Top
Image Alt

الترغيب والترهيب

  /  الترغيب والترهيب

الترغيب والترهيب

الترغيب والترهيب من الأساليب القرآنية التي يُراعى فيها طبيعة النفس البشرية المجبولة على محبة ما فيه نفعها ومصلحتها، والإقبال عليها، وكره ما يضرها ويؤذيها، ويُفسد عليها أمرها والنفور منه، فنجد القرآن الكريم يرغب الناس في اتباع الهدى من خلال الوعد بالخير المترتب على ذلك، ويرهبهم من اتباع الباطل من خلال الوعيد المترتب على ذلك أيضًا.

ولا شك أن في الجمع بين الترغيب والترهيب مراعاةً للتوازن النفسي لدى الإنسان، فالإنسان في بعض الحالات أشد استجابة لدواعي المصلحة فينفعه الترغيب، وفي حالات أخرى يكون أشد انسياقًا وراء الهوى والشهوات، فلا يرعوي إلا بالترهيب، فالنفس البشرية فيها إقبالٌ وفيها إدبار، ومن ثَمّ كان المنهج التربوي الإسلامي يتعامل مع هذه النفس بكل هذه الاعتبارات، ومن ذلك الجمع بين الترغيب والترهيب وبين الرجاء والخوف، وذلك أن النفوس البشرية قد جُبلت على حب ما ينفعها، والنفور ممّا يضرها، وكان من منهج الدعوة في القرآن الكريم أن يخاطب الفطرة، ويدعوها إلى التوحيد من خلال الوعد والوعيد، فهو يرغب تارةً ويحذر أخرى، فقد رغب الناس في قبول دعوة الإسلام، وحذرهم من رفضها في آياتٍ كثيرة، ممّا يدل دلالةً قاطعةً على أهمية هذا الأسلوب -أسلوب الترغيب والترهيب- في الدعوة إلى الله تعالى.

ويقصد بالترغيب: كلُّ ما يشوق المدعو إلى الاستجابة، وقبول الحق والثبات عليه.

ويقصد بالترهيب: كلُّ ما يخيف ويحذر المدعو من عدم الاستجابة، أو رفض الحق، أو عدم الثبات عليه بعد قبوله.

فالترغيب والترهيب من مقاصد الرسالة فهما التبشير والإنذار، التبشير بوعد الله  عز وجل والإنذار بعقابه، وقد وصف الحق سبحانه وتعالى الرسل جميعًا بأنهم مبشرين ومنذرين قال تعالى: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} [النساء: 165] ولذلك كان من الحكمة في أسلوب الدعوة إلى الله  عز وجل أن تعرض في بعض الأحوال مصحوبةً بشيء من الترغيب والترهيب أو بأحدهما.

والأصل في الترغيب أن يكون في نيل رضا الله  عز وجل ورحمته وجزيل ثوابه في الآخرة، وأن يكون الترهيب بالتخويف من غضب الله سبحانه وعذابه في الآخرة، وهذا هو نهج الرسل الكرام -عليهم جميعًا السلام- كما بينه القرآن الكريم، وجاءت به السُّنة المطهرة، فمن الآيات القرآنية قوله  عز وجل عن نوحٍ عليه السلام: {أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون} [الأعراف: 63].

ويقول سبحانه عن نوحٍ أيضًًا: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم * قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِين * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُون * يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاء لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُون} [نوح: 1: 4].

وقال سبحانه عن رسوله محمد صلى الله عليه وسلم: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير * فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير * يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم} [التغابن: 7: 9].

كما يقول سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُم} [محمد: 12].

وفي السُّنة النبوية المطهرة كان صلى الله عليه وسلم يعد المبايعين له بالجنة من ذلك ما قاله صلى الله عليه وسلم لأصحاب بيعة العقبة الأولى: ((فإن وفيتم فلكم الجنة)) وكان صلى الله عليه وسلم يمر بآل ياسر، وهم يعذبون بسبب إسلامهم فيقول لهم: ((صبرًا آل ياسر موعدكم الجنة)).

وعن أنس رضي الله عنه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خُطبة ما سمعت قبلها قط قال: ((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا)) قال: فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم لهم خنين، رواه الإمام البخاري، والإمام مسلم.

ومن أحاديث الرجاء والترغيب ما حدّث به أبو ذرٍ رضي الله عنه قال: ((أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثوب أبيض، وهو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ، فقال: ما من عبدٍ قال لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة -قلت: وإن زنا وإن سرق؟ قال: وإن زنا وإن سرق، قلت: وإن زنا وإن سرق؟ قال: وإن زنا وإن سرق على رغم أنف أبي ذر)) وكان أبو ذر إذا حدّث بهذا قال: وإن رغم أنف أبي ذر رواه الإمامان البخاري ومسلم.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((كنا قعود حول رسول الله صلى الله عليه وسلم معنا أبو بكر وعمر في نفر، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين أظهرنا فأبطأ علينا، وخشينا أن يُقتطع دوننا، وفزعنا فقمنا فكنت أول من فزع، فخرجت أبتغي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتيت حائطًا للأنصار لبني النجار، فدرت به هل أجد له بابًا فلم أجد، فإذا ربيع يدخل في جوف حائط من بئر خارجة -والربيع الجدول- فاحتفزت كما يحتفز الثعلب، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أبو هريرة؟ فقلت: نعم يا رسول الله، قال: ما شأنك؟ قلتُ: كنت بين أظهرنا فقمت فأبطأت علينا فخشينا أن تُقتطع دوننا، ففزعنا فكنت أول من فزع، فأتيت هذا الحائط فاحتفزت كما يحتفز الثعلب، فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا به قلبه فبشره بالجنة)) الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه.

والمتأمل في الواقع يلحظ أننا كثيرًا ما نعتني بالترهيب ونركز عليه، وهو أمرٌ لا شك مطلوب، والنفوس تحتاج إليه، لكن لا بد أن يضاف لذلك الترغيب من خلال الترغيب في نعيم الجنة وثوابها، وسعادة الدنيا لمن استقام على طاعة الله  عز وجل وذكر محاسن الإسلام، وأثر تطبيقه على الناس، وقد استخدم القرآن الكريم هذا المسلك في كثيرٍ من آيات كتاب الله  عز وجل منها قوله سبحانه: {إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الإسراء: 9، 10].

وقال  عز وجل: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 123، 124].

وقال تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِير}[ [التغابن: 9، 10].

ولقد وعد الله الطائعين الحافظين لحدود الله بجميل الجزاء، وبشرهم بحسن المثوبة، وتوعد المخالفين الذين يتعدون حدوده، وأنذرهم بشديد العذاب، وسوء العاقبة ترغيبًا وترهيبًا، ولقد كانت الرغبة فيما عند الله  عز وجل وما أعده الله لأوليائه في الجنة، والخوف من أليم عقابه وانتقامه الدافع لؤلئك النفر من الصحابة الذين خلد التاريخ مواقفهم يتدافعون على الجهاد غير وجلين من الموت يقول قائلهم وبيده تمرات: “أما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء” ثم قذف التمرات وأخذ سيفه فقاتل حتى قتل، وكان الصحابة رضي الله عنهم يستشعرون دائمًا صور النعيم الذي أعده الله لأهل الجنة، ودعا إليه، ورغب فيه مثل قوله تعالى: {لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد} [آل عمران: 15].

وقوله تعالى: {هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآب * جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأَبْوَاب * مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَاب * وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَاب * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَاب * إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَاد} [ص: 49: 54] على أن الأصل في الترغيب والترهيب يكون بالجزاء بالآخرة فإنه يجوز كذلك أن يكون بما يصيب المدعوين في الدنيا من خير في حالة استجابتهم واتباعهم، وما يصيبهم من شرٍّ في حالة رفضهم وعنادهم على أن لا يغفل الداعي أبدًا عن الترغيب والترهيب بالجزاء في الآخرة، ومن أدلة هذا الجواز ما يأتي:

أولًا: قول الله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [النور: 55].

ثانيًا: قال تعالى حكاية عن قوم نوح عليه السلام لقومه: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا} [نوح: 10: 12].

ثالثًا: ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما جاء أشراف قريش عمه أبا طالب ليحدثوه بشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلبوا منه أن يكلمه ليكف عنهم ويكفوا عنه، فبعث إليه أبي طالب فجاءه، فقال: يا ابن أخي هؤلاء أشراف قومي قد اجتمعوا لك ليعطوك وليأخذوا منك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا عم كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب، وتدين لكم بها العجم)) فقال أبو جهل: نعم وأبيك وعشر كلمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تقولون لا إله إلى الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه)).

والترغيب والترهيب يجب أن يستعمل في دعوة الكفار إلى الله  عز وجل وقد أفاض القرآن الكريم في وصف الجنة، وما أعد الله فيها لأهلها، فإنه حذر من رفض الدعوة وعدم قبولها، فجاءت نصوص القرآن الكريم تحذر من خطورة ذلك، وتبين أثره السلبي على الإنسان بأساليب تقشعر منها الجلود، كما صورت آيات القرآن الكريم ما أعد الله لأعدائه من العذاب والنكال، وعرضت لمشاهد يوم القيامة، وحال الشركاء والمشركين، والأتباع والمتبوعين في آياتٍ عديدة، وكثيرًا ما يقترن وصف أهل الجنة ووصف أهل النار، بل قليلًا ما ينفرد أحدهما بالذكر دون الآخر كما قال تعالى في سورة “ص” بعد ذكر حال المتقين: {جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأَبْوَاب * مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَاب *           وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَاب * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَاب} [ص:50: 53].

كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُور * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِير} [فاطر: 36، 37].

وقال  عز وجل مبينًا حال الشركاء والمشركين، وحال الأتباع والمتبوعين: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَاب} [البقرة: 166].

وقال سبحانه: {وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَاد} [إبراهيم: 49].

وقال عز من قائل: {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّار * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَاد * وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَاب * قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَل} [غافر: 47: 50].

إن عرض القرآن الكريم في مجال الترغيب لوصف الجنة، ووصف المؤمنين وهم يتقلبون في نعيمها، وعرضه في مجال الترهيب لوصف النار وأهوالها، ووصف أهلها وهم يتذوقون مرارة العذاب، كل ذلك كان يقرن في مواضع كثيرة بتذكير الإنسان بحقيقة الدنيا وعدم إيثارها على الآخرة قال تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُون} [الأنعام: 32] هذه حقيقة الدنيا، وهذه حقيقة الآخرة، فأما الدنيا فإنها لعبٌ ولهوٌ، لعبٌ في الأبدان ولهوٌ في القلوب، وأما الآخرة فإنها خيرٌ للذين يتقون في ذاتها وصفاتها وبقائها ودوامها، ولكن ليست لكل أحدٍ، وإنما هي للمتقين الذين يعقلون أوامر الله  عز وجل ويتركون نواهيه وزواجره.

ومن أساليب الترغيب والترهيب تذكير القوم بما هم عليه من نعم، وإن من شأن ذلك أن يدعوهم إلى طاعة الله  عز وجل الذي أنعم عليهم بهذه النعم، والتحذير من فقدهم لها إذا امتنعوا من الاستجابة وكفروا بالله تعالى، ومع زوال النعم نزول العذاب، ومن الآيات الكريمة المبينة لهذا النوع من الأسلوب قوله تعالى عن هودٍ عليه السلام: {وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون} [الأعراف: 69].

وقال سبحانه عن هودٍ عليه السلام أيضًا: {وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُون * أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِين * وَجَنَّاتٍ وَعُيُون * إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم} [الشعراء: 132: 135].

وقال تعالى عن صالح عليه السلام: {وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِين} [الأعراف: 74].

وقال تعالى عن قريش: {لإِيلاَفِ قُرَيْش * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْف * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْت * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْف} [قريش: 1: 4].

ولما كان الإنسان يعيش في الدنيا ويشاهدها ويحس بها، ويتعرض لإغراءاتها ممّا قد يجره إلى الركون إليها، والتعلق بها ونسيان الآخرة، فلا بد إذن من تنفير المدعوين من إيثارها على الآخرة، لا من الفرار منها جملة واحدة مع بيان حقيقتها وقيمتها وقدرها بالنسبة إلى الآخرة، وقد بين ذلك كله القرآن الكريم خير بيان ممّا يجعل أي مسلمٍ عاقلٍ يؤثر الآخرة على الدنيا، بل ويجعل المدعو غير المسلم منجذبًا إلى هذه الحقائق في موازنة الدنيا مع الآخرة، وقد يجره ذلك إلى الإيمان لما يحسه من صدق هذا البيان، ومن صدق هذا التصوير لقيمة الدنيا، ومن الآيات القرآنية في هذا الباب قوله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون} [يونس: 24].

وقال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُور} [الحديد: 20]

وفي السُّنة النبوية المطهرة تحذير من الدنيا وإيثارها على الآخرة، وبيانٌ لقيمتها بالنسبة للآخرة؛ من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله تعالى مستخلفكم فيها فينظر كيف تعلمون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء)).

وكان صلى الله عليه وسلم يقول: ((اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة)).

وقال صلى الله عليه وسلم في بيان قدر الدنيا بالنسبة للآخرة: ((ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدهم إصبعه في اليم فينظر بم يرجع؟)).

وحينما ننظر في سورة إبراهيم عليه السلام على سبيل المثال فنجد أنها قد أوفت هذا الأسلوب القرآني حقه، فقد استفتحت السورة بالترهيب في قوله  عز وجل: {وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيد} [إبراهيم: 2] وهو استفتاح مناسب، حيث جاءت السورة لتعالج واقع الكفر والشرك، فكان مناسبًا أن يتجه الخطاب إلى التخلية، وذلك بالترهيب والتنفير من مآل ما هم عليه.

ثم تكرر مثل هذا الترهيب والتهديد في قوله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيد} [إبراهيم: 7] وهو تهديدٌ بزوال النعمة أي: إن كفرتم النعم وسترتموها وجحدتموها {إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيد} وذلك لسلبها عنهم، وعقابه إياهم على كفرها.

ثم جاء التهديد بالاستبدال في الدنيا وفي الآخرة؛ أما استبدال الدنيا في فقوله تعالى: {وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيد * وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيد} [إبراهيم: 14، 15] وهو خطاب للموحدين يهدد فيه بإحلالهم مكان المعارضين من الكفار، وتكرر هذا صريحًا في قوله تعالى: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيد} [إبراهيم: 19].

وأما الاستبدال في الآخرة، فهو بأن يبدلهم تعالى بمقاعدهم في الجنة مقاعد في جهنم يصلونها وبئس المصير كما قال تعالى: {مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيد * يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظ} [إبراهيم: 16، 17].

ثم يأتي ترهيب آخر من إحباط الأعمال يوم القيامة مهما عظمت، ومهما حسنت في ذاتها، فهي ليست بشيء إذا ما أتى العبد ربه كافرًا قال تعالى: {مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيد} [إبراهيم: 18] وأي ترهيبٍ أشد من هذا حين ينتظر الكفار ثواب أعمالهم، فإذا طلبوا ثوابها من الله تعالى؛ لأنهم كانوا يحسبون أنهم على شيء فلم يجدوا شيئًا، ولا ألفوا حاصلًا إلا كما يتحصل الرماد إذا اشتدت به الريح العاصف.

ثم تأمل بعد ذلك ما أعده الله تعالى من العذاب المقيم لمن أعرض عن صراطه المستقيم، قال تعالى: {جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَار * وَجَعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّار} [إبراهيم: 29، 30] وذكر الأنداد هنا مناسب جدًّا لينبه سبحانه وتعالى إلى أن هذه المعبودات لم تكن لتغني عن عابديها شيئًا، وإنما حالها معهم كما قال تعالى في سورة أخرى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُون} [الأنبياء: 98] ثم جاءت هذه الآية في مقام الترهيب حين قال تعالى: {وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال} [إبراهيم: 46].

أما جانب الترغيب فنجد الآيات قد حشدت جملة من الوعود الجميلة التي يمكن تقسيمها إلى وعود معجلةٍ في الدنيا، وأخرى مؤجلة في الآخرة، أما الأولى فمنها الوعد بالزيادة لمن شكر نعمه؛ حيث قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7] والنعمة الواجب شهودها في هذا السياق هي نعمة الإسلام، والهداية إلى كلمة التوحيد بحيث يكون ثواب من أقبل على هذه النعمة بالانقياد والشكر مزيد تثبيت وهداية وتوفيق، وقد جاء هذا صريحًا في قوله تعالى: {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [إبراهيم: 27] وهذا في العاجل: {وَفِي الآخِرَةِ} وهذا في الآجل.

ومن هذه النعم العاجلة مغفرة الذنوب وعدم إهلاكهم بها في الدنيا؛ حيث قال تعالى: {يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَـمًّى} [إبراهيم: 10] يعني: الموت، فلا يعذبكم في الدنيا.

ومن وعد الله تعالى لمن استجاب لله  عز وجل أن يستبدل بهم من أعرض عن ذكره، ويخلفهم في الأرض قال تعالى: {وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ} فهذا صريح أنه في العاجل، حيث وعد بالعاقبة الحسنة التي جعلها للرسل ومن تبعهم جزاءً لمن خاف مقامي عليه في الدنيا.

أما الوعود الحسنة والرغائب الآجلة؛ فما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، تأمل قول الله  عز وجل: {وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَم} [إبراهيم: 23] وقد جاء هذا الوعد الحسن ترغيبًا بعد بيان مآل الأشقياء وما صاروا إليه من الخزي والنكال، وأن خطيبهم إبليس عطف بمآل السعداء، وأنهم يدخلون يوم القيامة جناتٍ تجري من تحتها الأنهار.

وأما بالنسبة لدعوة المؤمنين، فهم عباد الله الذين يؤمنون به، ودعوتهم إنما يجب أن تقوم على تعميق قيم الإيمان في نفوسهم من خلال ترغيبهم في فعل الخير، وترهيبهم من الوقوع في الشر، والناظر في القرآن الكريم يجد كثيرًا من الآيات التي جاءت مشتملة على أسلوب الترغيب والترهيب منها قوله تعالى: {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاق * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَاب * وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّار * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَاب * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّار * وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّار} [الرعد: 20: 25] هكذا نلحظ في الآيات الكريمة نماذج للترغيب والترهيب، هذا في القرآن الكريم.

وأما في السُنة النبوية المشرفة فهي تشتمل على كثيرٍ من صور الترغيب والترهيب، وهناك كتابٌ مؤلف على أساس هذا الترغيب والترهيب، وهو يحمل هذا الاسم نفسه (الترغيب والترهيب من الحديث الشريف) للإمام الحافظ عبد العظيم بن عبد القوي المنذري المتوفى سنة 656 هجرية، ومن أبواب هذا الكتاب على سبيل المثال: الترغيب في طلب الحلال والأكل منه، والترهيب من اكتساب الحرام وأكله ولبسه، ومنها الترغيب في النفقة على الزوجة والعيال والترهيب من إضاعتهم، ومنها الترغيب في ترك الترفع في اللباس تواضعًا واقتداءً بأشرف الخلق محمد صلى الله عليه وسلم وبأصحابه رضي الله عنهم والترهيب من لباس الشهرة والفخر والمباهاة، هذا بالنسبة لدعوة المؤمنين، وهي دعوة -كما قلنا- تقوم على التركيز على صور الترغيب والترهيب تعميقًا لقيم الإيمان في نفوس المؤمنين.

وأما بالنسبة للمنافقين فدعوتهم إنما تقوم على الترغيب والترهيب كذلك، تقوم على الترهيب من النفاق والترغيب في الإيمان الصادق، وفي ذلك يقول الحق
جل وعلا: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 145، 146].

وأما بالنسبة لدعوة أهل الكتاب فقد استعمل الإسلام معهم نفس أسلوب الترغيب والترهيب من خلال أمور:

أولًا: إرشادهم إلى أن من أسلم منهم كان له أجران، وفي ذلك يقول الله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُون * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِين * أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون} [القصص: 52: 54].

قال ابن جرير عند تفسيره لهذه الآيات: يعني بذلك تعالى قومًا من أهل الكتاب آمنوا برسوله وصدقوه، فقال: الذين آتيناهم الكتاب من قبل هذا القرآن هم بهذا القرآن مؤمنون فيقرون أنه حق من عند الله تعالى أولئك يؤتون ثواب عملهم مرتين بما صبروا، وفي هذا الأجر العظيم الذي أعده الله تعالى لمن آمن بالرسول صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب، والذي يفوق أجر غيرهم، وفي هذا الأجر العظيم ما فيه من الترغيب لهم في اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والإيمان به.

وقد وردت أحاديث كثيرة تتفق مع ما قررته الآيات السابقة منها: ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي أُمامة رضي الله عنه قال: إني لتحت راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح؛ إذ قال قولًا حسنًا جميلًا، وكان فيما قال: ((من أسلم من أهل الكتابين فله أجره مرتين، وله ما لنا وعليه ما علينا)).

وروى البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا أدّب الرجل أمَته فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها كان له أجران، وإذا آمن بعيسى ابن مريم ثم آمن بي فله أجران، والعبد إذا اتقى ربه وأطاع مواليه فله أجران)).

وهذه الأحاديث الشريفة ومن قبلها الآيات الكريمة السابقة تؤكد -كما هو واضح- رغبة الإسلام في دخول أهل الكتاب فيه، وحرصه الشديد على هدايتهم إلى الحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة.

ثانيًا: إرشادهم إلى أن القرآن الكريم مصدقٌ لما أُنزل إليهم من كتب؛ فقد اشتمل القرآن الكريم على كثيرٍ من الآيات التي تبين أن القرآن مصدقٌ للكتب السماوية السابقة، من هذه الآيات: قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48].

وقوله تعالى {وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُون} [الأنعام: 92].

وقد أثبت القرآن الكريم وهو المعجزة الكبرى لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم أنه مصدق للكتب السماوية السابقة ومهيمنٌ عليها، وفي هذا ما فيه من الترغيب من الإيمان به، وبمنزله سبحانه وتعالى وبالمنزّل عليه صلى الله عليه وسلم على أن موقف القرآن الكريم من الكتب السابقة بالإضافة إلى ذلك، إنما هو موقف يتسم بالحكمة والموضوعية ترغيبًا لأهل الكتاب في الإيمان به، ويتضح ذلك من خلال ما يأتي:

أولًا: أن إيمان المؤمن لا يتم إلا إذا آمن أن الله تعالى أنزل الكتب السابقة على رسله الكرام -عليهم السلام- قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا} [النساء: 136] والآيات الدالة على ذلك كثيرة.

ثانيًا: أعلم القرآن الكريم أن أتباع هذه الكتب أظهروا بعضها وأخفوا بعضها، وحرفوا الكلم عن مواضعه، وهذا عند العقلاء يدفع أهل الكتاب إلى مراجعة أنفسهم، وقبول منهج القرآن على أنه استمرار لهذه الكتب وامتداد لها، ومن، ثم فإن موقف القرآن الكريم من الكتب السابقة من شأنه أن يحمل أهل الكتاب على الدخول في الإسلام.

ثالثًا: إرشادهم إلى أن ما دعاهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم يوافق ما دعا إليه الأنبياء السابقون، فقد أثبت القرآن الكريم في كثيرٍ من آياته أن دين الإسلام الذي دعا محمد صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب إلى الدخول فيه متفقٌ في أصوله ومقاصده ولُبه وجوهره مع ما دعا إليه جميع الأنبياء السابقين، من هذه الآيات قوله تعالى: {{شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13].

وقوله سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون} [الأنبياء: 25].

وقوله -جل ثناؤه: {مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ} [فصلت: 43].

وفي ذلك دعوة لأهل الكتاب تحمل كل معاني الترغيب لهم في الدخول في الإسلام الذي يتفق في أصوله ومقاصده مع الأديان السماوية السابقة.

رابعًا: إرشادهم إلى أن الإسلام جعل لهم منزلةً خاصة في المعاملة والتشريع، وتلك وسيلة أخرى من وسائل ترغيب أهل الكتاب في الإسلام وحثهم على اتباعه، فقد جعل الإسلام لأهل الكتاب من اليهود، والنصارى منزلة خاصةً في المعاملة والتشريع باعتبارهم يتوارثون كتبًًا نزلت أصولها الأولى من الله تعالى إلى عباده المُكرمين من الأنبياء والمرسلين، ومن هذا القبيل أن الإسلام أباح طعام أهل الكتاب والزواج منهم قال تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين} [المائدة: 5].

كذلك فإن القرآن الكريم قد وصفهم في كثيرٍ من آياته بأهل الكتاب، وفي هذا الوصف اعترافٌ بهم، وتزكية لهم على غيرهم ممن لا يرث ما ورثوه من الكتب السماوية، ومن هذا القبيل أيضًا تقدير القرآن الكريم لعلمائهم الذين هم قادة القوم وسادتهم، قال تعالى: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِين} [يونس: 94] والخطاب في هذه الآية وإن كان موجهًا للنبي صلى الله عليه وسلم فهو يشمل المؤمنين كعادة الأسلوب القرآني في كثيرٍ من مواضعه، وبذلك يخاطب الله تعالى المؤمنين، ويطالبهم أن يقدروا علماء أهل الكتاب، ويسألوهم عن حقيقة القرآن المنزّل على رسول صلى الله عليه وسلم هذا بالنسبة لأسلوب الترهيب.

أما بالنسبة لترهيب أهل الكتاب، فإننا نجد القرآن الكريم في دعوة أهل الكتاب ينذرهم بالعقوبة العاجلة والآجلة إذا لم يتبعوا محمدًا صلى الله عليه وسلم من هذه الآيات قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولا} [النساء: 47] إلى آخر الآيات التي وردت تحذر أهل الكتاب من مغبة الكفر بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم وفي هذا تحذيرٌ وتخويفٌ لأهل الكتاب والمشركين من عاقبة الكفر بالله تعالى ورسله وكتبه، وتوعدهم بالخلود في نار جهنم يعذبون فيها جزاء ظلمهم وكفرهم.

هكذا كان أسلوب الترغيب والترهيب في دعوة الناس بطوائفهم المختلفة.

error: النص محمي !!