Top
Image Alt

التدوين الشامل للسنة، ونشأة المؤلفات

  /  التدوين الشامل للسنة، ونشأة المؤلفات

التدوين الشامل للسنة، ونشأة المؤلفات

ثم ننتقل بعد ذلك إلى التدوين الشامل للسنة، الذي حدث ابتداءً من عهد عمر بن عبد العزيز، فقد أمر هذا الخليفة العادل بتدوين السنة تدوينًا شاملًا بعد أن كانت مكتوبة عند بعض الصحابة والتابعين في مجموعات وصُحف لا ترقى إلى مستوى المصنفات والمؤلفات، وهذا هو المراد بالتدوين، أي: وَضْع الحديث في دواوين، لا ابتداء كتابته كما فهم بعض المستشرقين، وبنوا على ذلك أخطاءهم، وقد كتب عمر رضي الله عنه إلى الآفاق: “أن انظروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاجمعوه”، وفي كتابه إلى أهل المدينة ما يبين سبب إقدامه على هذه الخطوة، وهو خوفه من دروس العلم وذهاب العلماء؛ يروي البُخاري فيقول: “وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم عامل المدينة: انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه، فإني خِفت دروس العلم، وذهاب العلماء -ودروس العلم يعني: ذهابه أيضًا، كالطلل الدارس الذي لم يبقَ منه إلا أشياء ضئيلة- وقال: ولا تقبل إلا حديث النبي صلى الله عليه وسلم”. هذا ما رواه البخاري تعليقًا في كتاب العلم، في باب كيف يقبض العلم؟.

وامتثل العلماء لهذا الأمر، وجدُّوا في جمع الحديث، فهذا ابن شهاب الزهري، الذي تُوفي سنة مائة وأربعٍ وعشرين من الهجرة، وهو ممن أمرهم الخليفة بذلك، يجمع السنن وما جاء عن العلماء ويدوِّن كل ذلك، وجمع ما كتبه هو وغيره من العلماء، واستخرج منه نسخًا لتوزع في جميع البلدان، ووُجد في كل مدينة من يهتم بجمع الحديث والتصنيف فيه؛ ففي مكة صنف في السنة ابن جريج الذي تُوفي سنة مائة وخمسين من الهجرة، وسفيان بن عُيينة الذي توفي سنة مائة وثمان وتسعين من الهجرة، وفي المدينة المنورة مالك بن أنس الذي توفي سنة مائة وتسع وسبعين من الهجرة، ومحمد بن إسحاق الذي تُوفي سنة مائة وإحدى وخمسين، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب الذي تُوفي سنة مائة وسبع وخمسين من الهجرة، وفي البصرة الربيع بن صبيح، وسعيد بن أبي عَروبة وحماد بن سلمة، وفي اليمن معمر بن راشد، وفي الكوفة سفيان الثوري، وفي خُراسان عبد الله بن المبارك، وفي واسط هُشيم بن بُشير، وفي الري جرير بن عبد الحميد، وفي مصر عبد الله بن وهب، ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم ممن نسجوا على منوالهم.

ومنهج التصنيف عند هؤلاء -وهذا هو الذي يهمنا- أنه كان معظم مصنفات هؤلاء ومجاميعهم تضم الحديث الشريف وفتاوَى الصحابة والتابعين، وأظهر مثل لذلك (موطأ الإمام مالك) الذي نرى فيه الحديث، وفتاوى الصحابة والتابعين، وعمل أهل المدينة، وإذا نظرنا إلى (موطأ مالك) كنموذج من النماذج في هذا العصر، فإننا نرى أن المنهج محكم إلى حد كبير، فقد رُتبت الأحاديث والآثار ترتيبًا فِقهيًّا موضوعيًّا، وهذا المنهج هو الذي سار عليه كثيرٌ من المحدثين إلى يومنا هذا.

error: النص محمي !!