Top
Image Alt

الترجيح بين الأقوال في حكم الوديعة المصرفية

  /  الترجيح بين الأقوال في حكم الوديعة المصرفية

الترجيح بين الأقوال في حكم الوديعة المصرفية

علمنا مما سبق أن قلة من العلماء المعاصرين يبيحون عوائد الودائع المصرفية، وأن جمهور العلماء المعاصرين على تحريمها في البنوك التجارية، وجوازها في المصارف الإسلامية; لأن المعاملة مختلفة فهي في التجارية قروض وفوائد، فخضعت للقاعدة الشرعية: ((كل قرض جر نفعًا فهو ربا))، كأن البنوك التجارية تستثمر الودائع في القروض بفوائد عالية، أما في المصارف الإسلامية فالمعاملة مضاربة؛ لأن المصارف الإسلامية لا تتعامل بالقروض، وعوائد المضاربة أرباح وتشرف عليها هيئة الرقابة الشرعية، وقد وافقت عليها وأقرتها المؤتمرات والمجامع الفقهية.

والراجح ما قاله جمهور العلماء في تحريم فوائد الودائع المصرفية في البنوك التجارية؛ لأنها ربا وإباحتها في المصارف الإسلامية؛ لأن هذه الوديعة في المصارف الإسلامية أرباحها مضاربة، وفي بيان ذلك قال الدكتور علي السالوس: إن علماء المسلمين المشتركين في المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية أصدروا بالإجماع هذه الفتوى؛ الفائدة على أنواع القروض كلها ربا محرم، لا فرق في ذلك بين ما يسمى بالقرض الاستهلاكي، وما يسمى بالقرض الإنتاجي، وكثير الربا وقليله في ذلك حرام، والإقراض بالربا محرم ولا تبيحه حاجة، ولا ضرورة والاقتراض بالربا حرام كذلك، ولا يرتفع إثمه إلا إذا دعت إليه الضرورة، وكل امرئ متروك لدينه في تقدير ضرورته، وإن الحسابات ذات الأجر وفتح الاعتماد بفائدة وسائر أنواع الإقراض نظير فائدة، فكلها من المعاملات الربوية وهي محرم.

وفي سنة 1396هـ – 1976م عقد المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي، وحضره الكثرة الكاثرة من فقهاء الشريعة وعلماء الاقتصاد والقانون وغيرهم، ولم يسر أي خلاف حول فوائد البنوك غير الإسلامية من الربا المحرم، ثم كانت الخطوة الأخرى نحو دعم البديل الإسلامي وتحسينه، ولهذا جاء في المقترحات والتوصيات ما يلي:

أولا: دعوة الحكومات الإسلامية إلى دعم البنوك الإسلامية القائمة في الوقت الحاضر، والعمل على نشر فكرتها وتوسيع نطاقها.

ثانيًا: العناية بتدريب العاملين في البنوك الإسلامية لتحقيق المستوى اللائق لكفايتهم العلمية، حتى يتوافد الناس إليهم ويتعاملوا معهم، ثم قال: والبنوك الإسلامية عندما أرادت أن تقدم تطبيقًا عمليًّا للاستثمار الحلال المشروع، ابتعدت عن القرض الإنتاجي الربوي، وقامت على أساس شركة المضاربة الإسلامية غير أن الشكل تطور دون مساس بالجوهر، فمجموع المودعين يمثل صاحب رأس المال، والبنك أو المصرِف يعتبر المضارب، ورأس المال المتجمع من الودائع لم يعد من الذهب أو الفضة، فقد تطورت النقود وأصبحت ورقية، ومجالات الاستثمار تعددت وتنوعت، وكل هذا التطور لا يمس الجوهر الثابت، فلا تزال شركة فيها الغُنم والغرم تحتفظ بالشرطين اللذين أجمعت عليهم الأمة طوال أربعة عشر قرنًا.

ودائع البنوك إذًا عرض قرض لا محالة، سواء أريد بها مجرد الإيداع كالحساب الجاري، أم الاستثمار مع الإيداع وهي الودائع ذات الفائدة، ويتضح ذلك من تعريف البنك عند أحد أساتذة الاقتصاد؛ حيث يقول: يمكن تعريف البنك بأنه المنشأة التي تقبل الودائع من الأفراد والهيئات تحت الطلب أو لأجل ثم تستخدم هذه الودائع في منح القروض، والسُّلف أو السَّلف، إذًا فقد انتهينا إلى أن الودائع المصرفية وعوائدها في البنوك الإسلامية حلال، وفي البنوك الربوية حرام; لأنها تخضع لقاعدة: ((لكل قرض جر نفعًا فهو ربا)).

ومن المناسب هنا أن نبين الفرق بين القرض الذي تعتمد عليه البنوك الربوية، والمضاربة التي تعتمد عليها المصارف الإسلامية، يقول: إن القرض يحدد له فائدة ربوية تبعًا للمبلغ المقترض، والزمن الذي يستغرقه القرض كأن يكون 10% من رأس المال سنويًّا، بغض النظر عما ينتج عن هذا القرض من كسب كثير أو قليل أو خسارة، أما المضاربة فالربح الفعلي يقسم بين صاحب رأس المال والمُضارب بنسبة متفق عليها، فإذا وقعت خسارة فإن الخسارة تكون من رأس المال وحده، ولا يأخذ العامل شيئًا في حالة الخسارة، ولا في حالة عدم وجود ربح.

والعلاقة بين صاحب القرض وآخذه ليست من باب الشركة، فصاحب القرض له مبلغ معين محدد، ولا شأن له بعمل من أخذ القرض، ومن أخذ القرض يستثمره لنفسه فقط، حيث يملك المال، ويضمن رد مثله مع الزيادة الربوية، فإن كسب كثيرًا فلنفسه وإن خسر تحمل وحده الخسارة، أما المضاربة فهي شركة فيها الغُنم والغرم للاثنين معًا، فالمُضارب لا يملك المال الذي بيده، وإنما يتصرف فيه كوكيل عن صاحب رأس المال، والكسب مهما قل أو كثر يقسم بينهما بالنسبة المتفق عليها، أما عند الخسارة فيتحمل صاحب رأس المال الخسارة المالية، ويتحمل ضياع جهده وعمله، ولا ضمان على المضارب، كما ذكرنا.

أيضًا يشير إلى معلومة جيدة تحت عنوان “الثابت والمتطور في القرض والمضاربة”: الإسلام لا يبيح إلا القرض الحسن، سواء أكان القرض استهلاكيًّا أم إنتاجيًّا، استهلاكيًّا؛ أي: للطعام والشراب والملابس والبناء، أو إنتاجيًّا أي لشراء معدات مصنع أو بضائع تجارية أو نحو ذلك، وكل مال يدفع في مقابل الزمن الذي يستغرقه القرض، فهو من ربا النسيئة -النسيئة: أي الأجل والزيادة- مقابل هذا الأجل، وإذا اتخذ القرض أشكالًا مختلفة وصورًا متعددة، واستحدث منه ما استحدث، فإنا ننظر في جوهره ومضمونه ونلحقه بأصله، فإما أن يكون قرضًا حسنًا وإما يكون قرضًا ربويًّا.

ونضرب مثلًا من أعمال البنوك وهو ما يعرف بالاعتماد المستندي، فالبنك يأخذ عمولة كأجر له على أعماله التي يقوم بها لصالح عميله، الذي يستفيد من فتح هذا الاعتماد فالأجر هنا حلال; لأنه في مقابل منفعة مشروعة وهي العمل، غير أن البنك عند فحص المستندات، ودفع الثمن لمُصدِّر السلع قد لا تكفي الأموال التي أخذها من العميل ثمنًا لهذه السلع، وعند ذلك يقوم البنك بدفع المبلغ الزائد، وهنا إذا كان البنك من البنوك الإسلامية، فإنه ينص صراحة على أن هذا المبلغ قرض حسن، أما إذا كان البنك ربويًّا، فإنه يعتبر هذا المبلغ دينًا على العميل بفائدة محددة، أي: أن هذا يعتبر قرضًا ربويًّا.

والبنوك الربوية كما تقرض قروضًا تأخذ الشكل العادي المعروف، فإنها تعطي قروضًا في أشكال مستحدثة، مثل ما يسمى بفتح الاعتماد غير المستندي، وخصم الأوراق التجارية والسحب على المكشوف، فكل هذه المعاملات في جوهرها قروض ربوية، أما المضاربة فهي في الأصل كانت صورة بدائية لا تكاد تزيد عن شركة بين اثنين: صاحب رأس المال والمضارب، وكانت تستخدم في التجارة في أشياء محدودة، ورأس المال كان من الدنانير الذهبية والدراهم الفضية، غير أنها في جوهرها شركة ليست علاقة دائن بمدين، ولها شرطان مُجمع عليهما وهما: الربح والضمان، ما أشرت إليهما في الربح والضمان، فإذا شرط أحدهما أو كلاهما لنفسه مبلغًا محددًا من المال، سواء كسبت المضاربة أو لم تكسب بطلت المضاربة، ومتى شرط على المضارب ضمان المال بحيث تكون الخسارة على المضارب، أو سهمًا من الخسارة، فالشرط باطل بغير خلاف.

والبنوك الإسلامية عندما أرادت أن تقدم تطبيقًا عمليًّا للاستثمار الحلال المشروع ابتعدت عن القرض الإنتاجي الربوي، وقامت على أساس شركة المضاربة الإسلامية، غير أن الشكل قد تطور دون مساس بالجوهر، فمجموع المودعين كما ذكرنا يمثل صاحب رأس المال والبنك يعتبر المُضارب، فكذلك قال فضيلته: “إن بعض الناس يَدعي أن الودائع المصرفية ليست قروضًا للبنك”، وتحت هذا العنوان يقول: يعجب كثير من الناس عندما يسمعون أن ودائع البنوك، أو شهادات الاستثمار تعتبر قرضًا؛ لأنهم يظنون أنما يكون للفقير المحتاج، وصاحب شهادة الاستثمار قد يكون هو الفقير الذي ادخر أموالا قليلة بشق النفس للانتفاع بها في وقت آخر، أو لأي سبب من الأسباب، فكيف يقرض البنك صاحب الملايين؟

ويعترض بعض أهل العلم على جعل هذه الودائع والشهادات من باب القرض; لأن القرض عقد إرفاق، أي: فيه رفق وشفقة على المقترض، والمتعاملون مع البنوك هنا إنما يريدون الإيداع والاستثمار، وليس الرفق بالبنوك والإحسان إليها، وعامة الناس معذورون وخاصتهم قد يعذرون وقد لا يعذرون، وقبل محاولة إزالة هذه الشبهة أضع أمام القارئ المسلم ما يأتي: بعد أن قُتل الزبير بن العوام رضي الله عنه ترك من بعده مالًا كثيرًا وفيرًا، ووجدوا عليه دينًا كبيرًا، وقد أشار إلى هذه التركة وهذا الدين الإمام البخاري في صحيحه وكثير غيره، كما ذكر الحافظ ابن حجر في (الفتح).

قال الحافظ ابن كثير في (البداية والنهاية): وقد كان الزبير ذا مال جزيل وصداقات كثيرة جدًّا، لما كان يوم الجمل أوصى إلى ابنه عبد الله، فلما قتل وجدوا عليه من الدين ألفي ألف -2 مليون- ومائتي ألف فوفوها عنه، وأخرجوا بعد ذلك ثلث ماله الذي أوصى، ثم قسمت التركة بعد ذلك، فأصاب كل واحدة من الزوجات الأربع من ربع الثمن ألف ألف ومائتي ألف درهم -مليون ومائتي ألف- فعلى هذا يكون جميع ما تركه من الدين والوصية والميراث تسعة وخمسين ألف ألف وثمانمائة ألف؛ ومعنى هذا أن تركة الزبير رضي الله عنه كانت كالآتي: مجموع الديون مليونان ومائتا ألف، نصيب الزوجات الأربع أربعة ملايين وثمانمائة ألف، ومن المعلوم أن نصيب الزوجة أو الزوجات ثمن التركة، فتكون التركة المقسمة على الورثة ثمانية وثلاثين مليونًا وأربعمائة ألف، وهذا يعادل الثلثين، حيث أوصى بالثلث ومقداره 19 مليونًا و200 ألف، وبهذا تكون التركة بعد الديون سبعة وخمسين مليونًا وستمائة ألف درهم.

وهنا يرد هذا السؤال: من يملك هذه الثروة الضخمة؟ كيف يستدين هذا الدين؟ ولنقرأ معًا ما جاء في (صحيح البخاري): “إنما كان دَينه الذي كان عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه، فيقول الزبير: لا -أي: ليس وديعة- ولكنه سلف فإني أخشى عليه الضيعة”، وهذا موجود في البخاري في كتاب: فرض الخمس، باب بركة الغازي في ماله حيًّا وميتًا مع النبي صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر.

error: النص محمي !!