Top
Image Alt

التربية عند اليونان

  /  التربية عند اليونان

التربية عند اليونان

الفلسفة واليونان اسمان لعملة واحدة، أعطت لليونانيين تأشيرة دخول إلى بوابات التراث الإنساني؛ إذ إن لغات العالم تلقفت إنتاج اليونانيين، وما زال إنتاجهم الفكري مادة ثقافية ثرية للنقد والنقاش, تستقطب الدارسين وعشاق المعرفة، ومعظم لغات العالم تحتوي على كلمات أصولها يونانية، وتدل آثار اليونانيين الحضارية على أنهم عملوا على تخصيص مباحث فلسفية مستفيضة لدراسة أساس السلوك الإنساني، وسبل السيطرة عليه؛ لأنهم آمنوا بأن محاولة فهم السلوك وتوجيهه هو أرقى طرائق تنمية العلوم.

ويتميز المفكرون اليونانيون بالتنوع والثراء، والإعلاء من شأن التخصص والفلسفة والسياسة والتأمل، ويميل بعضهم -مثل أفلاطون- إلى التشكيك في قدرة الحواس الخمس، وتقليل دورها في عملية الكشف عن الحقيقة الكاملة.

ويتميز الفكر التربوي عند الإغريق بالتنوع الشديد؛ فسقراط وأفلاطون ينزعان إلى المثالية في حديثهما عن العدل والخير والجمال، بينما يميل الفيلسوف اليوناني أرسطو إلى الواقعية، في حين يذهب السوفسطائيون إلى الجدل والتشكيك في كل المسائل.

وثمة ملاحظة جديرة بالاهتمام, وهي: أن الحضارة اليونانية والرومانية استطاعتا التغلغل في الثقافة الغربية الحديثة؛ لتصبحا أصلين من أصولها الفكرية، وحتى بذور الفكرة الديمقراطية يعتقد بعض الباحثين أنها كانت من أدبيات وبنات أفكار اليونانيين.

ومن الثابت تاريخيًّا أن الغرب عرف علوم اليونان عبر التراث الإسلامي العربي الذي ساد بلاد الأندلس، ومن خلال الحروب الصليبية اكتشف الغرب علوم اليونان التي ضاعت معظم أصولها، وسلم ما تبقى منها على يد المسلمين الذين ترجموها ودرسوها، ومن هذه التراجم نهل الفكر الغربي في إيطاليا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا من علم اليونانيين.

وأثينا وإسبرطة هما المدينتان المهمتان في تاريخ اليونان، ورغم اختلاف نظمهما السياسية، وطبيعة الحياة الاقتصادية فيهما؛ إلا أنهما اتفقتا في جعل التربية وسيلة لإعداد المواطن الذي يخدم بلده؛ فيحفظ الأمن داخليًّا كما يدفع هجمات الطامعين، فلا يهاب الحروب ولا يقبل الهزائم والاستسلام.

وفي إسبرطة كانت الإستراتيجية التعليمية تركز على التدريبات العسكرية المستمرة لنخبة معينة من أبناء المجتمع؛ ليكونوا مواطنين صالحين.

وأدت الدولة دورًا بارزًا في الصياغة للنظام التعليمي, الذي كان يسوده الجمود والقسوة والتسلط، والشجاعة النابعة من التمرينات الرياضية الشاقة كانت من أهم القيم التربوية في حياة الفتيان والفتيات، وكانت كل المواعظ المتوارثة والتدريبات القاسية تعمل على ترسيخ هذه الفضيلة في نفس المواطن الإسبرطي؛ لدرء المخاطر الخارجية، وتأمين حياة قوية وحضارة متفوقة.

وهناك مجموعة قيم إسبرطية انبثقت من قيمة الشجاعة، مثل شيم: الصبر, والتعاون، وتحمل المشاقّ، وضبط النفس، والثبات، والخشونة في العيش، والطاعة العمياء للقادة، والولاء المطلق لهم، واحترام النظام.

تمتع التعليم في أثينا بحرية سياسية، ومال إلى إعلاء شأن الفكر؛ فركز على المهارات العقلية والآداب الاجتماعية، وتم استخدام التهديد والضرب حين الحاجة بغرض التقويم، كما يقوم الغصن المعوجّ. وكانت المهارات العقلية متصلة بالفنون، كما كان يستخدم الشعر للغناء, ولاقت المناقشات الفكرية القائمة على مهارة الخطابة تشجيعًا كبيرًا.

وعندما نقوم بمراجعة التاريخ اليوناني, فإننا نجد أن التربية الموسيقية لاقت عناية فائقة، وبلغت شأوًا عظيمًا؛ إذ انتبه اليونانيون -وعلى رأسهم الفلاسفة منهم- إلى أثر النغمات والألحان في ملامسة أحاسيس الناس, ولا عجب بعد ذلك أن نجد أن النظام التعليمي عندهم يحرص على توجيه الفن؛ لغرس الصفات الخلقية النبيلة الجميلة، إذا تم اختيار الألحان المناسبة، وتم توظيفها بالصورة اللائقة.

تمتع أهل اليونان بثقافة واسعة؛ نتيجة للحرية الفكرية المتاحة في بعض المدن، كما أن الرحلات ساهمت في خلود روائع إنتاجهم, الدال على سعة حضارتهم.

وكتابات هيرودوت تكشف عن وعي عميق بأهمية تدوين التاريخ، وتدل على سبقه إلى منهج تحليل الحكايات، ومعالجة التاريخ كحقل علمي مستقل، كما تدل على توظيف سلسلة الأسفار والتنقلات للأغراض العلمية؛ إذ اعتمد عليها هيرودوت في توثيق البيانات.

ونجد أبقراط وهو أبو الطب؛ لأنه نهض بهذا العلم الجليل، وأفاض في تعزيزه بالتجربة والدليل، لقد ناقش أبقراط المسائل الطبية نظريًّا، ونشر آدابها عمليًّا، وما زال الأدباء في كل دول العالم يقرون له بالفضل؛ بل أصبح قَسم أبقراط من أهم معالم تاريخ الحركة الطبية في العالم أجمع، وهذا القَسم من أقدم الوثائق التاريخية النادرة التي تبين أخلاقيات ممارس مهنة الطب, كعمل إنساني نبيل له أسسه التنظيمية، وأعرافه العريقة التي تمزج بين العلم والأخلاق.

ورغم ذلك, فإن التأمل والقياس هو الغالب على العلوم الطبية اليونانية، في حين أن الطب الهندي والعربي يعتمد على التجارب، قال الخطابي: والطب نوعان: طب اليونان وهو قياسي، وطب العرب والهند وهو تجاربي.

واليونانيون القدماء هم أول الناس الذين شرعوا في دراسة الذاكرة, كما تشير الكتابات في مضمار علم نفس التعلم. لقد ناقشوا أشكال التذكر، وتحدثوا عن عوامل النسيان، وحاولوا تحديد مكان الذاكرة في الجسم الإنساني، كما حددوا وظائف كل من الدماغ والقلب.

من خلال هذا العرض السريع, يمكننا أن نربط بعض الأفكار التربوية المعاصرة بما كان سائدًا في اليونان، فما زالت الدول والشعوب تتخذ من التربية الوطنية أساسًا للتعليم، ومن التربية البدنية والعقلية والعسكرية أساسيات إعداد المواطن الصالح، وفوق ذلك كله أنجبت اليونان أبرز رُوّاد الفلسفة، والتربية، والطب، والتاريخ، وما زالت دراسات سقراط، وأفلاطون، وأرسطو تدرّس في الجامعات والمعاهد والكليات, في مشارق ومغارب الأرض؛ كنفائس يستلهم منها المفكرون الكثير من الآراء.

إن كليات المعلمين والمعلمات ما زالت تنهل من عصارة فكر السابقين، ومنهم علماء اليونان، ومهما اختلف الباحث التربوي مع فلسفة علماء اليونان؛ فإنه لا يمكن أبدًا إنكار دورهم الكبير في التأثير على الفكر الإسلامي والعالمي بشكل مباشر وغير مباشر، فما زال ميراث علماء اليونان وقود الفلسفة ومسائلها السائدة.

error: النص محمي !!