Top
Image Alt

الترمذي ومنهجه في كتابه (الجامع)

  /  الترمذي ومنهجه في كتابه (الجامع)

الترمذي ومنهجه في كتابه (الجامع)

يتميز كتاب الإمام الترمذي باختصاره الأحاديث بحذف السند ما عدا الصحابي، وبالحمل في المتن على رواية واحدة يحيل عليها الباقي؛ فيذكر سندًا واحدًا ومتنًا واحدًا للحديث غالبًا، ثم يقول بعد ذلك: وفي الباب عن فلان وفلان من الصحابة, محيلًا في باقي الأسانيد والمتون على المصادر غير المعينة -أي: في كتب معينة فيها السند والمتن، أو الأسانيد والمتون عن الصحابة الذين أشار إليهم- فإذا أردنا جمع طرق الحديث من (جامع الترمذي) فإننا نرجع إلى كتب الحديث المعتمدة، ثم نخرّج كل رواية من هذه الروايات, ثم نضعها جميعًا في مكان واحد، ثم نبحث في عللها، ثم في فقهها، ثم نصل إلى النتيجة التي وصل إليها الإمام الترمذي بذكره لسند واحد ومتن واحد، ثم بإحالته إلى الصحابة الذين رووا الحديث، ثم بكلامه على علل الحديث وحكمه عليه، ثم بكلامه على فقه الحديث.

وفي (علل الترمذي الصغير) بيّن منهجه في كتابه وسبب تأليفه، والمنهج الذي سار عليه فيه:

يقول الترمذي في علله: وجميع ما في هذا الكتاب من الحديث معمولٌ به -أي: في الأحكام الشرعية- وقد أخذ به بعض أهل العلم ما خلا حديثين؛ حديث ابن عباس: “أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جمع بين الظهر والعصر بالمدينة، والمغرب والعشاء، من غير خوف ولا سفر”, وحديث النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “إذا شرب الخمر فاجلدوه؛ فإن عاد في الرابعة فاقتلوه”.

قال: وقد بينا علة الحديثين. فحديث الجمع بين الظهر والعصر بالمدينة صححه، ثم روى حديثًا ضعيفًا يقابله، ثم بين مذاهب العلماء في ذلك وأنهم أخذوا بمضمون الحديث الضعيف، وتركوا هذا الحديث الصحيح؛ وذلك لأدلة عندهم على ذلك تبحث في أماكنها.

قال: وما ذكرنا في هذا الكتاب من اختيار الفقهاء, فما كان منه من قول سفيان الثوري؛ فأكثره ما حدثنا به محمد بن عثمان الكوفي، حدثنا عبيد الله بن موسى عن سفيان، ثم ذكر باقي أسانيده إلى مالك بن أنس، وإلى ابن المبارك، وغيرهما من الأئمة، ومنهم الشافعي، ومنهم أيضًا أحمد وإسحاق.

وقد تكلم الترمذي عن الأقوال الفقهية وأسانيده إلى الفقهاء الذين قالوا بها، ثم قال: وما كان فيه -أي: في كتابه “الجامع”- من ذكر العلل في الأحاديث والرجال والتاريخ، فهو ما استخرجته من كتب التاريخ -أي: تاريخ الحديث وتراجم رجاله-وأكثر ذلك ما ناظرت به محمد بن إسماعيل, ومنه ما ناظرت به عبد الله بن عبد الرحمن -أي: الدارمي- وأبا زرعة، وأكثر ذلك عن محمد -أي: البخاري- وأقل شيء فيه عن عبد الله وأبي زرعة، ولم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخراسانَ في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد كبير أحد أعلم من محمد بن إسماعيل.

فبين أن العلل والكلامَ على الرجال في كتابه يعتمد على مناظراته مع الإمام البخاري في أكثر ما ذكر من ذلك، ثم المناظرات مع الدارمي وأبي زرعة.

قال: وإنما حملنا على ما بينا في هذا الكتاب من قول الفقهاء وعلل الحديث؛ لأنا سُئلنا عن هذا فلم نفعله زمانًا ثم فعلناه؛ لما رجونا فيه من منفعة الناس. وذكر أهل العلم من الكبار الذين صنفوا, فجعل الله في ذلك منفعة كثيرة؛ قال: فهم القدوة فيما صنفوا.

ثم تكلم عن حكم الكلام في الرجال، ومن تكلموا فيهم، فقال: حملهم على ذلك عندنا -والله أعلم- النصيحة للمسلمين، لا يُظن بهم أنهم أرادوا الطعنَ على الناس أو الغيبة، إنما أرادوا عندنا أن يبينوا ضعف هؤلاء لكي يُعرفوا؛ لأن بعض الذين ضُعِّفوا كان صاحب بدعة وبعضهم كان متهمًا في الحديث وبعضهم كانوا أصحاب غفلة وكثرة خطأ، فأراد هؤلاء الأئمة أن يبينوا أحوالهم شفقة على الدين وتثبتًا؛ لأن الشهادة في الدين أحق أن يتثبت فيها من الشهادة في الحقوق والأموال.

ثم تكلم عن حكم الحديث المرسل وأنه لا يصح عند أكثر أهل الحديث, ضعفه غير واحد منهم، قال: ومن ضعف المرسل؛ فإنما ضعفه من قِبَل أن هؤلاء الأئمة قد حدثوا عن الثقات وغير الثقات، فإذا روى أحدهم حديثًا وأرسله؛ لعله أخذه عن غير ثقة.

وبعد ذكر أمثلة لذلك قال: وقد احتج بعض أهل العلم بالمرسل أيضًا.

قال: وقد اختلف الأئمة من أهل العلم في تضعيف الرجال كما اختلفوا في سوى ذلك من العلم؛ ذُكر أن شعبة ضعّف أبا الزبير المكي وغيرَه، ثم حدث عمن هو دونهم في الحفظ والعدالة. ثم قال: وما ذكرنا في هذا الكتاب حديث حسن، فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا، كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب, ولا يكون الحديث شاذًّا، ويروى من غير وجه نحو ذلك -فهو عندنا حديث حسن. فبين مراده بالحسن، وأنه حسن الإسناد وعرف ذلك بتعريف خاص به, وسنفصل ما قاله بعد ذلك.

ثم انتقل إلى الكلام عن الحديث الغريب، فقال: أهل الحديث يستغربون الحديث لمعانٍ، ربّ حديث يكون غريبًا لا يُروى إلا من وجه واحد. ثم ذكر مثال ذلك، وذكر مثالًا آخر وهو ما رواه أبو أسامة عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة عن جده أبي بردة عن أبي موسى, عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في مِعًى واحد” وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه من قِبل إسناده، وقد روي من غير وجه عن النبي -صلى الله عليه وسلم-, وإنما يستغرب من حديث أبي موسى.

ثم قال: سألت محمود بن غيلان عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث أبي كريب عن أبي أسامة، وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: هذا حديث أبي كريب عن أبي أسامة، لم نعرفه إلا من حديث أبي كريب عن أبي أسامة، فقلت له: حدثنا غير واحد عن أبي أسامة بهذا؛ فجعل يتعجب وقال: ما علمت أن أحدًا حدث بهذا غير أبي كريب, وقال محمد: كنا نرى أن أبا كريب أخذ هذا الحديثَ عن أبي أسامة في المذاكرة.

وسنتناول موضوع الحديث الحسن، وموضوع الحديث الغريب، وموضوع الحديث المنكر، في (جامع الترمذي).

error: النص محمي !!