Top
Image Alt

التربية بالقصة

  /  التربية بالقصة

التربية بالقصة

القصة لغةً:

الأمر والحديث، وقد اقتصَّ الحديث: رواه على وجهه، وقص عليه الخبر قصصًا، فالاسم أيضًا القصص، والقصص -بكسر القاف- جمع القصة التي تُكتب، وجاء في (المصباح): قصصت الخبرَ: حدَّثت به على وجهه، والاسم القصص -بفتحتين- وقصصت الأثر: تتبعته، والقصة -بكسر القاف-: الشأن والأمر.

القصة شرعًا:

مجموعة من الأخبار الحقيقية عن حوادث وقعت في الماضي، فيها من العبر والنكت، والعجائب التي ليست في غيرها، أو هي: مجموع الكلام المشتمل على ما يهدي إلى الدين، ويرشد إلى الحق، ويأمر بطلب النجاة.

وعرفها بعض الباحثين: أنها كلام حسن في لفظه ومعناه مشتمل على أحداث حقيقية سابقة، ومتضمن على ما يهدي إلى الدين، ويرشد إلى الخير.

وعلى ضوء ما تقدم يُمكن أن نعرفها على أنها: الإخبار عن أحداث حقيقية سابقة بكلام حسن الألفاظ، صِيغ بأسلوب بديع مشوق جذاب، وقد احتوى على العبر والحكم والعجائب، يهدي السامع بسحره للنفوس إلى الدين، ويرشد إلى الخير وفضائل الأعمال.

ولا يخفَى ما في القصة من سحر يسحر النفوس ويؤثر عليها، ولا أحدَ يعرف على وجه التحديد كيف يتم ذلك؟ أهو انبعاث الخيال يتابع مشاهدَ القصة من موقف إلى موقف، ومن تصرف إلى تصرف إلى شعور؟ أم هو المشاركة الوجدانية لأشخاص القصة، وما تثيره في النفس من مشاعر؟ أم هو انفعال النفس بالمواقف حين يتخيل الأنسان نفسه داخل الحوادث؟

ومهما كان الأمر هذا أو ذاك، فلا شك أن قارئ القصة وسامعها لا يملك أن يقف موقفًا سلبيًّا من شخوصها وحوادثها، فهو على وعي منه أو غير وعي يدس نفسه على مسرح الحوادث، ويتخيل أنه كان في هذا الموقف أو ذاك، ويروح يوازن بين نفسه، وبين أبطال القصة فيوافق بعضهم، وينكر على بعض، ويعجب ببعض.

والمربي الناجح هو الذي يستطيع أن ينتقي من القصص والحوادث والأخبار، ويصوغها صياغةً جيدةً مشوقةً؛ ليشغل انفعال العاطفة، ومسار الانتباه في عرض القصة لدى السامع، حتى إذا تفاعل روحيًّا، وتفتح ذهنيًّا صَبت في مشاعره وأحاسيسه، وأعمال قلبه من معين العبرة وسلسبيل القصة، ما يجعله خاشعًا مخبتًا قد تهيأ، واستعد لاستقبال التوجيه المطلوب.

وللقصة في التربية الإسلامية وظيفة تربوية مهمة لا يحققها لون آخر من ألوان من الأداء اللغوي، ذلك أنها تمتاز بميزات جعلت لها آثارًا نفسيةً وتربويةً بليغةً، بعيدة المدى على مر الزمان؛ لما تثيره من حرارة العاطفة، ومن حيوية وحركية في النفس، تدفع الإنسان إلى تغيير سلوكه، وتجديد عزيمته حَسْب إيماءات القصة وتوجيهها وخاتمتها والعبر منها؛ لأن استخدام طريقة القصة، والتربية تساعد على إيضاح وتفسير وتذليل ما يصادف المربي من صعوبات وتعقيدات في الحقائق والمعلومات المراد توصيلها إلى المربين.

ولأن القصة تؤثر في النفس إذا وضعت في قالب عاطفي مثير لا سيما إذا كانت ذات مغزى نبيل، فتحرك الدوافعَ الخيرة في الإنسان، وتطرد النزعات الشريرة منه، فهي تجعل القارئ أو السامع يتأثر بما يقرأ أو يسمع، فيميل إلى الخير وينفذه، ويمتعض من الشر فيبتعد عنه.

وقد أدرك الرسول صلى الله عليه وسلم الميل الفطري إلى القصة، أدرك ما لها من تأثير ساحر على القلوب، فاستغلها؛ لتكون وسيلةً من وسائل التربية والتقويم، وأراد صلى الله عليه وسلم من خلال القصة بناءَ شخصياتٍ تلاميذه على أسس سليمة وصحيحة وَفق النماذج المثالية التي تدور عليها أحداث القصة، وأن يزرع في نفوسهم فضائل الخير بأنواعها، وأن يرتقي بعقولهم ومداركهم، ووعيهم إلى الصورة المثالية التي يرتضيها لهم، وأن تتم صياغة مقومات شخصياتهم وسلوكهم نقيةً نظيفةً من الأخلاق السيئة، والطِّباع المنحرفة، والتصورات الخاطئة التي تتحلى بها الشخصيات الشريرة في القصة.

ولقد دلت التجربة على أن من أشد المواعظ الدينية نفاذًا إلى القلوب ما عُرض في أسلوب قصصي يحمل على المشاركة الوجدانية للأشخاص، والتأثير بالأحداث، والانفعال بالموقف.

وهذه نماذج من قصصه صلى الله عليه وسلم:

القصة الأولى: ما روى الإمام البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كان رجل من بني إسرائيل يقال له: جريج، يصلي، فجاءته أمه فدعته فأبى أن يجيبها، فقال: أجيبها أو أصلي؟ ثم أتته فقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات، وكان جريج في صومعته، فقالت امرأة: لأفتتن جريجًا، فتعرضت له، فكلمته فأبى، فأتت راعيًا فأمكنته من نفسها، فولدت غلامًا، فقالت: هو من جريج، فأتوه، وكسروا صومعته، وأنزلوه وسبوه، فتوضأ وصلَّى، ثم أتى الغلامَ، فقال: مَن أبوك يا غلام؟ فقال: الرَّاعي، قالوا: نبني صومعتك من ذهب!! قال: لا، إلا من طين)).

من الفوائد التربوية لهذه القصة:

الفائدة الأولى: أنه لفت نظر السامعين إلى جواز التعمق بالطاعات والاستزادة منها، وأن جريجًا كان مشغولًا بصلاته لا يحب فراقها، حيث ورد في رواية أخرى للبخاري: ((أنها نادته ثلاث مرات، وفي كل مرة يقول: يا ربي، أمي وصلاتي؟!)). وفي هذا إشعار للمؤيدين بأن كثرة الصلاة تورث حلاوة الاستغراق بها، بحيث جعلته يفضل استمراره بالصلاة على إجابة أمه مع علمه بواجب بِرها.

الفائدة الثانية: أن من فقه العابد أن يوازن بين طاعته لوالدته وعبادته، فبإمكان جريج إجابة أمه دون فوت الصلاة، وقد ذهب بعض الشافعية إلى جواز قطع الصلاة مطلقًا؛ لإجابة نداء الأم، حتى ولو كانت فرضًا. وقال النووي: إنها دعت عليه فأجيبت؛ لأنه كان يمكنه أن يخفف ويجيبها.

وورد أيضًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه رجل، فقال: جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان، فقال صلى الله عليه وسلم: ((ارجِعْ عليهما، فأضحكمها كما أبكيتهما)).

فمن فقه المسلم الملتزم أن يوازن بين احتياج الوالدين والأهل، وبين متطلبات العبادة حتى ولو كانت جهادًا في سبيل الله، ولا يغلب جانب العبادة والتفرغ للعمل للإسلام على بقية الجوانب الأخرى.

الفائدة الثالثة: فيه أيضًا الرفق بالتابع إذا جرى منه ما يقتضي التأديب؛ لأن أم جريج مع غضبها منه لم تدعو عليه إلا بما دعت به خاصةً، ولولا طلبها الرفق به لدعت بوقوع الفاحشة أو القتل، ويبدو أن أم جريج كانت ذكيةً بحيث أرادت أن تكون العقوبة من جنس العمل، فدعت عليه بالنظر في وجه المومسات، وهو أبغض شيئًا للعابد؛ نتيجة امتناعه عن النظر إلى وجه أمه، والله أعلم.

الفائدة الرابعة: وفيه دعوة إلى قوة اليقين بالله والثقة به تعالى خاصةً؛ قياسًا بحالة جريج المذكورة وصحة رجائه؛ لأنه استنطق المولودَ مع كون العادة أنه لا ينطق، ولولا صحةُ رجائِهِ وتيقنه بنطقه ما استنطقه.

الفائدة الخامسة: وفيه أن صاحب الصدق مع الله لا تضره الفتن، وأن الله تعالى يعصمه منها، وأن الشيطان لا سبيلَ له إليه، قال سبحانه: {إِنّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاّ مَنِ اتّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر: 42].

الفائدة السادسة: وفي هذا الحديث بيان أن الله تعالى يجعل لأوليائه عند ابتلائهم مخارجَ، وإنما يتأخر ذلك عن بعضهم في بعض الأوقات؛ تهذيبًا وزيادةً لهم في الثواب، وهذه الموعظة تربية للمؤمنين بأن الله تعالى معهم، وهو ناصرهم ومؤيدُهم ومولاهم، حتى لا يتسرب إلى نفوسهم اليأس، ويستحوذ عليهم القنوط، فليس شيء أقرب إلى المستحيل من أن ينطق مولود رضيع ليشهد ببراءة متهم، وها هو قد نطق، فعلام إذن يستحوذ اليأس والقنوط على بعض المسلمين مع أن الله تعالى لا يتخلف عن نصرة الصادقين منهم؟!

الفائدة السابعة: وفي هذا توجيه إلى السامعين بالفزع عند الأمور المهمة إلى الله تعالى من خلال الصلاة، وطلب عونه وفرجه، وفيه ربط بين ما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان إذا حزَبه أمر صلى، وبين خطر جريج الذي لجأ إلى الصلاة والدعاء؛ طالبًا تأييدَ الله تعالى.

الفائدة الثامنة: وفيهإشارة خفيفة إلى مكر النساء، واستعداد بعضهن للإغواء والفتنة، وإلصاق التهم بالأبرياء، مما يستدعي الابتعاد عن مواطن الشبهة والفتن، وقطع دابرها.

هذه أهم الجوانب التربوية المستفادَة من هذه القصة التي أراد الرسول صلى الله عليه وسلم توصيلها إلى أذهان السامعين من خلال روايتها لهم.

القصة الثانية: يقص علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قصة أخرى، رواها البخاري: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

((انطلق ثلاثة رهط ممن كانوا قبلكم حتى آووا المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعو الله بصالح أعمالكم، فقال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلًا ولا مالًا، فنأى بي في طلب شيئًا يومًا، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما، فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أغبق قبلهما أهلًا أو مالًا، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى بَرَقَ الفجر، فاستيقظا، فشربَا غبوقَهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاءَ وجهك، ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئًا لا يستطيعون الخروج)).

قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((وقال الآخر: اللهم كانت لي بنت عم كانت أحب الناس إليَّ، فأردْتُها عن نفسها فامتنعت مني، حتى ألمَّت بها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار، على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت، حتى إذا قدرت عليها، قالت: لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه، فتحرجتُ من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إليَّ، وتركت الذهبَ الذي أعطيتُها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاءَ وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها)).

قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((قال الثالث: اللهم استأجرت أجراءَ، فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذَهَب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين، فقال : يا عبد الله، أدِّ إلي أجري، فقلت له: كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يا عبد الله، لا تستهزئ بي، فقلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه كله فاستاقه، فلم يترك منه شيئًا، اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاءَ وجهك، فأفرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون)).

من الفوائد التربوية لهذه القصة:

الفائدة الأولى: أنه عمَّق في نفوس الجميع استحباب الدعاء عند الكرب، كيف لا ! وقد رَأَوْا عناية الله الفائقة تتدخل كي تنقذ ثلاثةً من موت محقق دون تدخل أحد.

الفائدة الثانية: زاد الجميع إيمانًا ويقينًا أن الله تعالى قريب يجيب دعوة الداع إذا دعاه، ويفرج عنه الكربَ.

الفائدة الثالثة: عَمَّق في نفوس الجميع فضلَ الإخلاص في العمل، والحرص عليه بما رأوا من ثمراته العاجلة.

الفائدة الرابعة: أوجد رغبةً شديدةً في القيام بفضائل الأعمال كبِر الوالدين، وخدمتهما وإيثارهما على الولد والأهل، وتحمل المشقة لأجلهما، ومكانة العِفة والانكفاف عن الحرام مع القدرة، وفضل أداء الأمانة، وعدم أكل أموال الناس بالباطل.

القصة الثالثة: وعندما يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يذكِّر الناس بنعم الله وفضله عليهم، ويحثهم على شكره وعدم كفرانه، وعندما يريد أن يحذرهم ما أهلك أكثر الناس، وأوقعهم في الهاوية وهو حب المال، وعدم أداء حقه، يقص عليهم حديث الأبرص والأقرع والأعمى، فيقول فيما يرويه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

((إن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص، وأقرع، وأعمى، بدا لله عز وجل أن يبتليهم، فبعث إليهم ملَكًا فأتى الأبرص، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، قد قذرني الناس، قال: فمسحه فذهب عنه، فأعطي لونًا حسنًا وجلدًا حسنًا، فقال: أي مال أحب إليك؟ قال: الإبل أو قال: البقر -هو شك في ذلك- إن الأبرص والأقرع، قال أحدهما: الإبل، وقال الآخر: البقر، فأعطي ناقة عشراء، فقال: يبارك لك فيها، وأتى الأقرع فقال: أي شيء أحب إليك، قال: شعر حسن، ويذهب عني هذا، قد قذرني الناس، فقال: فمسحه فذهب وأعطي شَعْرًا حسنًا، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر، قال: فأعطاه بقرة حاملًا، وقال: يباركالله لك فيها، وأتى الأعمى، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: يرد الله إليَّ بصري، فأبصر به الناسَ، قال: فمسحه فرد الله إليه بصره، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطاه شاةً والِدًا، فأنتج هذا، وولد هذا، فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم.

ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين تقطعت بي الحبال، فلا بلاغَ اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن، والمال، بعيرًا أتبلغ به في سفري، فقال له: إن الحقوق كثيرة، فقال: كأني أعرفك، ألم تكن أبرصًا، يقذرك الناس، فقيرًا فأعطاك الله؟ فقال: لقد ورثت كابرًا عن كابر، فقال: إن كنت كاذبًا فصيَّرك الله إلى ما كنتَ. فأتى الأقرع في صورته وهيئته، فقاله ما قال لهذا، فرد عليه مثلما رد عليه هذا، فقال: إن كنت كاذبًا فصيرك الله إلى ما كنتَ. وأتى الأعمى في صورته، فقال: رجل مسكين وابن سبيل، وتقطعت بي الحبال، فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرَك شاةً أتبلغ بها في سفري، قال له: قد كنت أعمى فرد الله بصري، وفقيرًا فقد أغناني، فخذ ما شئتَ، فوالله ما أجهدك اليوم بشيء أخذتَه لله، فقال: أمسك مالَك، فإن ما ابتُليتم، فقد رضي الله عنك وسخِطَ على صاحبيك)).

من الفوائد التربوية لهذه القصة:

الفائدة الأولى: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أعطى صورةً واضحةً للحالة التي كان عليها الثلاثة، حيث كانوا يعيشون حالةً نفسيةً متعبةً؛ بسبب المرض الذي استقذرهم الناس من أجله، ونفروا منهم بسببه، وبسبب الفقر الذي ابتلوا به، وزاد من سوء حالتهم النفسية المتدنية، مما جعلهم مثار عطف وشفقة تستدعي تقديم العون والمساعدة من قِبل المطلع على حالتهم هذه. ثم أعطى بعدها صورة للحالة الجيدة التي أصبحوا بها من حسن المنظر والهيئة، إلى كثرة الأموال التي مَنَّ الله تعالى بها عليهم.

إن هاتين الصورتين المتضادتين تجعلان السامع يشعر بعظم فضل الله تعالى، وامتنانه على هؤلاء الثلاثة، ثم يبدأ يتخيل مقدارشكر هؤلاء لله تعالى، وقد ارتسمت في مخيلته أعمال البر والإحسان إلى المحتاجين التي سيقومون بها عرفانًا للجميل، ومواساةً لبني جنسهم الذين يعانون من ألم الفقر الذي قد شاطروهم إياهم يومًا ما، فإذا بالصورة تأتي مغايرة تمامًا للمتوقع؛ جحود ونكران ومكابرة، بُخل وشُح.

إن هذه القصة أحدثت في نفوس السامعين حالة من الإشمئزاز، والبغض والكراهية للموقف المشين لهؤلاء الجاحدين، تركت كل واحد منهم يعقد مقارنة بينه وبينهم، يستعيذ بعدها أن يتصرف مثلهم مهما كانت الأسباب، كما أن الموقف المحمود للأعمى الشاكر ترك أثرًا طيبًا في نفوس الجميع، جعل كل واحد يتمنى أن يقف موقفَه هذا يومًا ما.

وفي القصة تحذير من كفران النعم، والترغيب في شكرها، والاعتراف بها، وحمد الله عليها، والحث على الرفق بالضعفاء وإكرامهم، وتبليغهم مآربهم، وفيها زجر عن البخل؛ لأنه حمل صاحبه على الكذب، وعلى جحد نعمة الله تعالى.

الفائدة الثانية: إن الرسول صلى الله عليه وسلم اختار هذه القصة؛ لأن موضوعها يمكن أن يتكرر على مدار الزمان، فأراد بذكرها تحذيرَ السامعين عاقبةَ جحود فضل الله، وأراد أن تكون عبرةً حيةً بين أيديهم يتذكرونها كل حين.

الفائدة الثالثة: أنه أراد من خلالها ترسيخ الاعتقاد بأن الغِنى والفقر من الله تعالى، لا عَلاقة لإرادة الإنسان بها، مما يستدعي تواضع الأغنياء وشكرهم، واحتمال الفقراء وصبرهم.

القصة الرابعة: روى الإمام البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اشترى رجل من رجلًا عقارًا له، فوجد الرجل الذي اشترى العقار جرةً فيها ذهب، فقال الذي اشترى العقار: خذ ذهبك مني، إنما اشتريتُ منك الأرض، ولم أبتع منك الذهب، وقال الذي له الأرض: إنما بِعتك الأرض وما فيها، فتحاكمَا إلى رجل، فقال الذي تحاكما إليه: ألكما ولد؟ قال أحدهما: لي غلام، وقال الآخر: لي جارية، قال: أنكحوا الغلام الجارية، وأنفقوا على أنفسهما منه، وتصدقَا)).

الفائدة الأولى: لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم -والله أعلم- معجبًا بموقف البائع والمشتري اللذين اختصمَا لا في أيهما أحق بالذهب، لكن في أن كل واحد يرى أن صاحبه أحق به منه، وهذا موقف مثالي فريد نادر التكرار، لا من حيث جحود المشتري للذهب والاستثمار به، بل في دفعه عن نفسه بعد أن أثبته له البائع، ولقد أراد من المسلمين التأسي بهذا الموقف النبيل في هذه القصة، وأن أي موقف يريد أن يقفه السامع لها سواء من المشتري أو من البائع، فهو محمود عليه، ومأثرة له.

الفائدة الثانية: كما وإن هذه القصة فيها درس للجميع في أداء حقوق الناس وترك الطمع فيها، وإن أي سامع لهذه القصة، وإن كان فيه أدنى خير لا يرضى لنفسه أن يبخس الناس إن لم يستطع أن يتأسى بهما.

القصة الخامسة: روى الإمام البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((عُذبت امرأة في هِرة سجنتها حتى ماتت فدخلت النار، لا هي أطعمتها، ولا سقتها إذ حبستَها، ولا هي تركتها تأكل من خَشاش الأرض)).

إن الغرض الذي أورد البخاري من أجله هذا الحديث يتضمن عدة أمور تربوية؛ منها:

أولا: تنمية جانب الخوف والرهبة عند المطلوب تربيتهم تجاه حقوق بني جنسهم، فإذا كان دخول النار بسبب إجاعة قطة حتى ماتت، فكيف بإزهاق أرواح ظلمًا.

ثانيًا: ويدخل تحت هذا الباب كل عمل يفضي إلى التسبب في إجاعة أو موت أحد، فالاحتكار والاستحواذ على أموال الآخرين ظلمًا وسجن العائل ظلمًا.

ثالثا: وأراد صلى الله عليه وسلم -والله أعلم- من المسلمين عدم احتقار أي ذنب مهما صَغُر، والمراقبة الدقيقة لكل تصرف يتصرفونه.

القصة السادسة: مقابل قصة المرأة التي دخلت النار في هرة هناك رجل دخل الجنةَ في كلب، والقصة كما رواها البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئرًا فنزل فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلبُ من العطش مثل الذي كان بلغ بي، فنزل البئر فملأ خفه، ثم أمسكه بِفِيه، فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له، فقالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرًا؟ قال: في كل ذات كبد رطبة أجر)).

 والأهداف التربوية والتوجيهية المستفادة من إيراد هذه القصة كثيرة؛ منها:

 أولًا: الحث على الإحسان إلى الناس مهما كان شأن ذلك الإحسان، بعد أن تبين أن الإحسان إلى كلب قد أدخل بغيًّا الجنة.

ثانيًا: الحث على الرحمة والشفقة تجاه الآخرين، وتنمية شعور الإحساس إزاءَ معاناتهم ومصاعبهم التي يتعرضون لها في هذه الحياة الدنيا، كما شعر هذا الرجل بمعاناة الكلب من العطش.

ثالثًا: الاهتمام بأعمال الخير مهما صغرت، وعدم احتكار أي عمل منها.

وقصة الهرة والكلب صورتان متضادان لعمل الخير وعمل الشر، كلا العملين يبدوان للناظر بسيطين، إلا أنه مع بساطتهما فقد أدخل أحدُهما صاحبه الجنةَ، وأدخل الآخر صاحبه النارَ.

القصة السابعة: قصة السحابة المأمورة بسقية حديقة رجل صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((بين رجل بفلاة من الأرض، فسمع صوتًا في سَحابة: اسق حديقةَ فلان، فتنحى ذلك السحاب، فأفرغ ماءه في حرة، فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع الماء، فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله، ما اسمك؟ قال: فلان، بالاسم الذي في السحابة، فقال له: يا عبد الله، لِمَ تسألني عن اسمي؟ فقال: إني سمعت صوتًا في السحاب الذي هو ماؤه يقول: اسقِ حديقة فلان لاسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أما إذا قلت هذا، فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثًا، وأرد فيها ثلثه)).

الدروس المستفادة من القصة:

أولًا: تيسير الأرزاق بسبب الصدقات:

تتعدد في القرآن الكريم أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الوصايا بالصدقة، والحث على الاهتمام بها، وفي إطار هذه الوصايا تؤكد الآيات والأحاديث على أن الصدقة لا تنتقص من المال شيئًا، بل على العكس تبارك فيه، وتكون سببًا في وجود خلف لها بعد خروجها.

وفي الإشارة إلى هذا المعنى يقول الله تعالى: {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ} [سبأ: 39]، ويقول صلى الله عليه وسلم: ((ما من يوم يصبح العباد فيه إلا مَلَكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسكًا تلفا)).

وإذا كانت الصدقة إنفاقًا من الشخص لبعض ماله، فإن النقص المادي الظاهري في المال شيء ملموس، فكيف يمكن أن نوفق بين هذا الشيء وبين نفي رسول الله صلى الله عليه وسلم إنقاص المال بالصدقة؟ ويرى العلماء النقص الحاصل بسبب الصدقة ينجبر بأحد صورتين:

الأولى: إيجاد البركة في المال، ودفع المضرات عنه، فينجبر النقص الظاهر بالبركة الحقيقية.

الثانية: أن الثواب المرتب على الصدقة في الآخرة، والذي يضاعَف إلى أضعاف كثيرة يجبر أيَّ نقص في المال.

ثانيا: فضل الإنفاق على الأهل:

تدل الصدقة على أن الرجل كان يتعامل مع ما يخرج من الأرض باستثناء الجزء الذي يعود فيها بإنفاقه في جهتين، وهما التصدق بالثلث -وقد بينا فضل ذلك- وإنفاق الثلث الباقي على عياله، وفي هذا التصرف وسَوْقه صلى الله عليه وسلم له مساق المدح، ما يدل على أن المرء مأجور فيما ينفقه على عياله.

ثالثًا: وفي مباشرة الرجل عمله بيده في الحديقة: ما يدل على فضل كسب المرء من عمل يده، وفي الحديث: ((ما أكل أحدٌ طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده)).

وإنما كان الأكل من عمل اليد خيرًا مما عداه؛ لعدة أسباب:

الأول: أن فيه إيصال النفع للمكتسب ولغيره.

الثاني: أن فيه تعففًا عن ذل السؤال.

الثالث: أن فيه قطعًا للبطالة، والتي تؤدي إلى الفراغ والفضول مما يضيع حياة المرء سدًى.

الرابع: أن فيه استغلالًا لخيرات الله المبثوثة في الأرض، والتي لولا العملُ لضاعت الفائدة منها.

ولأن كانت هذه الفائدة في حق عامة الناس ومنهم الدعاة، فإن للدعاة في هذا الدرس فائدة تخصُّهم، وهي أن كلمة الحق التي يُطالَبون بتبليغها للناس لن تكون ذاتَ أثر فعال ما لم يصحبها استغناء عن الناس، ولا يكون ذلك إلا بالاكتساب والأكل من عمل اليد.

error: النص محمي !!