Top
Image Alt

التصور الإسلامي للإنسان والمجتمع

  /  التصور الإسلامي للإنسان والمجتمع

التصور الإسلامي للإنسان والمجتمع

أما نظرة الإسلام إلى الحياة؛ فإن الإسلام قد نظر إلى الحياة نظرة جدية؛ ملؤها الشعور بالمسئولية، وتوجيه الدوافع، وعندما عرضنا نظرة الإسلام للإنسان رأيت أن للحياة مبدأين أولهما: عندما خلق آدم من طين ثم سواه، ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة أن تسجد له، ومنذ مبدأ الحياة البشرية الأول ميز الله هذا الجنس عن الملائكة وسائر المخلوقات بميزتين:

الميزة الأولى: العلم والعقل والإرادة والاختيار والتمييز بين الخير والشر.

والميزة الثانية: أنه مخلوق من طين، ثم من دم ولحم، وأنه تبعًا لذلك مجبول على الشهوات والدوافع الغريزية وما يتفرع عنها من الجهل وسفك الدماء والإفساد والخسران، والهلع والجزع والطمع {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً} [الأحزاب: 72]، {إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} [المعارج: 19- 21]، {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيد} [العاديات: 8]، {وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولا} [الإسراء: 11]، {وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28]، {وَكَانَ الإنسَانُ قَتُورًا} [الإسراء: 100]، {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [الأعلى: 17].

وقد جعل الله تعالى للإنسان هاتين المجموعتين من المميزات والصفات الإنسانية المتقابلة، وجعل الإنسان قادرًا على اختيار طريق الخير أو الشر، وجعل ذلك أساسًا لحياته النفسية، وجعل عنده مقابل كل صفة من هذه النقائص قدرة عقلية على الضبط والاعتدال بالرجوع إلى الشرع، والخوف من الله وعبادته.

وفي مقابل ذلك كله؛ ولكي ندرك كمال التصور القرآني للنفس والكون والحياة، وترابط هذه التصورات وتقابلها وتكاملها نتأمل وصف القرآن للحياة فنجد أن الإسلام قد جعل هذه الحياة الدنيا دار امتحان وابتلاء، يمر بها الإنسان ليصل إلى الآخرة، وهي حياة دائمة لا موت بعدها، فهنالك حساب فإما نعيم أبدي وإما عقاب وعذاب أبدي أبدًا.

والله -عز وجل- أكثر في القرآن الكريم من وصف الحياة الدنيا؛ حتى لا يغتر بها الناس ولا يركنوا إليها وحتى يؤثروا الآخرة على الدنيا ويعملوا لها، قال الله تبارك وتعالى: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا} [الكهف: 45]، وقال سبحانه: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُور} [الحديد: 20]، وقال سبحانه: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآب} [آل عمران: 14].

وقد ذمَّ الله -عز وجل- الذين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة فقال: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [الأعلى: 17، 18]، وقال: {كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَة  وَتَذَرُونَ الآخِرَة} [القيامة: 20، 21]، وقال: {إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُون أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُون} [يونس: 7، 8]، وقال سبحانه: {أُولَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُون} [البقرة: 86]، وقال سبحانه: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُون أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُون} [هود: 15، 16].

وعاب الله سبحانه وتعالى على المؤمنين قعودهم عن الجهاد في سبيل الله حبًّا للراحة، وخلودًا إلى الأرض؛ فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيل} [التوبة: 38]، ومع ذلك فإن الله سبحانه وتعالى أمر المؤمنين أن ينتفعوا بما أحلّ لهم من الطيبات، وأن يتمتعوا بها في الحياة الدنيا فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِين وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُون} [المائدة: 87، 88]، وقال سبحانه: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُون} [الأعراف: 32]. ولذلك مما قاله علماء بني إسرائيل لقارون إذ بغى على قومه فقالوا له: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِين} [القصص: 77].

ومن هذه الآيات نأخذ أهم صفات الحياة الدنيا وعلاقة الإنسان بها:

أولًا: الدنيا متاع مؤقت ومكان عبور، ووسيلة إلى الآخرة لا يجوز اتخاذها غاية {مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا} [الإسراء: 18، 19].

ثانيًا: الدنيا مملوءة بالزينة والزخرف والشهوات والملذات، وهذا من ابتلاء الله -تبارك وتعالى- وامتحان لعباده.

ثالثًا: يجوز للمُسلم بل يحقّ له أن يستمتع بالحياة الدنيا وزينتها في حدود الشرع، ويشترك بها مع غيره من الكفار والملحدين، ولكن بشرط ألا تلهيه عن طاعة الله أي: يجب عليه أن يبتغي بها الدار الآخرة، وأن يسخرها في طاعة الله، فيستمتع بالمال ليؤدي زكاته، ويستمتع بالولد ليربيه على طاعة الله وشريعته، وهكذا يستمتع بما أباح الشرع بهدف تحقيق الشرع.

رابعًا: الدنيا عالم له قوانينه الاجتماعية والبشرية التي سنَّها الله بين الشعوب والأمم، فمن سعى في الدنيا استوفى نافلة سعيه في الدنيا، ومن سخر الدنيا لإرضاء الله ربح في الدنيا والآخرة.

خامسًا: الحياة الدنيا قصيرة الأمد لا تعدو أن تكون ساعة ويومًا من أيام الآخرة كما قال تعالى: {يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْرًا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْمًا} [طه: 102- 104]، وقال تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ} [الروم: 55].

سادسًا: الحياة الدنيا دار تعب وكدح وجد قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَد} [البلد: 4]، وقال: {يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيه} [الانشقاق: 6].

سابعًا: المؤمنون ينصرهم الله في الدنيا والآخرة فليست الدنيا لظهور الكفر والفساد فقط، قال تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَاد} [غافر: 51]، وأخيرًا الحياة الدنيا دار لعب ولهو وتفاخر وتكاثر، كما قال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ} [الحديد: 20]، وقال تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُر حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِر} [التكاثر: 1، 2].

هذه هي نظرة الإسلام إلى الإنسان والمجتمع، وإلى الكون والحياة، وهذه النظرة لها آثارها العملية والتربوية، ومنها ألا يغتر المسلم بالحياة الدنيا ويغفل عن الهدف الذي أوجدت من أجله، بل يحاسب نفسه ويعمل فيها على أنها دار امتحان مؤقت، فيبقى جادًّا يقظًا صبورًا على الشظف، مغامرًا تقدميًّا لا يقف طموحه عند حدّ، بل يتجاوز الأهداف الدنيوية القريبة فيقوم بمشاريع تُشبه المعجزات، ومنها ألا يحرم نفسه مع ذلك من خيراتها، بل يتمتع بهذه الخيرات على أن يحقق بهذا التمتع عبوديته لله تعالى، ويستهدف من وراء كل متعة إرضاء الله. قال النبي -صلى الله عليه وسلم: ((وفي بضع أحدكم صدقة؟ قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟ قال: أرأيتم إذا وضعها في الحرام أيكون عليه وزر؟ قالوا: نعم. قال: فإذا وضعها في الحلال كان له أجر))، وقال -صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص: ((إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في فيه امرأتك)) حتى اللقمة أي: يداعب الزوج بها امرأته فيضعها في فيها له أجر عليها.

ومن الفوائد التربوية: أن يصبر المسلم على البلاء في الدنيا والبأساء والضراء؛ لأنه قد علم أن هذه الدنيا هي دار الامتحان، وتلك طبيعتها نكد وهمّ وغم وحزن قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِين الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعون أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُون} [البقرة: 155- 157]، فالمسلم إذا أصيب في هذه الدنيا بما يكره في نفسه وماله وأهله وولده لا ييأس ولا يتذمَّر بل يصبر ويستعد للجهاد.

ومن الآثار التربوية الناتجة عن نظرة الإسلام إلى الكون والمجتمع والإنسان والحياة: أن يُجند الفرد والمجتمع كل عُدّته لمنازلة أعداء الفضيلة والخير من الْجِنَّة والناس، وأن يعلم أن الله ينصر المؤمنين إن هم حققوا إيمانهم في سلوكهم، واتبعوا كتابه ورسوله، وأخذوا بأسباب القوة والعزة والمنعة، كما أمرهم الله -عز وجل- قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُم} [محمد: 7]، وقال -عز وجل-: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُور} [الحج: 40، 41]، وقال سبحانه: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُون} [الأنفال: 60].

error: النص محمي !!