Top
Image Alt

الترغيب والترهيب، والموعظة، والتربية بالأحداث

  /  الترغيب والترهيب، والموعظة، والتربية بالأحداث

الترغيب والترهيب، والموعظة، والتربية بالأحداث

يُعدّ أسلوب الترغيب والترهيب من أهم أساليب التربية الإسلامية، وأبعدها أثرًا لكونه يتمشى وطبيعة النفس البشرية التي ترغب فيما يحقق لها السرور والسعادة فتقبل عليه، وترهب مما يسبب لها التعاسة والشقاء فتنأى عنه.

الإسلام في دعوته تلك لا يعتمد على الترغيب فقط أو الترهيب فحسب، وإنما يمزج بينهما خوفًا من عذاب الله ورجاءً في رحمته وثوابه.

ذلك لأن استخدام الترهيب وحده قد يؤدي إلى اليأس واستخدام الترغيب وحده قد يؤدي إلى التواكل، والتهاون والغفلة فتتمنى على الله ما ليس لها، وفي ذلك يقول الله تعالى في وصف أنبيائه وعباده الصالحين: {زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِين} [الأنبياء: 90]، وقال تعالى: وقال: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَد * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَاد * لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِّنْ عِندِ اللّهِ وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَار} [آل عمران: 196 – 198].

ويشتمل الترغيب والترهيب أيضا على ما يناله المؤمنون من خير، ويلحق بالكافرين من شر وعذاب في الدنيا، قال تعالى: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِين} [هود: 52]، أما الآيات الدالة على ما يصيب الكافرين في عذاب في الحياة الدنيا قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِين} [هود: 94].

وقد زخرت السنة بالعديد من الشواهد، والأدلة فيما يتعلق بالترغيب والترهيب، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «سبع يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله. ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه».

ومن ذلك ترغيبه صلى الله عليه وسلم في صنائع المعروف، ومساعدة المحتاجين، وكفالة اليتيم وحسن رعايته، وترهيبه من الاتصاف بسيئ الأخلاق كالمن، والحلف الكاذب، والخيلاء، وقطع الأرحام، والظلم، وغير ذلك.

وتأتي أهمية الترغيب والترهيب في العملية التربوية من عدة اعتبارات؛ منها:

  1. أنه أحد الأساليب التربوية التي يقوم عليها المنهج الإسلامي.
  2. أن الإنسان مفطور على حب الخير لنفسه وكره الشر، وهذا بدوره يدفع الإنسان إلى الإستجابة للمثيرات الترغيبية والترهيبية.
  3. أن الإنسان لديه القدرة على التمييز بين الخير والشر، وبين ما يضره وما ينفعه، كما أنه يستطيع الاستجابة للتكاليف، سواء كانت أوامر أم نواهي، الأمر الذي يجعل للترغيب والترهيب أثرًا في سلوكه.
  4. اعتماد الترغيب والترهيب في الإسلام على الإقناع والبرهان.
  5. يعتمد الترغيب والترهيب على تنمية الانفعالات والعواطف، كعاطفة الخوف من الله، والخشوع، والخضوع، والانقياد لله، والمحبة له، والرجاء والطمع في رحمته.
  6. تعتمد التربية بالترغيب والترهيب على ضبط الانفعالات والعواطف، والموازنة بينها، فلا يطغى الخوف مثلًا على الأمل والرجاء، وإنما ينبغي أن يجمع الإنسان بين عقاب الله، والرجاء في رحمته، إلا أن هناك بعض الاعتبارات ينبغي مراعاتها عند استخدام أسلوب الترغيب والترهيب، والتي منها:
  7. الموازنة بين الترغيب والترهيب.
  8. الاعتدال في استخدام الترغيب والترهيب؛
  9. وضوح المرغبات ضمانًا للأقدام عليها، والمرهبات للإحجام عنها.
  10. تنفيذ الوعود الترغيبية والترهيبية.
  11. التدرج في استخدام الترغيب والترهيب، وتنوعهما، وهذا التنوع والتدرج يقابل درجات متفاوتة من الناس، فمنهم من تكفيه الإشارة فيرتجف قلبه، ويهتز وجدانه، ويعدل عما هو مقبل عليه من انحراف، ومنهم من لا يرضاه إلا الغضب الجاهل الصريح، ومنهم من يكفيه التهديد بعذاب مؤجل التنفيذ، ومنهم من لا بد من تقريب القصد منه حتى يراه على مقربة منه، ومنهم من لا بد من أن يحس لذع العقوبة على جسمه حتى يستقيم.

الموعظة:

إن التربية بالموعظة تُعتبر من أهم أساليب التربية الإسلامية.

الموعظة والنصيحة لهما أثران كبيران في تبصير الولد بحقائق الأشياء، وتحليه بمكارم الأخلاق، وتوعيته بمبادئ الإسلام، ولهذا نجد القرآن الكريم قد انتهج هذا الأسلوب في كثير من مواضعه.

ومن ذلك قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم * وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِير * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون * يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِير * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور} [لقمان: 13: 17] إلى آخر الآيات،

فالقرآن الكريم مليءٌ بالآيات التي تتخذ أسلوب الوعظ أساسًا لمنهج الدعوة، وطريقًا إلى الوصول إلى إصلاح الأفراد، وهداية الجماعات.

مميزات وخصائص طريقة القرآن في الموعظة:

1. النداء الإقناعيّ مصحوبًِا بالاستعطاف أو الاستنكار:

وهذا الأسلوب له إيحاءاته المؤثرة على المشاعر، وتأثيره البالغ في القلوب، وهذا الأسلوب واضح في مخاطبة القرآن الكريم لقلوب الناس، وعقولهم على اختلاف أشكالهم وأجناسهم وطبقاتهم على ألسنة الأنبياء والدعاة.

ومن تلك النماذج، والنداءات ما يلي:

نداؤه للأبناء: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ} [لقمان: 13].

وعلى لسان نوح عليه السلام: {يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِين} [هود: 42].

نداؤه للنساء على لسان الملائكة لمريم -عليها السلام-: {يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِين * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِين} [آل عمران: من الآيتين: 42: 43]، وقوله: {يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا} [الأحزاب: 32].

أما نداؤه للأقوام فعلى لسان موسى عليه السلام يقول تعالى: {يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم} [البقرة: 54].

أما نداؤه للمؤمنين فمنها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24].

أما نداؤه لقوم الكتاب فمنها قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُون} [آل عمران: 64].

أما نداؤه للناس أجمعين فمنها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُون} [البقرة: 21-22].

2. الأسلوب القصصي مصحوبًا بالعبرة والموعظة:

وهذا الأسلوب له تأثيراته النفسية وانطباعاته الذهنية وحججه المنطقية والعقلية، وقد استعمله القرآن الكريم في كثير من المواطن، ولاسيما في أخبار الرسل مع أقوامهم، قال تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ} [يوسف: 3].

وقوله: {وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود: 120].

3. التوجيه القرآني مصحوبًا بالوصايا والمواعظ:

القرآن الكريم مليئًا بالآيات المصحوبة بالوصايا وبالنصوص المقرونة بالمواعظ لتوجيه القارئ لما ينفعه في دينه ودنياه وآخرته، وإعداده ليكون رجل دعوة وبطل جهاد.

ومن أمثلة هذه النماذج التوجيهية من القرآن الكريم:

قوله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [الفرقان: 63 – 66] الآيات.

وبهذا نرى أن أسلوب الموعظة فيها تزكية للنفس وتطهير لها من أدرانها، وهذا أحد الأهداف الكبرى للتربية الإسلامية، وبتحقيقه يسمو المجتمع.

التربية بالأحداث: “الممارسة والعمل”:

الحياة الدنيا كدٌّ وكدحٌ ونصبٌ وتفاعلٌ دائمًا مع الأحداث، وما دام الناس أحياء فهم عرضة على الدوام للأحداث، والمربي البارع لا يترك الأحداث تذهب سدًى بغير عبرة وبغير توجيه، وإنما يستغلها لتربية النفوس، وثقلها، وتهذيبها، ومزية الأحداث على غيرها من وسائل وأساليب التربية: أنها تحدث في النفس حالة خاصة هي أقرب للانصهار، إن حادثة تثير النفس بكاملها، وترسل فيها قدرًا من حرارة التفاعل والانفعال يكفي لصهرها أحيانًا، وليس من اليسير الوصول إليها،

ولقد قام القرآن، باستغلال الأحداث في تربية النفوس استغلالا عجيبًا عميق الأثر؛ كان من نتيجته تلك الأمة العجيبة الفريدة في التاريخ كله، الأمة التي شهد لها خالقها فقال: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} [آل عمران: 110].

ويبدو لأول وهلة فارق رئيسي بين التربية بالأحداث في مكة، والتربية بالأحداث في المدينة؛ ففي العهد المكي كان التوجيه إلى الصبر على الأذى واحتمال المكروه، وفي العهد المدني كان التوجيه إلى رد العدوان، ومجابهة المعتدين بالقوة، ورفض الخضوع، والمذلة، وإباء الضيم.

وجهان متقابلان، ولكنهما في النهاية يهدفان إلى هدف واحد، هو التجرد الخالص لله، ولقد كان في العرب عنجهية بالغة واعتزاز عنيف بالذات، في الحق والباطل سيان، لم يكن الاعتزاز لمعنى أو لقيمة من القيم العليا، وإنما كان للذات ينتصر لنفسه لا يبالي أكان الحق معه أم عليه لذا لم تنته الثارات ولم تنقطع المظالم وحتى فضائلهم التي يمارسونها من كرم، وقِرًى للضيف، ووفاءٍ بالعهد، فللمفاخرة ودفعًا للعار الذي يعيرهم بهم الخصوم، وليس إيمانًا حقيقيًّا بهذه القيم .

وأبلغ دليل على ذلك: أنهم في وقت نحرهم الذبائح للأضياف كانوا يأبون الضعيف والمحروم والمسكين الذي لا يصل حديثه إلى الأسماع .

لذلك كان تربية القرآن لهم بالأحداث في العهد المكي هي تجريدهم من ذواتهم؛ تجريدهم من الاعتزاز بكل ما يعتزون به من أهواء ذاتية، وقيم أرضية؛ ليعتزوا بالحق وحده… الحق مجردًا عن أشخاصهم.

في تلك الفترة كانت التربية تقول في سورة المزمل: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً} [المزمل: 10] وكانت تقول في نفس السورة: {قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} [المزمل: 2: 5]

كانت التربية هي الصبر على الأذى، وقيام الليل للتجرد لله لعبادته وحده في ناشئة الليل: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءًا وَأَقْوَمُ قِيلاً} [المزمل: 6].

وقد ظل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على قيام الليل يتعبدون ويتهجدون حولا كاملا حتى تورمت أقدامهم، إلى أن أذن الله لهم بالهجرة وبناء دولة لهم في المدينة تقوم على أساس تقوى الله.

كما كانت التربية بالأحداث في عهد القوة في المدينة قوية صارمة كما كانت في مكة، تهدف إلى الهدف ذاته تخليص النفوس من أدرانها وتعلقاتها وتجريدها خالصة لله، قال تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِين} [التوبة: 25].

لقد كان الدرس هنا قاسيًا عنيفًا يوم اعتز المسلمون بكثرتهم، وأعجبتهم قوتهم فقالوا: لن نغلب اليوم من قلة، كان الدرس كما كان في مكة هو ردهم إلى الله ليعتزوا به وحده.

لقد كانت القوة الأرضية في مكة ضدهم؛ فرباهم هناك على أنها ليست هي التي تقرر مصير الدعوة، وإنما الذي يقررها هو الله، ثم كانت القوة الأرضية في المدينة معهم فرباهم كذلك على أنها ليست هي التي تقرر مصير الدعوة، وإنما الذي يقررها هو الله، ودعاهم أن يلجئوا إلى الله، ويعتزوا به وبقوته: {ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِين * ثُمَّ يَتُوبُ اللّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيم} [التوبة: 26- 27].

وكذلك في سبيل هذا التجرد ذاته كان التربية بالأحداث في سورة آل عمران للذين فتنتهم أسلاب المعركة في أحد، فنسوا هدفها الأصيل قال تعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِين} [آل عمران: 152].

وهكذا كانت التربية بالأحداث في مكة، وفي المدينة ذات هدف، واحد في الواقع، وإن تعددت الصور والتوجيهات، إنها كلها دعوة للتجرد من كل حرص على مصلحة أو مغنم شخصي ليكون كل شيء في سبيل الله: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين} [التوبة: 24].

وحين يحدث ذلك في داخل النفس؛ تكون النفس قد توطدت وتثبتت وتوازنت فلا يفسدها الضعف ولا تفسدها القوة، وتكون قد تربت على طاعة الله، وعندئذ يصدق عليها وصف الله لها في كتابه الكريم: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} [آل عمران: 110].

ليس هذا بطبيعة الحال هو المقصود، إنما المقصود هو حكمة التربية بالأحداث. بحيث لا تفلت الحادثة بدون عبرة مستفادة، ولا أثر ينطبع في النفس، ويبقى، والهدف هو ربط القلوب دائمًا بالله في كل حادثة، وفي كل شعور، بهذا نكون قد أوضحنا أهم أساليب التربية الإسلامية، التي ورد ذكرها على الترتيب سالفا وختمها: أسلوب التربية بالأحداث أو الممارسة والعمل.

error: النص محمي !!