:

أَسَلِيلَةَ الْقَمَرَيْنِ …. ….

*…. …. …. ….

استخدم الهمزة، وهي لنداء القريب؛ لأن زوجته قريبة من نفسه تسكن خياله وقلبه، وتنكير “فجيعة” للتهويل من شأنها وتعظيم أثرها، وقوله: “سليلة القمرين” كناية عن علو نسب زوجته، وشرف حسبها.

في البيت السادس عشر:

أَعزِزْ عَلَيَّ بِأَنْ أَرَاكِ رَهِينَةً

*…. …. …. ….

إلى آخره، “أعزز عليّ” أسلوب تعجب، والتعجب من الحالة التي سارت إليها زوجته، “وأغبر قاتم الأسداد”: كناية عن القبر، ووَصفه بالغبرة وقتامة الأسداد؛ ليوحي بالكآبة التي تدعو إلى الانقباض والرهبة.

في البيت الثامن عشر والتاسع عشر: أسلوب الشرط يدل على تعلق الشاعر بزوجته الراحلة واستعداده لبذل نفسه فداءً لها، وتعليق الشرط على مستحيل في الواقع والعقل ممهِّد ومسوِّغ للبيت العشرين، وتنكير “فدية” في البيت الثامن عشر، و”صولة” و”فاتك” في التاسع عشر؛ للتعظيم، وهذه الأبيات هي التي قال فيها الشاعر:

لَوْ كَانَ هَذَا الدَّهْرُ يَقْبَلُ فِدْيَةً

*بِالنَّفْسِ عَنْكِ لَكُنْتُ أَوَّلَ فَادِي

أَوْ كَانَ يَرْهَبُ صَوْلَةً مِنْ فَاتِكٍ

*لَفَعَلْتُ فِعْلَ الْحَارِثِ بْنِ عُبَادِ

إلى آخره. في البيت الواحد والعشرين:

فَبِأَيِّ مَقْدِرَةٍ أَرُدُّ يَدَ الأَسَى

*…. …. …. ….

الاستفهام دال على الحيرة، وفيه تشخيص للأسى عن طريق الاستعارة، وإظهار للرشاد وهو أمر معنوي في صورة مُحسّة.

في البيت الثالث والعشرين:

جَزَعُ الْفَتَى سِمَةُ الْوَفَاءِ…

*…. …. …. ….

إلى آخره، ساق الشاعر هذا البيت مساق الحكمة، لكن الفكرة التي يحملها خاطئة، حتى إذا سلمنا بأن الجزع سمة الوفاء، فإنه لا يجوز ولا يصح أن يكون الصبر غدرًا يدل على الأحقاد، لا يصح ذلك في شرع ولا عقل ولا عُرف.

في البيت الرابع والعشرين قوله: “أخو الأسى” فيه تشخيص للأسى وكناية عن ملازمته والأسى هو الحزن.

في البيت الخامس والعشرين:

هَيْهَاتَ بَعْدَكِ أَنْ تَقَرَّ جَوَانِحِي

*…. …. …. ….

إلى آخره، استقرار الجوانح ولين المهاد: كناية عن الطمأنينة والراحة، وقد استبعد الشاعر حدوث ذلك له بقوله: “هيهات”، و”هيهات”: اسم فعل بمعنى بعُد، وعلل ذلك الاستبعاد بأسفه لبعد زوجته.

في البيت السادس والعشرين والبيت السابع والعشرين: كناية عن دوام حزنه عليها واستمراره على الوفاء لها.

في البيت التاسع والعشرين والبيت الثلاثين: رسم الشاعر صورة لهيئته الظاهرة وحالته الباطنة، وفي التاسع والعشرين تشبيه، وفي البيت الثلاثين استعارة، أظهرت الحزن في صورة حسية، وأسندت إليه أكل الحشى، وأثبتت له لهيبًا.

في البيت الحادي والثلاثين:

وَرَدَ الْبَرِيدُ بِغَيْرِ ما أَمَّلْتُهُ

*تَعِسَ الْبَرِيدُ وشَاهَ وَجْهُ الْحَادِي

استحضارٌ للحظة معرفته بالخبر المشئوم، وتعس وشاه: خبران في اللفظ، لكنهما في المعنى إنشاء، قصد بهما الدعاء بالتعاسة والقبح على البريد وصاحبه، ويمكن أن يكونا خبرين حقيقيين، ينقلان الصورة التي استقرت في نفس الشاعر، والهيئة التي علقت بذهنه للبريد وصاحبه، بعد أن ساقَا إليه خبر وفاة زوجته.

في البيت الثاني والثلاثين: تشبيه، وقوله: “صميم القلب” يدل على أن الألم بلغ مبلغه وأصاب من الشاعر أعماقه، وليس جرحه سطحيًّا، يُرجى له البرء، فالنهش قد بلغ من قلبه أصله وصميمه.

في البيت الثالث والثلاثين:

وَيْلُمِّهِ رُزءَاً أَطَارَ نَعِيُّهُ

*بِالْقَلْبِ شُعْلَةَ مَارِجٍ وَقَّادِ

في البيت تعجب من أمر المصيبة وتفجع؛ لأن العرب تقول: “ويلمه” في التعجب، ومنه حديث علي: “ويلمه كيلًا بغير ثمن، لو كان له وعاء” أي: يكيل العلوم الجمة بلا عوض، إلا أنه لا يصادف واعيًا، وهذا من كلام علي رضي الله عنه.

وينصب ما بعد “ويلمه” على التمييز، وتنكير “مارج” للتهويل من شأنه، وصيغة “فعّال” التي وصف بها المارج في قوله: “وقَّاد” تدل على المبالغة في الفعل ومرات حدوثه.

في البيت الرابع والثلاثين: تشبيه، المقصود منه بيان أثر البكاء والحزن على عيني الشاعر. وفي البيت الثامن والثلاثين: استعارة وهي قوله:

لَبِسَ الزَّمَانَ عَلَى اخْتِلافِ صُرُوفِهِ

*…. …. …. ….

فقد شبه الزمان بالرداء الذي يُلبس عن طريق الاستعارة.

في البيت التاسع والثلاثين: طباقٌ بين “عادي وحديثة الميلاد”.

في البيت الأربعين: مقابلة بين شطري البيت في قوله:

هَذَا قَضَى وَطَرَ الْحَيَاةِ وتِلْكَ لَمْ

*تَبْلُغْ شَبِيبَةَ عُمْرِهَا الْمُعْتَادِ

قَابَل بين لبيد وبين زوجته.

في البيت الحادي والأربعين قبل الثاني والأربعين:

فَعَلامَ أَتْبَعُ مَا يَقُولُ وَحُكْمُهُ

*لا يَسْتَوِي لِتَبَايُنِ الأَضْدَادِ

استفهامٌ المراد به النفي، يقول: إنه لن يتبع ما قاله لبيد.

في البيت الثاني والأربعين: “سِرْ يا نسيم”، اختار النسيم ليكون رسوله إلى زوجته الراحلة يحمل إليها تحيته، وفي ذلك ما يوحي بصفاء المودة وعظم التحية ورقتها في آن، كما أن لجوء الشاعر إلى النسيم يدل على عجزه عن توصيل التحية بنفسه وانقطاع الأسباب به.

وقوله: “بلِّغ القبر” يعني: ساكنه، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وهو مجاز مرسل علاقته المحلية.

في البيت الثالث والأربعين: طباقٌ بين “صلاح وفساد”.

في الرابع والأربعين: مقابلة بين “مرضى القلوب، وأصحة الأجساد”، والمقابلة توضح المعنى وتقويه.

في البيت السادس والأربعين: في قوله:

كُلُّ امْرِئٍ يَوْمًا مُلاقٍ رَبَّهُ

*والنَّاسُ فِي الدُّنْيَا عَلى مِيعَادِ

حكمة:

في البيت التاسع والأربعين وما بعده: أسند العصف والتبديد والإفناء والرمي والاستباحة والإصابة إلى الزمان والدهر، على سبيل الاستعارة.

في البيت الرابع والخمسين: تشبيهٌ للمدائن بمنجم العبرة، وتشبيه للعبرة بالمعادن النفيسة، التي يُنقّب عنها، وفيه طباق بين “حاضر وباد”.

في البيت السابع والخمسين: طباق بين “عدم وإيجاد”.

في البيت الستين: “تعس امرؤ” خبرٌ في اللفظ إنشاءٌ في المعنى، المقصود منه الدعاء.

البيت الثاني والستين:

وَاسْأَلْهُ مَغْفِرَةً لِمَنْ حَلَّ الثَّرَى

*…. …. …. ….

“مَن حل الثرى”: كناية عن زوجته. وكذلك في قوله: “يابنة الأمجاد”.

في البيت السابع والستين في قوله:

فَعَلَيْكِ مِنْ قَلْبِي التَّحِيَّةُ كُلَّمَا

*نَاحَتْ مُطَوَّقَةٌ عَلَى الأَعْوَادِ

كناية عن دوام تذكره إياها، وترحّمه عليها، ووفائه لها.

وهكذا تدلك القصيدة -بعد دراستها هذه الدراسة التفصيلية- على موهبة البارودي الفذّة، وقدرته على التعبير عن نفسه، وتصوير عواطفه بلُغة راقية، وأسلوب فصيح متينٍ على طريقة الشعراء العظماء في عصور الأدب الزاهرة، فطريقة البارودي في الشعر تشبه طريقة شعراء العصر العباسي، وهو -كما قلت- يعبر عن نفسه وأحداث عصره وعاطفته الخاصة، وهذا ما جعل البارودي يأخذ مكانته اللائقة به في تاريخ الأدب العربي الحديث.

error: النص محمي !!