Top
Image Alt

التطورات السياسية والاجتماعية والثقافية في القرنين التاسع عشر والعشرين

  /  التطورات السياسية والاجتماعية والثقافية في القرنين التاسع عشر والعشرين

التطورات السياسية والاجتماعية والثقافية في القرنين التاسع عشر والعشرين

الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وصلى الله تعالى وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فنبدأ -بإذن الله- في الدروس الخاصة بمادة الأدب الحديث ونصوصه، أي: الأدب العربي في العصر الحديث.

وهذا العصر الحديث يبدأ بالحملة الفرنسية على مصر سنة ألف وسبعمائة وثمان وتسعين، ويمتد إلى يومنا هذا، وهو عصر طويل عريض مليء بالأحداث السياسية والعسكرية الجِسام، ومليء بالاتجاهات الثقافية المتنوعة والمتعارضة والمتناقضة، ومليء بالقضايا الاجتماعية التي شغلت أذهانَ المثقفين والمفكرين، والأدباء والشعراء في هذا العصر، ومليء بالشخصيات الكبرى التي كان لها أثر كبير في توجيه السياسة، والثقافة، والاجتماع، والأدب في هذا العصر، إنه عصر غني بأشخاصه، وأحداثه، واتجاهاته، وقضاياه.

والأدب العربي في هذا العصر متنوع الفنون؛ فالشعر متنوع، عندنا الشعر التقليدي، والشعر التمثيلي، والمسرحي، والشعر الحر، وعندنا كذلك النثر؛ فيه فن المقالة، وفيه فن القصة، وفيه فن المسرحية. إذًا هذا عصر غني، وثري، وطويل، وعريض كما قلت.

حتى إن بعض مؤرخي الأدب يرى: أن هذا العصر يمكن أن يقسم إلى خمس مراحل.

يقول الدكتور أحمد هيكل: يَحسن أن يقسم هذا العصر الحديث الطويل إلى فتراته المختلفة التي يتميز كل منها إلى حد كبير بطابعه السياسي والاجتماعي والثقافي، ثم بطابعه الأدبي نتيجةً لذلك كله.

والمراحل التي يذكرها الدكتور أحمد هيكل، هي:

الفترة الأولى: من الحملة الفرنسية إلى ولاية “إسماعيل” من سنة ألف وسبعمائة وثمان وتسعين إلى سنة ألف وثمانمائة وثلاث وستين من الميلاد.

الفترة الثانية: من ولاية “إسماعيل” إلى الثورة العرابية من سنة ألف وثمان وثلاث وستين إلى سنة ألف وثمانمائة واثنين وثمانين.

الفترة الثالثة: من الاحتلال البريطاني إلى نهاية ثورة 19 من سنة ألف وثمانمائة واثنين وثمانين إلى سنة ألف وتسعمائة واثنين وعشرين.

الفترة الرابعة: فترة ما بين الحربين -أي: الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية- من سنة ألف وتسعمائة واثنين وعشرين إلى سنة ألف وتسعمائة وتسع وثلاثين.

الفترة الخامسة: من الحرب العالمية الثانية إلى قيام ثورة 23 يوليو في مصر، من سنة تسع وثلاثين إلى سنة اثنين وخمسين.

الفترة السادسة: من قيام ثورة 52 سنة ألف وتسعمائة واثنين وخمسين إلى اليوم.

هكذا يقول الدكتور أحمد هيكل في كتابه (تطور الأدب الحديث في مصر)، وتاريخ الطبعة التي رجعتُ إليها سنة ألف وتسعمائة وثمان وستين، فإذا أضفنا إلى هذا التاريخ هذه السنين التي جاءت بعد سنة ألف وتسعمائة وثمان وستين إلى الآن، أيقنا أن هذا العصر -فعلًا- يحتاج في درسه المفصل إلى أن يُقسم إلى مراحل.

ولكننا في هذه المادة نحاول أن نلقي الأضواء الكاشفةَ، ونتوقف عند الخطوط العريضة؛ لأننا – بطبيعة الحال- لا يمكننا أن نستقصي هذا العصر الطويل المتعدد الفنون والمتشابك الأحداث والمتميز في جوانب عديدة منه، لا نستطيع أن ندرسه دراسة مفصلة في عدة ساعات هي الساعات المخصصة لدراسة هذه المادة.

كما قلتُ سنلقي أضواءً كاشفة، ونتوقف عند الملامح العامة؛ حتى يسهل الإلمام بهذا العصر في ظروفه السياسية، والاجتماعية، والثقافية، ثم ينتقل بعد ذلك إلى دراسة الأدب في هذا العصر الحديث.

من المعلوم: أن الوطن العربي الآن يشمل عددًا كبيرًا من الأقطار العربية التي يمكن أن يدرس أدب كل منها على حِدة الآن، لكن هذه الأقطار كانت وطنًا واحدًا أثناءَ الخلافة العثمانية وما قبلها، وعندما نقول: “الخلافة العثمانية” نشير إلى الحكم التركي الذي سيطر على العالم العربي بعد أن تغلَّب الأتراك العثمانيون على المماليك، وخضَعَ العالم العربي بعد ذلك للخليفة العثماني.

وبدأ العالم العربي عصرًا جديدًا تحت الحكم العثماني.

التاريخ السياسي والثقافي والاجتماعي مهم جدًّا لنتعرف على الأدب؛ لأن الأدب في كل فنونه يحمل آثار عصره، ويدل على سمات الحياة في ذلك العصر، ويتأثر بما يدور في هذا العصر؛ لأن هذه الأحداث التي تجري في أي عصر وفي أي بيئة، هي التي تشكل وجدان الأديب وعقله، وتظهر ملامحها في إبداعه.

فالأدب الجاهلي تصوير لعصر الجاهلية وتعبير عن قيمها، وكذلك كان الأدب في عصر صدر الإسلام يحمل الآثارَ الجديدة التي أحدثها هذا الدين في نفوس العرب وعقائدهم وطرائق تفكيرهم، وهكذا كان الأدب في العصر الأموي، وفي العصر العباسي، وفي الأندلس، وهكذا الأدب في كل عصر وفي كل بيئة.

كان الحكام العثمانيون يدينون بالإسلام، وكان من واجبهم أن ينهضوا بلغة القرآن وآدابها وعلومها؛ تقربًا إلى الله، وخدمةً للدين، وكان من واجبهم كذلك أن يتقوا الله في أمر الرعية التي ولّاهم الله عليها.

لكن التاريخ يذكر أنهم لم يحفظوا أمانةَ الثقافة واللغة والأدب، فكانوا مقصرين، وقصَروا اهتمامهم على عاصمة مُلكهم “مدينة الأستانة” بتركيا، وكانوا يجلبون إليها الخيرات، ويستقدمون إليها العلم وأصحاب الخبرة والعلماء.

وتعصبوا لجنسهم ولغتهم، وعمِلوا على إحلال لغتهم التركية في الدواوين الحكومية محل اللغة العربية في أقطار الوطن العربي.

كل ذلك جعل الخلافة العثمانية في موقف الاتهام، ورُمِيَ العثمانيون من أجل ذلك بأنهم لم يكونوا أهلًا لأن يكونوا حماةً لهذا الدين أو حكامًا للمسلمين، واتُّهموا بأن خلافتهم لَمْ تمضِ على سنن الخلافة الراشدة، ولم تلتزم في حكمها بما شرع الله ورسوله.

كاد الأدب العربي يلفظ أنفاسه ويموت، ويذهب إلى غير رجعة.

ولم يعد من المأمول أن ينبغ في عالم الشعر شاعرٌ، ولا في عالم الخطابة خطيب، أو عالِم الكتابة كاتب.

هذه هي الفترة السابقة على العصر الحديث.

من الضروري أن يلم الطالب بها قبل أن يدخل إلى دراسة العصر الحديث الذي يبدأ بالحملة الفرنسية على مصر سنة ألف وسبعمائة وثمان وتسعين.

والحق أن الحملة الفرنسية على مصر كانت هي الحدث المهم الأول، وتتابعت بعده على الوطن العربي أحداثٌ كثيرةٌ خطيرةٌ ومؤثرةٌ. فَبَعْدَ الحملة الفرنسية على مصر سنة ألف وسبعمائة وثمان وتسعين، تولى محمد علي خلافة مصر، وحاول أن ينشئ فيها نهضة حديثة، ثم بعد ذلك تولى أبناؤه من بعده، ثم حدثت الثورة العرابية، وحدث بعدها احتلال إنجلترا لمصر سنة ألف وثمانمائة واثنين وثمانين، وحدث بعد ذلك ثورة 1919، ثم ثورة 1952، وخروج الإنجليز من مصر.

ثم أُنشئت في قلب الوطن العربي دولة إسرائيل سنة ألف وتسعمائة وثمان وأربعين، ونشأ عن ذلك صراع مَرير بين العرب وإسرائيل ما زالت حلقاتُه مستمرةً إلى اليوم، ومن أهم محطات هذا الصراع حرب سنة ألف وتسعمائة وثمان وأربعين وعقبها أعلن إنشاء دولة إسرائيل، وبعد ذلك حرب سنة ألف تسعمائة وسبع وستين، واحتلت إسرائيل فيها أراضي من عدد من الدول العربية. وبعد ذلك حرب سنة ألف تسعمائة وثلاث وسبعين التي انتصر فيها العرب على إسرائيل. وبعدها حدثت معاهدات صلح بين بعض الدول العربية وإسرائيل، وما تزال حلقات الصراع بين العرب وإسرائيل مستمرةً إلى يومنا هذا.

لكن هذا التاريخ الحديث كله يبدأ بالحملة الفرنسية على مصر، سنة ألف وسبعمائة وثمان وتسعين.

قبل هذه الحملة كان العالم العربي يعيش تحت الحكم التركي في عزلةٍ تامةٍ عن العالم. لقد استيقظ المِصريون على أصوات القنابل والمدافع، ففتحوا أعينَهم على جيش من الغزاة دفعت به فرنسا المتقدمة الآخذة من العلم وأسبابه بحظ كبير، الطامعة في اقتسام بلاد العرب والمسلمين، الطامحة إلى مزيد من الأرض، ومزيد من المال، ومزيد من السيطرة والهيمنة على الشعوب، وكانت فرنسا وبريطانيا -في ذلك الوقت- يتنافسان على السيادة على العالم، وأراد “نابليون” -قائد الحملة الفرنسية على مصر- أن يجعل من مصر قاعدةً لإمبراطورية فرنسية في الشرق.

إذن، تنبه المصريون -بسبب هذه الحملة الفرنسية- إلى أن واقعهم متخلف جدًّا، وتنبهوا إلى أن حكامهم ظلموهم وأهملوا شئون حياتهم، وعرفوا أن الدنيا فيها أقوام متقدمون يملكون من أسباب العلم، وأسباب الحضارة، وأنواع الأسلحة، وأنواع الأجهزة العلمية، ما لم يكن المصريون ولا العرب ولا أكثر المسلمين في ذلك الوقت يتخيلون وجوده.

وكان مع الفرنسيين -مع الجيش الغازي الفرنسي- فرق علمية مزودة بكافة أجهزة البحث العلمي؛ من معامل، ومعدات، ومراجع علمية، ومطبعة، وانطلق العلماء الفرنسيون يدرسون كل شيء في مصر وكل شيء عن مصر، فمسحوا أرضها، ووضعوا لها خريطة شاملة، ودرسوا آثارها، وفكوا رموز أحجارها القديمة -الأحجار الأثرية الباقية من العصور الفرعونية القديمة- وأنشئوا المراصد العلمية، وأنشئوا بعض المصانع، وأنشئوا مكتبة عامة ومسرحًا، وكان معهم مطبعة -كما قلت- وطبعوا في هذه المطبعة منشورات باللغة العربية يحاولون من خلالها أن يستميلوا المصريين، لكنَّ المصريين رفضوا أن يرحبوا بالفرنسيين، ورفضوا أن يمهلوهم بعض الوقت في أرضهم.

لماذا كان المصريون راضين بالحكم العثماني على الرغم من مساوئه، ورفضوا الحكم الفرنسي؟

المصريون رفضوا الفرنسيين؛ لأنهم يعلمون أنهم يختلفون عنهم في العقيدة، أما الأتراك فكانوا مثلهم مسلمين.

إذن، قاوم المصريون الغزو الفرنسي بكل ما أوتوا من قوة، وتصدى المصريون للفرنسيين باعتبارهم أعداءً لهم في الدين والعقيدة، ورفضوا وجودَهم على أرضهم، وقاد علماء الأزهر قتال الشعب المصري ومقاومته ضد الفرنسيين.

وكانت مصر -في ذلك الوقت- ولايةً عثمانيةً، وكان في مصر حامية؛ أي: فرقة من الجيش التابع للدولة العثمانية، لكن هذه الفرقة لم تستطع وحدها أن تقاوم الفرنسيين بسبب الفَرْق بين الفرنسيين وبينهم في العدة والعتاد وأنواع الأسلحة، وغير ذلك.

ولم يستطع الجنود التابعون للجيش العثماني مقاومة الفرنسيين، وإنما الفضل أكبره يرجع إلى المقاومة الشعبية التي قادها علماء الأزهر في وجه الفرنسيين.

لقد تقاربت صفوف الشعب والتحمت فئاته، وبدت قيمة الوطن غالية عزيزة، وتفجرت روح الوطنية في المصريين ثائرةً لا تهدأ، قويةً لا تضعف، تقاوم المدافع والقنابل بسلاح هو أقوى منها لم يصنع في مصنع، ولم يستورد من دولة، بل صنعته العقيدة الإسلامية التي فرضت الجهادَ، ورغبت في الاستشهاد، كان ذلك السلاح هو الإيمان وإرادة النصر.

ولم تكن هذه هي الحرب الأولى بين الدولة العثمانية وفرنسا، أو الدولة العثمانية والدول الأوروبية، بل كانت هناك حروب كثيرة على مر تاريخ الدولة العثمانية خاضتها ضد الدول الأوروبية: بريطانيا، وفرنسا، وروسيا، والنمسا،… وغيرها؛ لأن هذه الدولة الأوروبية كانت تنظر إلى الدولة العثمانية على أنها دولة عدو بسبب أنها تدين بالإسلام.

على أي حال، رَحَلَ الفرنسيون عن مصر سنة ألف وثمانمائة وواحد، لم يستطيعوا الصمودَ في وجه المقاومة أكثر من ثلاث سنوات، واكتسب زعماء المقاومة الوطنية من علماء الأزهر مكانةً مرموقةً في نفوس المصريين، ومكانةً مرموقةً كذلك في نفوس ضباط الجيش العثماني الذين كانوا موجودين في مصر.

error: النص محمي !!