Top
Image Alt

التذوق الأدبي من شعر عبد الرحمن شكري قصيدة (عبث الحياة)

  /  التذوق الأدبي من شعر عبد الرحمن شكري قصيدة (عبث الحياة)

التذوق الأدبي من شعر عبد الرحمن شكري قصيدة (عبث الحياة)

ننتقل إلى دراسة نصية لنموذج قصيدة من شعر عبد الرحمن شكري عنوانها “عبث الحياة”.

ماذا يفيد تصوُّبِي وتصعُّدِي

*في مسلكٍ للعيش غيرِ ممهَّدِ

كالبحرِ في أحوالِه متغيِّرًا

*عَبَثًا يضِجُّ بموْجِهِ المتجددِ

عبثًا تعيث الريحُ في هَبَّاتِها

*كالحادثاتِ إذا تروحُ وتغتدِي

عبثًا يسير النجمُ في أبراجِه

*متنقِّلًا في سيرِه عن موعدِ

عبثًا تضيء الشمس وجهَ مسالكٍ

*للعيشِ تزخرُ بالشقاء المُزْبِدِ

لو كان يدري المرء قدر شقائِه

*في العيْش ودَّ لو انه لم يولدِ

والناس غرقَى في الشقاء ولؤمِه

*من ناقمٍ يشكو ومن متبلِّدِ

ومن البَليَّةِ أنني بشقائهم

*وشقاوتي أمحو لذيذ تَجَلُّدِي

إن التبلد والبلادة والغَبَا

*مثل الخمور لذيذةٌ والمرقدِ

ولرُب صحوٍ للخمار مبغِّضٍ

*يأتي بهمٍّ للحياة مجدَّدِ

مَن لي بعيش لا أُحِس صروفَه

*كالماء أو كالنار أو الجلمدِ

ماذا يفيد تضاحكٌ من قانِط

*نارُ الجحيمِ بقلبه المتوقِّد

ضحِكٌ يهدُّ القلبَ وقعُ رعودِه

*ولرب ضحِكٍ في النعيم مغرِّدِ

ماذا على الإنسان لولا نسلُه

*إن باع دنياه بموتٍ سرمَدِي

عنوان القصيدة: “عبث الحياة”، والقصيدة ذات موضوع واحد، وكلها تدور في أفكارها وخواطرها ومشاعرها حول تِبيان وتأكيد الفكرة التي أرادها الشاعر: وهي عبث الحياة، وهذا المنحى كان غالبًا في شعر شكري: وهو أنه لا جدوى من الحياة ولا فائدة منها، وهذا معنى كلمة العبث.  يبدأ بالتساؤل:

ماذا يفيد تصوُّبِي وتصعُّدِي

*في مسلكٍ للعيش غير ممهَّد

والاستفهام هنا استفهام غير حقيقي؛ وإنما المراد به النفي؛ كأنه يقول: إن السعي والتصعدَ والسلوك في العيش وفي الحياة لا يفيد.

كالبحرِ في أحوالِه متغيِّرًا

*عَبَثًا يضِجُّ بموْجِهِ المتجددِ

يقول: إن حالة الإنسان أو حالة الشاعر في مسالكه في الحياة مثل أحوال البحر المتغيرة التي لا ينتج عنها شيء.

فالمشبه به هنا البحر في أحواله، والمشبه هو الشاعر في تصوبه وتصعده في مسالك العيش.

ثم يقول:

عبثًا تعيث الريح في هباتها

*كالحادثات إذا تروح وتغتدي

فيشبه الريح بالحادثات -أحداث الدهر- وهو هنا تشبيهُ حسيٍّ بمعنويٍّ، وتلاحظ كلمة “عبثًا” تكررت في هذه الأبيات؛ في البيت الثاني، وفي البيت الثالث، وستأتي في البيت الرابع، وفي البيت الخامس:

عبثًا يسير النجمُ في أبراجِه

*متنقِّلًا في سيرِه عن موعدِ

عبثًا تضيء الشمس وجهَ مسالكٍ

*للعيشِ تزخرُ بالشقاء المُزْبِدِ

فهنا إلحاح على تأكيد فكرة العبث.

طبعًا نحن لا نتفق مع الشاعر في هذه الفكرة؛ لكنها نفسُه التي أوحت إليه بذلك.

لو كان يدري المرء قدر شقائِه

*في العيْش ودَّ لو انه لم يولدِ

ثم يقول:

والناس غرقى في الشقاء ولؤمِه

*من ناقمٍ يشكو ومن متبلِّدِ

فالشقاء مثل البحر والناس غرقى فيه.

ومن البَليَّةِ أنني بشقائهم

*وشقاوتي أمحو لذيذ تَجَلُّدِي

إذا كان التجلد لذيذًا؛ لأنه يعين الإنسان على التحمل والصبر؛ فإن الشقاوةَ التي يعانيها الشاعر تمحو هذا التجلد.

“إن التبلد والبلادةَ والغبا” مثل الخمور، هذا تشبيه؛ يشبه التبلد وعدم الإحساس والبلادة والغباء التي ينعم بها كثير من الناس؛ لأنهم لا يشعرون بشقاوة الحياة، لا يفكرون في معاني الحياة، يشبهها شكري بالخمور التي تُنسِي صاحبها الهم، ويشبهها بالمرقد -بالنوم- الذي يغفل صاحبه أيضًا عن الهموم، وعن التفكر في مصاعب الحياة. “إن التبلد والبلادة والغبا مثل الخمور لذيذة”: وجه الشبه: أنها لذيذة، “والمرقد”؛ فـ”الواو”: حرف عطف، و”المرقد”: معطوف على “الخمور”.

ولرُبَّ صحوٍ للخِمار مبغِّضٍ

*يأتي بهمٍّ للحياة مجدَّدِ

الاستفاقة من السكر تأتي بهم التفكير في الحياة.

مَن لي بعيش لا أُحِس صروفَه

*كالماء أو كالنار أو الجلمدِ

هذا الاستفهام يفيد التمني: عبد الرحمن شكري يتمنى أن يحيا حياةً لا يحس فيها بأحوال الحياة وأحداثِ الحياة، يتمنَّى أن يكون مثلَ الماء، أو مثلَ النار، أو مثلَ الجلمد -الصخر الذي لا يحس بشيء-.

ماذا يفيد تضاحكٌ مِن قانِط

*نارُ الجحيمِ بقلبه المتوقِّد

يقول: إن التضاحك لا يفيد في مثل حالته، و”ماذا يفيد…؟”: هذا استفهام يفيد النفي، استفهام غير حقيقي، ويقول: “نار الجحيم بقلبه المتوقد” يشبه ما يعتمل في نفسه من خواطر التعب والتفكر واليأس من الحياة، يشبه ذلك بنار الجحيم.

“ضحك يهُدُّ القلبَ وقعُ رعوده” يقول: إن الضحك نوعان: ضحك الساخر المتألم اليائس، وهذا ضحك يهد القلب وقع رعوده، يشبهه بالرعد العنيف ويجعله يهُدُّ قلبه، وهناك ضحك الغافل المتنعم: “ولرب ضحك في النعيم مغرد”.

ماذا على الإنسان لولا نسلُه

*إن باع دنياه بموتٍ سرمَدِي

وكأن الموت أمنية للشاعر؛ لأنه يريحه من هموم الحياة. هذا لون من الشعر يختلف في طريقة بنائه، وطريقة تعبيره، وطريقة تصويره عن شعر المحافظين، ويبدو أن عبد الرحمن شكري متأثر في هذه القصيدة -كما تأثر العقاد، وكما تأثر زميلهما المازني- بالروح الرومانسية الحزينة التي انتقلت إليهم من الشعر الغربي الذي قرءوه وترجموه، وبأحداث الحياة التي كانت صعبة في الفترة التي عاشوها أثناء الاحتلال الإنجليزي إلى مصر، وأثناء توافد وانتقال الثقافات الغربية والأفكار الغربية إلى الثقافة العربية الحديثة.

error: النص محمي !!