Top
Image Alt

التشديد في الربا، وما يجري فيه الربا

  /  التشديد في الربا، وما يجري فيه الربا

التشديد في الربا، وما يجري فيه الربا

. التشديد في الربا:

الربا: هو الزيادة، والزيادة تكون في نفس الشيء، وذلك في قوله تعالى:  {اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} [الحج: 5]، وقد تكون في المقابل كإعطاء درهم بدرهمين، أو دينار بدينارين.

وتُكتب كلمة الربا بالألف وبالواو لمن يُفخِّم الألف؛ كالصلاة والزكاة في كتابة المصحف. وأجاز بعضهم كتابته بالياء، وقد يُثنَّى، فيقال في التثنية: ربوان، وأجاز الكوفيون رَبْيَيْنِ، وغلّطهم في ذلك البصريون. قال الزمخشري في (الكشاف): كتبت بالواو على لغة من يُفخِّم، كما كُتبت الصلاة والزكاة، وزيدت الألف بعدها تشبيهًا بواو الجمع.

والربا حرام -ولا خلاف في ذلك- حرام بالكتاب والسنة، قال تعالى: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } ((لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا ومُؤْكِلَه، وشاهدَيْه، وكاتبه))، واللعن لا يكون إلا على شيء محرم، بذلك ثبتت حرمة الربا.  

التشديد في الرِّبا: التشديد في العقوبة والتغليظ على فاعل الربا دليل على حُرمته.

أولًا: الأحاديث:

عن ابن مسعود رضي الله عنه: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم لَعَنَ آكل الربا، ومُؤْكِلَهُ، وشاهِدَيْهِ، وكاتبه)) رواه الخمسة، أي: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، غير أن لفظ النسائي: ((آكل الربا ومؤكله، وشاهديه، وكاتبه -إذا علموا ذلك- ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة)).

وعن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((درهمُ ربا يأكله الرجل -وهو يعلم- أشدُّ من ست وثلاثين زنية)) رواه أحمد في (مسنده).

حديث ابن مسعود، أخرجه أيضًا ابن حبان، والحاكم، وصححه ابن حبان والحاكم، وأخرجه مسلم من حديث جابر بلفظ: ((إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن آكل الربا، ومؤكله، وشاهديه، هم سواء)).

وفي الباب عن علي رضي الله عنه عند النسائي، وعن أبي جحيفة، وتقدَّم ذلك في أول البيوع.

وحديث عبد الله بن حنظلة الذي يُعرف بأنه غسيل الملائكة، أخرجه أيضًا الطبراني في (الأوسط) و(الكبير)، قال في (مجمع الزوائد): ورجال أحمد رجال الصحيح، ويشهد له حديث البراء عند ابن جرير بلفظ: ((الربا اثنان وستون بابًا، أدناها مثل إتيان الرجل أمه)). وحديث أبي هريرة عند البيهقي بلفظ: ((الربا سبعون بابًا، أدناها الذي يقع على أمه))، وأخرج ابن جرير عنه نحوه. وكذلك أخرج عنه نحوه ابن أبي الدنيا.

وحديث عبد الله بن مسعود عند الحاكم، وصححه بلفظ: ((الربا ثلاثة وسبعون بابًا، أيسرها)) –يعني: أيسرها في العقوبة عند الله تعالى- ((مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرضُ الرجل المسلم)).

ثانيًا: الشرح:

قوله: ((آكل الربا)) بمد الهمزة، يجوز “الربا” بالمد، ويجوز “الربى” بالقصر.

((ومُؤكله)) بسكون الهمزة بعد الميم، ويجوز إبدالها واوًا، أي: ولُعن من يَطعمه، ومن يُطعمه وغيرهم، وسُمي آخذ المال آكلًا ودافعه مؤكلًا؛ لأن المقصود منه الأكل، وهو أعظم منافعه، وسببه إتلاف أكثر الأشياء.

قوله: ((وشاهديه)) في رواية أبو داود بالإفراد والبيهقي: ((وشاهديه)) أو ((شاهده)).

قوله: ((وكاتبه)) فيه دليل على تحريم كتابة الربا إذا عَلِم ذلك الكاتب، وكذلك الشاهد تحْرُم عليه الشهادة إذا علم أنه يشهد على ربا، فأمَّا من كتب، أو شهد غير عالم؛ فلا يدخل في الوعيد المذكور، أي: في اللعن الذي أخبر به صلى الله عليه وسلم عن آكل الربا.

ومن جملة ما يدل على تحريم كتابة الربا وشهادته، وتحليل الشهادة والكتابة في غيره: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282]، وقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: 282] فأمر بالكتابة والإشهاد فيما أحله، وفُهم من ذلك تحريمهما فيما حرمه.  

قوله: ((أشدُّ من ست وثلاثين…)) إلخ. يدل على أن معصية الربا من أشد المعاصي؛ لأن المعصية التي تعدل معصية الزنا، التي هي في غاية الفظاعة والشناعة بمقدار العدد المذكور، بل أشدُّ منها، لا شكَّ أنها قد تجاوزت الحد في القبح، وأقبح منها استطالة الرجل في عرض أخيه المسلم؛ ولهذا جعلها الشارع الحكيم أربى الربا. وبعد الرجل يتكلَّم بالكلمة التي لا يجد لها لذَّة، ولا تزيد في ماله ولا جاهه؛ فيكون إثمه عند الله أشد من إثم مَنْ زنى ست وثلاثين زنية، هذا ما لا يصنعه بنفسه عاقل.

2.باب ما يجري فيه الربا:

أولًا: الأحاديث:

الأول: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مِثلًا بمثل، ولا تُشفِّوا بعضها على بعض)) -يعني: لا تفضلوا بعضها على بعض- ((ولا تبيعوا الورِق بالورِق)) -يعني: الفضة بالفضة- ((إلا مثلًا بمثل، ولا تُشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منهما غائبًا بناجز)) -يعني: حاضر- هذا الحديث متفق عليه، يعني: يكون البيع في الحال يدًا بيد.

وفي لفظ آخر: ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُر بالبُر)) -يعني: القمح بالقمح- ((والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مِثلًا بمِثل، يدًا بيد، فمَنْ زاد أو استزاد)) -السين والتاء للطلب، يعني: زاد في الحال، أو طلب الزيادة في المستقبل- ((فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء)) رواه أحمد والبخاري. وفي لفظ: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورِق بالورِق إلا وزنًا بوزن، مِثلًا بمِثل، سواء بسواء)) رواه أحمد ومسلم.

الثاني: وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الذهب بالذهب، وزنًا بوزن، مثلًا بمثل، والفضة بالفضة وزنًا بوزن، مثلًا بمثل)) رواه أحمد ومسلم والنسائي.

الثالث: وعن أبي هريرة أيضًا، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والملح بالملح، مِثلًا بمِثل، يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، إلا ما اختلفت ألوانه)) رواه مسلم.

الرابع: عن فضالة بن عبيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنًا بوزن)) رواه مسلم والنسائي وأبو داود.

ثانيًا: الشرح:

قوله: ((الذهب بالذهب)) يدخل في الذهب جميع أنواعه من مضروب ومنقوش، وجيد ورديء، وصحيح ومكسور، وحلي، وتبر، وخالص ومغشوش. وقد نقل النووي وغيره الإجماع على ذلك.

قوله: ((إلا مثلًا بمثل)) هو مصدر في موضع الحال، أي: الذهب، يُباع بالذهب موزنًا بموزون، أو مصدر مؤكَّد، أي: وزنًا بوزن، وقد جمع بين المثل والوزن في رواية مسلم المذكورة.

قوله: ((ولا تُشفُّوا)) -بضم أوله وكسر الشين المعجمة، وتشديد الفاء- رباعي من أشفَّ، والشِّف بالكسر: الزيادة، ويطلق على النقص، والمراد هنا: لا تفضلوا، أي: لا تفضلوا بعضها على بعض.

وقوله: ((بناجز)) -بالنون والجيم والزاي- أي: لا تبيعوا مؤجلًا بحال، أي: بحاضر، ويُحتمل أن يراد بالغائب: مؤجلًا كان أو حالًّا، والناجز؛ الحاضر.

قوله: ((والفضة بالفضة)) يدخل في ذلك جميع أنواع الفضة كما سبق في الذهب، يعني: الجيد والرديء، والصحيح والمكسور، والخالص والمغشوش، كلًُّه يدخل في ذلك.

قوله: ((والبُرُّ بالبُرِّ)) -بضم الباء- وهو الحنطة، أي: القمح، والشعير بفتح أوله، ويجوز الكسر، وهو معروف “شعير”، قال: شَعير وشِعير. وفيه ردٌّ على من قال: إن الحنطة والشعير صِنف واحد، وهو مالك والليث والأوزاعي، وتمسَّكوا بقوله صلى الله عليه وسلم: ((الطعام بالطعام)).

قوله: ((فمن زاد)) إلخ، فيه تصريح بتحريم ربا الفضل، وهو مذهب الجمهور للأحاديث الكثيرة المذكورة في الباب وغيرها؛ فإنها قاضية بتحريم بيع هذه الأجناس بعضها ببعض متفاضلًا. وروي عن ابن عمر أنه يجوِّز ربا الفضل، ثم رجع عن ذلك. وكذلك روي عن ابن عباس، واختُلف في رجوعه، فروى الحاكم أنه رجع عن ذلك لما ذكر له أبو سعيد حديثه الذي في الباب، واستغفر الله، وكان ينهي عنه أشدَّ النهي.

وروي مثل قولهما عن أسامة بن زيد، وابن الزبير، وزيد بن أرقم، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، واستدلُّوا على جواز ربا الفضل بحديث أسامة عند الشيخين وغيرهما بلفظ: ((إنِّما الربا في النسيئة))، زاد مسلم في رواية عن ابن عباس: ((لا ربا فيما كان يدًا بيدٍّ))، وأخرج الشيخان والنسائي عن أبي المنهال، قال: سألت زيد بن أرقم، والبراء بن عازب عن الصرف فقالا: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الذهب بالورِق أي: بالفضة دينًا.

وأخرج مسلم عن أبي نضرة، قال: سألت ابن عباس عن الصرف فقال: إلا يدًا بيد، قلت: نعم، قال: فلا بأس، فأخبرت أبا سعيد فقال: أهو قال ذلك؟ إنا سنكتب إليه فلا يُفْتِيكُمُوه. وله من وجه آخر: عن أبي نضرة سألت ابن عمر وابن عباس عن الصرف فلم يريا به بأسًا، وإني لقاعد عند أبي سعيد، فسألته عن الصرف، فقال: ما زاد فهو ربا، فأنكرت ذلك لقولهما، فذكر الحديث، قال: فحدثني أبو الصهباء أنه سأل ابن عباس عنه فكرهه.

قال في (الفتح): واتفق العلماء على صحة حديث أسامة، واختلفوا في الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد؛ فقيل: إن حديث أسامة منسوخ، لكن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وقيل: المعنى في قوله: ((لا ربا)): الربا، وقيل: المعنى في قوله: ((لا ربا إلا ربا النسيئة)): هو تغليظ وتشديد في التحريم المتوعَّد عليه بالعقاب الشديد، كما تقول العرب: لا عالم في البلد إلا زيد، مع أن فيه علماء كثيرون غيره، وإنما القصد نفيُ الأكمل لا نفي الأصل، وأيضًا نفي تحريم ربا الفضل من حديث أسامة إنما هو بالمفهوم، فيقدم عليه حديث أبي سعيد؛ لأن دلالته بالمنطوق، ويُحمل حديث أسامة على الربا الأكبر. ويُمكن الجمع أيضًا بأن يقال: مفهوم حديث أسامة عامٌّ؛ لأنه يدل على نفي الربا الفضل عن كل شيء، سواء كان من الأجناس المذكورة في أحاديث الباب أم لا، فهو أعمُّ منها مطلقًا، فيخصَّص هذا المفهوم بمنطوقها.

وأما ما أخرجه مسلم عن ابن عباس: أنه لا ربا فيما كان يدًا بيد، كما تقدَّم، فليس ذلك مرويًّا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تكون دلالته على نفي ربا الفضل منطوقة، ولو كان مرفوعًا لما رجع ابن عباس واستغفر لمَّا حدثه أبو سعيد بذلك، كما تقدم. وقد روى الحازميُّ رجوع ابن عباس واستغفاره عندما سمع عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله يحدِّثان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يدلُّ على تحريم ربا الفضل، وقال: حفظتما من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم أحفظ.

وروى عنه الحازمي أيضًا أنه قال: كان ذلك برأيي، وهذا أبو سعيد الخدري يُحدِّثني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتركت رأيي إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعلى تسليم أن ذلك الذي قاله ابن عباس مرفوعٌ، فهو عام مخصَّص بأحاديث الباب؛ لأنها أخصُّ منه مطلقًا، وأيضًا الأحاديث القاضية بتحريم ربا الفضل ثابتة عن جماعة من الصحابة في (الصحيحين) وغيرهما.

قال الترمذي بعد أن ذكر حديث أبي سعيد: وفي الباب عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وأبي هريرة، وهشام بن عامر، والبراء، وزيد بن أرقم، وفضالة بن عبيد، وأبي بكرة، وابن عمر، وأبي داود، وبلال، وقد ذكر المصنف بعد ذلك في كتابه هذا الذي يقوم بشرحه الإمام الشوكاني، قال: وخرَّج الحافظ في (التلخيص) بعضها؛ فلو فُرِض معارضة حديث أسامة لها من جميع الوجوه، وعدم إنكار الجمع أو الترجيح بما سلف؛ لكان الثابت عن الجماعة أرجح من الثابت عن الواحد.

قوله: ((ولا الوَرِق بالوَرِق)) -بفتح الواو وكسر الراء وبإسكانها- يقال: الورْق، ويجوز فتحها كذا في (الفتح): وهو الفضة، والمراد هنا جميع أنواع الفضة مضروبة وغير مضروبة. قوله: ((إلا وزنًا بوزن مثلًا بمثل، سواء بسواء)) الجمع جميع هذه الألفاظ لقصد التأكيد أو للمبالغة.

قوله: ((إلا ما اختُلف ألوانه)) المراد أنهما اختلفا في اللون اختلافًا يصير به كل واحد منهما جنسًا غير جنس مقابله، فمعناه معنى ما سيأتي من قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا اختلفت هذه الأصناف؛ فبيعوا كيف شئتم))، وفي رواية: ((إذا اختلفت الأجناس؛ فبيعوا كيف شئتم، يدًا بيد)).

الأمير الصنعاني في كتابه (سبل السلام) روى هذه الأحاديث أيضًا، وقام بالتعليق عليها؛ ففي التشديد في الربا أتى بذلك الحديث، قال: عن جابر رضي الله عنهما قال: ((لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه وقال: هم سواء)). ثم قال: رواه مسلم، وقال: للبخاري نحوه من حديث أبي جحيفة، ثم قام على التعليق على هذا الحديث بمثل ما علَّق به الشوكاني تقريبًا.

ثم أتى بالحديث الثاني الذي يدلُّ على التشديد على فاعل الربا: روى عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الربا ثلاثة وسبعون بابًا، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عِرض الرجل المسلم)) رواه ابن ماجه مختصرًا، والحاكم بتمامه وصححه، ثم قال معلقًا: وفي معناه أحاديث، وقد فُسَّر الربا في عرض المسلم بقوله: “السبَّتان بالسبة”، وفيه دليل على أنه يُطلق الربا على الفعل المحرم، وإن لم يكن من أبواب الربا المعروفة، وتشبيهه أيسر الربا بإتيان الرجل أمه؛ لما فيه من استقباح ذلك عند العقل، وعند من عنده مروءة.

ثم أتى بالأحاديث التي تدلُّ على الحرمة؛ فروى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الذهب بالذهب، وزنًا بوزن، مثلًا بمثل، والفضة بالفضة، وزنًا بوزن، مِثلًا بمِثل، فمن زاد أو استزاد فهو ربا))، وأتى بالحديث الثاني الذي كان في (نيل الأوطار)، وقام بشرحه الشوكاني.

فروى الأمير الصنعاني هذا الحديث وشرحه عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة رضي الله عنهما: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلًا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكلُّ تمر خيبر هكذا؟ فقال: لا، والله، يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعل، بِع الجمع بالدَّراهم، ثم ابْتَعْ بالدراهم جنيبًا)) وقال في الميزان مثل ذلك، متفق عليه، ولمسلم: ((وكذلك الميزان)).

ونعود إلى (نيل الأوطار) عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: ((نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الفضة بالفضة، والذهب بالذهب، إلا سواء بسواء، وأمرنا أن نشتري الفضة بالذهب كيف شئنا، ونشتري الذهب بالفضة كيف شئنا)) أخرجاه، أي: البخاري ومسلم، وفيه دليل على جواز الذهب بالفضة مجازفة.

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الذهب بالورق ربًا، إلا هاء وهاء)) يعني: خذ وهات في الحال. ((والبُر بالبُر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء)) متفق عليه.

وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلًا بمثل سواءً بسواء يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف؛ فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد)) رواه أحمد ومسلم.

وللنسائي، وابن ماجه، وأبي داود نحوه، وفي آخره ((وأمرنا أن نبيع البُر بالشعير، والشعير بالبُر يدًا بيد كيف شئنا))، وهو صريح في كون البر والشعير جنسين. وعن معمر بن عبد الله قال: كنت أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((الطعام بالطعام مثلًا بمثل))، وكان طعامنا يومئذٍ الشعير. رواه أحمد ومسلم.

وعن الحسن، عن عبادة وأنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما وُزن مِثلًا بمِثل إذا كان نوعًا واحدًا، وما كيل فمثل ذلك، فإذا اختلف النوعان؛ فلا بأس به)) رواه الدراقطني.

قوله: ((كيف شئنا)) هذا الإطلاق مقيد بما في حديث عبادة من قوله: ((إذا كان يدًا بيد))؛ فلا بد في بيع بعض الربويات ببعض من التقابض، يعني: الأخذ والعطاء يدًا بيد في الحال؛ ولا سيما في الصرف: وهو بيع الدراهم بالذهب وعكسه، فإنه متفق على اشتراطه، وظاهر هذا الإطلاق هو التفويض في المشيئة أنه يجوز بيع الذهب بالفضة، والعكس، وكذلك سائر الأجناس الربويَّة إذا بِيع بعضها ببعض من غير تقييد بصفة من الصفات، غير صفة القبض، ويدخل في ذلك بيع الجُزَاف وغيره.

قوله: ((إلا هاء وهاء)): ((إلا هاءَ)) بالفتح، ((إلا هاءِ)) بالكسر، ((إلا هاءْ)) بالسكون، وحُكي القصر بغير همزة: ((إلا ها))، وخطَّأها الخطابي، وردَّ عليه النووي وقال: هي صحيحة لكنها قليلة. والمعنى: خُذ وهات، وحُكي بزيادة كاف مكسورة، ويقال: ((هاءِ)) بكسر الهمزة بمعنى: هات، وبفتحها بمعنى: خذ. وقال ابن الأثير: ((هاء وهاء))، هو أن يقول واحد من البيِّعين: هاء، فيعطيه ما في يده، وقيل: معناهما خُذْ واعْطِ، قال: وغير الخطابي يُجيز فيه السكون. وقال ابن مالك: ((هاء)): اسم فعل بمعنى خذ، وقال الخليل: “هاء” كلمة تستعمل عند المناولة، والمقصود من قوله ((هاء وهاء)): أن يقول كل واحد من المتعاقدين لصاحبه: هاء، فيتقابضان في المجلس، قال في (التقدير): لا تبيعوا الذهب بالورق إلا مقولًا بين المتعاقدين: هاء وهاء.

قوله: ((إذا اختلفت هذه الأصناف)) إلخ، ظاهر هذا أنه لا يجوز بيع جنس ربوي بجنس آخر إلا مع القبض، ولا يجوز مؤجلًا ولو اختلفا في الجنس والتقدير كالحنطة والشعير بالذهب والفضة، وقيل: يجوز مع الاختلاف المذكور؛ إنما يشترط التقابض في الشيئين المختلفين جنسًا، المتَّفقين تقديرًا كالفضَّة بالذهب، والبرّ بالشعير؛ إذ لا يعقل التفاضل والاستواء إلا فيما كان كذلك.

ويُجاب: بأن مثل هذا لا يصلح لتخصيص النصوص وتقييدها، وكون التفاضل والاستواء لا يُعقل في المختلفين جنسًا وتقديرًا ممنوع، والسند أن التفاضل معقول لو كان الطعام يُوزن، أو النقود تُكال، ولو في بعض الأزمان والبلدان، ثم إنه قد يبلغ ثمن الطعام إلى مقدارٍ من الدراهم كثير عند شدَّة الغلاء؛ بحيث يُعقل أن يقال: الطعام أكثر من الدراهم، وما المانع من ذلك.

وأما الاستدلال على جواز ذلك بحديث عائشة عند البخاري ومسلم وغيرهما: قالت: ((اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهوديٍّ طعامًا بنسيئة، وأعطاه درعًا له رهنًا))، فلا يخفى أن غاية ما فيه أن يكون مخصصًا للنص المذكور لصورة الرهن، فيجوز في هذه الصورة لا في غيرها؛ لعدم صحة إلحاق ما لا عوض فيه عن الثمن بما فيه عوض عنه، وهو الرهن، نعم، إن صحَّ الإجماع الذي حكاه المغربي في (شرح بلوغ المرام) فإنه قال: وأجمع العلماء على جواز بيع الربويّ بربويّ لا يُشاركه في العلَّة متفاضلًا، أو مؤجلًا، كبيع الذهب بالحنطة، وبيع الفضة بالشعير، وغيره من المكيل. والله أعلم.

والحديث الذي جاء في (سبل السلام) عن بيع التمر بالجنيب جاء أيضًا في (نيل الأوطار) عن أبي سعيد -أي: الخدري- وأبي هريرة رضي الله عنهما: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلًا على خيبر، فجاءهم بتمر جنيب، فقال: أكلُّ تمر خيبر هكذا؟ قال: إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة. فقال: لا تفعل، بِعِ الجَمْع بالدراهم، ثم ابْتَعْ بالدراهم جنيبًا))، وقال في الميزان مثل ذلك، رواه البخاري.

قال الأمير الصنعاني في شرحه: وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلًا -اسمه سَوَاد بفتح السين المهملة، وتخفيف الواو، ودال مهملة- بن غَزِيَّة -بزنة عطية، وهو رجل من الأنصار، استعمله -على خيبر، فجاءه بتمر جنيب -بالجيم المفتوحة والنون، بزنة عظيم- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكلُّ تمر خيبر هكذا؟ فقال الرجل: لا، والله، يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بصاعين والثلاثة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تفعل، بِعِ الجَمع)) -بفتح الجمع وسكون الميم، أي: التمر الرديء- ((بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا))- فقال في الميزان مثل ذلك، متفق عليه، ولمسلم، وكذلك الميزان.

الجنيب: قيل: الطيب، وقيل: الصلب، وقيل: الذي أُخرج منه حشفه ورديئه، وقيل: هو الذي لا يختلط بغيره. وقد فُسِّر الجمع ما ذكره آنفًا، وفُسر في رواية لمسلم بأنه الخلط من التمر، ومعناه مجموع من أنواع مختلفة. والحديث دليل على أن بيع الجنس بجنسه يجب فيه التساوي؛ سواء اتفقا في الجودة والرداء أو اختلفا، وأن الكل جنس واحد، وقوله: وقال في الميزان مثل ذلك، أي: قال فيما كان يُوزن إذا بيع بجنسه مثل ما قال في المكيل إنه لا يباع متفاضلًا، وإذا أُريد مثل ذلك بيع بالدراهم، وشُري ما يُراد بها، والإجماع قائم على أنه لا فرق بين المكيل والموزون في ذلك الحكم.

واحتجَّت الحنفية بهذا الحديث على أن ما كان في زمنه صلى الله عليه وسلم مكيلًا؛ لا يصح أن يُباع ذلك بالوزن متساويًا، بل لا بد من اعتباره كيلًا، وتساويه كيلًا، وكذلك الوزن، وقال ابن عبد البر: إنهم أجمعوا على أن ما كان أصله الوزن، لا يصح أن يُباع بالكيل؛ بخلاف ما كان أصله الكيل، فإن البعض يُجيز فيه الوزن، ويقول: إن المماثلة تُدرك بالوزن في كل شيء، وغيرهم يعتبرون الكيل والوزن بعادة البلد، ولو خالف ما كان عليه في ذلك الوقت؛ فإن اختلفت العادة اعتبرت بالأغلب، فإن استوى الأمران؛ كان له حكم المكيل إذا بيع بالكيل، وإن بيع بالوزن؛ كان له حكم الموزون.

واعلم أنه لم يذكر في هذه الرواية أنه صلى الله عليه وسلم أمره بردِّ البيع، بل ظاهرها أنه قرَّره، وإنما أعلمه بالحكم، وعذره للجهل به، إلا أنه قال ابن عبد البر: إن سكوت الراوي عن رواية فسخ العقد، وردِّه لا يدل على عدم وقوعه، وقد أُخرج من طريق أخرى، وكأنه يُشير إلى ما أخرجه من طريق أبي بصرة، عن سعيد، نحو هذه القصة فقال: هذا الربا. فردَّه قال: ويحتمل تعدُّد القصة، وإن التي لم يقع فيها الرَّد كانت متقدمة. وفي الحديث دلالة على جواز الترفيه على النفس باختيار الأفضل.

error: النص محمي !!