Top
Image Alt

التسليم للنصوص الصحيحة في الصفات، مع تنزيهه تعالى عن مشابهة المخلوقات

  /  التسليم للنصوص الصحيحة في الصفات، مع تنزيهه تعالى عن مشابهة المخلوقات

التسليم للنصوص الصحيحة في الصفات، مع تنزيهه تعالى عن مشابهة المخلوقات

Text Box: التسليم للنصوص الصحيحة في الصفات، مع تنزيهه تعالى عن مشابهة المخلوقات

1. التسليم للنصوص الواردة في القرآن الكريم وصحيح السنة:

أ. العلم بالله وبصفاته لا يتلقى إلا من الوحي:

إذا أردنا أن نتعرف على الله عز وجل وعلى شيء من أسمائه الحسنى أو صفاته العلى، وجب علينا أن نرجع إلى الوحي ولا نحيد عنه بحال من الأحوال؛ لأن الأدلة التي تثبت بها أسماء الله وصفاته تنحصر في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فما جاء فيهما أثبتناه ونقتصر عليه فقط، والعلة في ذلك هي أن باب الأسماء والصفات توقيفي لا يتلقى إلا من الوحي الرباني.

وقد نص كثير من علماء السلف على ذلك، ومنهم إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد -رحمه الله- ذكر ذلك فيما نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في (الفتاوى) فقد نقل عن الإمام أحمد أنه قال: “لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم لا يتجاوز القرآن والحديث”.

ب. الإيمان بما دلت عليه نصوص الأسماء والصفات من المعاني والأحكام:

بمعنى أننا يجب علينا أن نؤمن بما دلت عليه نصوص الأسماء والصفات النصوص الواردة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يجب علينا أن نؤمن بها ونسلم لها وبما جاءت به من المعاني والأحكام، ومعنى ذلك أن السلف الصالح رضي الله عنهم يجب أن نعتقد فيهم أنهم كانوا أعلم الناس بكلام الله وبمراد الله سبحانه وتعالى فالسلف كانوا يؤمنون بأسماء الله وصفاته وبما دلت عليه من المعاني والأحكام.

أما كيفيتها فيفوضون علمها إلى الله سبحانه وتعالى وعليه أقول: بأن السلف فهموا وعقلوا ما دلت عليه الصفات من المعاني والأحكام ولا يفوضون إلا في الكيفية؛ فإذا قال الله عز وجل مثلًا {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] فهموا معنى كلمة “استوى” وعلموا أن الاستواء هو العلو والارتفاع.

وقد ورد ذلك عن مجاهد وذكره الإمام البخاري -رحمه الله- في (صحيحه) عنه، وذكر بأن الاستواء بمعنى العلو والارتفاع.

ومن زعم من المعطلة أن السلف يفوضون المعنى فقد جهل عليهم ورماهم بما ليس فيهم؛ لأنهم كانوا أعظم الناس فهمًا وتدبرًا لآيات الكتاب وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ومن تدبر كلام أئمة السلف في هذا الباب علم أنهم كانوا أدق الناس نظرًا وأعلم الناس في هذا الباب، وأن الذين خالفوهم لم يفهموا حقيقة أقوال السلف والأئمة في هذه المسألة؛ لأن ما ورد عنهم -رحمهم الله تعالى- من إثبات لمعاني الصفات يدل دلالة واضحة أنهم أثبتوا الصفة وعرفوا معانيها وما تدل عليه.

ج. الله سبحانه وتعالى يتصف أزلًا وأبدًا بما ثبت له من الصفات:

هذه نقطة جوهرية عند أهل السنة والجماعة، وقد يخالف فيها بعض الناس الذين لم يفقهوا هذه المسألة، وتدخلوا فيها بعقولهم، لذلك أوضحها كالتالي: إن الصفات التي وصف الله سبحانه وتعالى نفسه بها صفات كمال وفقدها نقص؛ والله لا يمكن أن يحصل له الكمال بعد اتصافه بالنقص، كما لا يجوز أن يتصف بالكمال ثم يزول عنه ما معنى ذلك؟ معنى ذلك أن الصفات التي وصف الله سبحانه وتعالى بها نفسه كلها صفات كمال، وفقد هذه الصفة نقص، وبالتالي لا يمكن أن يكون الله سبحانه وتعالى فاقدًا للكمال في وقت من الأوقات حتى نصف الله سبحانه وتعالى بشيء من النقص.

وقد قال الإمام الطحاوي -رحمه الله- في إثبات ذلك وبيانه: “لم يزل الله عز وجل بصفاته قديمًا قبل أن يخلق الكائنات” وشارح (العقيدة الطحاوية) -رحمه الله- علق على ذلك بقوله: لم يزل الله سبحانه وتعالى متصفًا بصفات الكمال صفات الذات وصفات الفعل؛ فلا يتصور بحال من الأحوال ولا يجوز لعبد أن يتصور أن الله وصف بصفة بعد أن لم يكن متصفًا بها، أو أن بعض صفات الله سبحانه وتعالى تزول عنه”.

حينما نقول بأن الله ما زال بصفاته قديمًا قبل خلقه. لا يرد علينا أو يعترض معترض يقول: كيف تقول بأنه قديم مثلًا، وأن صفاته قديمة، وأنه يتكلم في وقت دون وقت، أو أنه يخلق اليوم ويخلق غدًا ويحيي ويميت ويغضب ويرضى، ويحب الطائع مثلًا اليوم وإذا كفر غدًا فيبغضه؛ فيكون بغضه له حادثًا.

نقول بأن هذه الصفات قديمة في نوعها أما أفرادها الحادثة فهي حادثة تتعلق بمشيئة الله سبحانه وتعالى واختياره ولا يعني ذلك أن صفات الله سبحانه وتعالى حادثة ولكننا نقول بأنها قديمة أما الأفراد التي تقع من خلال متطلبات ومقتضى هذه الصفات فهي حادثة. ولذلك عبر العلماء عن ذلك بقولهم بأنها “حادثة الأفراد قديمة النوع”.

د. بيان أنه لا مجال للعقل أو الرأي في ثبوت الأسماء والصفات:

لا مجال للعقل أو الرأي في ثبوت الأسماء والصفات، ولا دخل له في إثبات شيء أو نفيه؛ لأن الله سبحانه وتعالى غيب ولا يعلم ما عليه سبحانه إلا هو؛ ولذلك وجب الوقوف عند حدود النص، والعقل -كما نعلم- لا يوجب شيئًا ولا يحرم شيئًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة، وبعد أن أكمل الله سبحانه وتعالى الدين فلا يحتاج الشيء الكامل بعد ذلك إلى زيادة أبدًا، قال الله عز وجل:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]. وبناءً على ذلك أقول كما ذكر الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في تعليقه على هذه الآية: “إذا كان الدين قد كمل؛ فلا تكون الزيادة فيه إلا نقصانًا في المعنى”.

2. تنزيه الله تعالى فيما ثبت له من الأسماء والصفات عن مشابهة المخلوقات:

أ. بعض الأدلة على نفي مماثلة الخالق للمخلوق:

من الأدلة الشرعية الواردة في القرآن الكريم، والتي نزه الله سبحانه وتعالى فيها نفسه عن مشابهة المخلوقين ما جاء في قول الله عز وجل: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، وكقول الله سبحانه وتعالى: {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [النحل: 60] ، وكقول الله عز وجل: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65]، وكقوله سبحانه وتعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1].

ووجه الدلالة من هذه الآيات على نفي الله سبحانه وتعالى عن مماثلة المخلوقات هي كالتالي: فمثلًا في قوله عز وجل: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] دلالة على أن الله سبحانه وتعالى منزه عن أن يكون له مثل في شيء مما يوصف به من صفات كماله سبحانه وتعالى وأيضًا هذه الآية دلت على أمر عظيم للغاية، وهو أن الله سبحانه وتعالى لما قال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء} عقب عليها بقوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} فدل ذلك على أن نفي التشبيه والتمثيل عن الله سبحانه وتعالى لا يلزم منه نفي الأسماء والصفات، بل إثبات الأسماء والصفات ونفي مماثلة الله سبحانه وتعالى فيها لأحد من المخلوقات كما قال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء} ، ولذلك اتفق أهل السنة والجماعة الذين أثبتوا صفات الله العلى وأسمائه الحسنى على أن الله عز وجل ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.

وكذلك أيضًا لما قال الله مثلًا سبحانه وتعالى: {وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الروم: 27]، قوله: {وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى} ثناء على الله عز وجل في السماوات والأرض، {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} هذه الآية فيها دلالة على نفي مشابهة الخالق للمخلوق، ووجه الدلالة منها هو أن الله عز وجل وصف نفسه في هذه الآية بأن له المثل الأعلى، وهو الكمال المطلق المتضمن للأمور الوجودية والمعاني الثبوتية؛ لأن المثل الأعلى يتضمن الكمال نالتام لله عز وجل فلو لم يكن هناك كمال وصفات كثيرة يتصف الله سبحانه وتعالى بها ما كان له سبحانه وتعالى المثل الأعلى، ولكن لما ثبت المثل الأعلى الذي يتضمن الأمور الوجودية والمعاني الثبوتية التي كلما كانت أكثر في الموصوف وأكمل، كان بها أكمل وأعلى من غيره، لما وجدت هذه الصفات وتكاثرت كان له سبحانه وتعالى المثل الأعلى.

ولما كانت صفات الرب سبحانه وتعالى أكثر وأكمل كان له المثل الأعلى، وكان أحق به من كل ما سواه أيضًا من الآيات الدالة على تنزيه الله سبحانه وتعالى عن مشابهة المخلوقات.

من الأدلة على نفي مماثلة الخالق للمخلوق ما جاء في قول الله سبحانه وتعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65]، وقد ذكر ذلك عنه الطبري -رحمه الله- قال ابن عباس: “هل تعلم للرب مثلًا أو شبيهًا” وذكر هذا في قول الله عز وجل: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} ومثل ذلك أيضًا قول الله عز وجل: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1]، فهو يدل على إثبات الوحدانية له، ويقتضي أنه لا مثل له ولا نظير له سبحانه وتعالى أيضًا.

ب. العقل قاصر عن معرفة ما ثبت من الصفات:

بعدما قلت بأن الله لا يشبه أحدًا من المخلوقات، أود أن أبين أن العقل قاصر عن معرفة كيفية ما ثبت لله سبحانه وتعالى من صفات، ذلك أن الكيف عن صفات الله سبحانه وتعالى مجهول بدليل السمع وبدليل العقل؛ فالسمع منه قول الله عز وجل: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110].

والشيخ الأمين الشنقيطي -رحمه الله- له كلام حول هذه الآية في رسالته: (منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات)، ذكر فيها بأن إدراك حقيقة الكيفية مستحيل، وهذا ما نص عليه في هذه الآية وهي في قول الله عز وجل: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} العقل ييأس من أن يعرف كنه الصفات وكيفياتها، والعلة في ذلك أن العقل عاجز عن ذلك؛ لأن الشيء لا تعرف كيفية صفاته إلا بعد العلم بكيفية ذاته، أو العلم بنظيره المساوي له، أو بالخبر الصادق، وكل هذه الطرق منفية، ومنتفية في كيفية صفات الله تعالى؛ فوجب بطلان تكييفها وعلم الإنسان محدود له طاقة محدودة وذكر ربنا سبحانه وتعالى ذلك في كتابه حين قال: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85].

فالسمع دل على أن العقل قاصر عن معرفة كيفية ما ثبت لله عز وجل من الصفات، وبالتالي لا يحق له ولا يجوز بحال من الأحوال أن يشبه الله عز وجل أو يكيف صفات الله سبحانه وتعالى بصفات أحد من المخلوقين؛ فيقع في التشبيه المنفي والتمثيل المنفي عن اللهسبحانه وتعالى وهذا بدلالة القرآن الكريم أن الإنسان لا يتدخل فيما لا يعلمه: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110] ويمكن أيضًا أن أستدل هنا بقول الله عز وجل: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36].

وطالما أن الأمر كذلك فوجب علينا أن نؤمن وأن نفوض علم الكيفية، ولا يتدخل العقل في شيء من ذلك بل على العقل أن يقطع الطمع عن إدراك الكيفية؛ لأنه لا يعرف كيف الله إلا الله سبحانه وتعالى وبالتالي لا مجال له في ذلك، ولهذا فالأئمة أنكروا على من سأل عن الكيف، وهذا وارد عن الإمام مالك -رحمه الله- لما سئل عن كيفية الاستواء غضب، وقال: “الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة”. ومثل ذلك ورد عن شيخ الإمام مالك ربيعة -رحمهما الله تعالى.

ولا يقدح في أن العقل لا يعرف الكيفية، في الإيمان بالأسماء والصفات ومعرفة معانيها؛ فأنا أعلم الصفة ومعناها وما تدل عليه، ولكن لا أعرف كيفيتها.

مثال ذلك أيضًا قول الله عز وجل: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] ما معنى الاستواء؟ معلوم كما ذكر الإمام مالك: الاستواء هو العلو والارتفاع، هذا معلوم، أما كيفية الاستواء فهذا هو المجهول، فكوني لا أعرف كيفية الاستواء لا يقدح ذلك في إيماني بمعرفة علو الله سبحانه وتعالى على خلقه، وأنه استوى على عرشه كما أخبر سبحانه وتعالى بذلك في كتابه.

error: النص محمي !!