Top
Image Alt

التعريفات بالأعلام وتوثيق النصوص

  /  التعريفات بالأعلام وتوثيق النصوص

التعريفات بالأعلام وتوثيق النصوص

إذا جاء “علَم” اسم شخص، أو اسم قبيلة، أو اسم فرقة من الفِرق، أو اسم بلد من البلاد يحتاج الأمر إلى أن أعرف؛ ربما كانت هذه البلدة معروفة في عصر المؤلّف، ربما كان هذا العلَم معروفًا في عصر المؤلف، ولكنه ليس معروفًا لنا الآن، فإذًا على المحقِّق أن يكتب لي هامشًا يذكر فيه ما يتعلّق بهذا العلَم.

وهناك عدد من الوسائل في التّعرّف على الأعلام أيضًا، نذكرها على سبيل التعريف بها والتذكير بها:

بعض كتب التاريخ بدأت بالترتيب المعجمي، فإذا كنت أعرف الاسم الأول أبحث في هذه الكتب عن الاسم الأوّل في ترتيبه المعجمي. إذا كان اسم: “أحمد”، أبحث في الأسماء التي سُمّيت باسم “أحمد”. إذا كان اسم “عبد الله”، أبحث عنه في حرف “العين”، وهكذا، فيمكن الوصول إلى العلَم عن طريق الاسم الأول.

ومن الكتب التي بُنيت على هذه الطريقة:

– (تاريخ بغداد) للخطيب البغدادي.

– (وَفَيَات الأعيان) لابن خَلِّكان.

– (ميزان الاعتدال) للذهبي.

– (تهذيب التهذيب) وهكذا. وكثير من الكتب التي بُنيت على هذه الطريقة، ونجد مثل هذه الطريقة لبعض اللّغويِّين وبعض الشعراء إلخ. فهذه طريقة.

لا أعرف الاسم الأول، ولكن أعرف اللقب الأخير أو لقب العائلة، فعندنا كتب من كتب التاريخ تبع لهذا الأساس، على سبيل المثال:

– كتاب: (الأنساب) للسمعاني.

– كتاب: (اللباب) لابن الأثير.

أبحث فيه عن اللقب.

إذا كنت أتحدث عن الشافعي: أبحث في حرف الشين. الأصبهاني: أبحث في حرف الهمزة، وهكذا.

فهاتان طريقتان.

إذا لم يكن تحت يدي هذان النوعان من الكتب مثل (تاريخ بغداد)، و(ميزان الاعتدال) فماذا أفعل؟ أبحث في كتب التاريخ العامّ، فإذا كنت أعرف تاريخ الوفاة؛ لأن الكتب الحولية كانت تترجم للعلَم في السنة التي توفّي فيها، فمثلًا: الإمام أحمد بن حنبل، توفي (241هـ)، فعندها أبحث في وفيات سنة (241)، الإمام الشافعي في وفيات سنة (204هـ)، الإمام مالك في وفيات سنة (179هـ)، الإمام أبو حنيفة في وفيات (150)، وهكذا وهكذا.

ومن الكتب التي بُنيت على هذه الطريقة:

(تاريخ الطبري) و(تاريخ ابن الأثير) و(تاريخ ابن كثير) و(شذرات الذهب) هذه من الكتب الكبرى التي جاءت على طريقة الحوليّات أو السنوات، وكانت تهتم بتاريخ الوفاة باعتبارها قمّة ما وصل إليه هذا الإنسان سواء أكان من علماء الفقه أو النحو أو التصوف أو السياسة أو الجيش … إلخ. فيذكر ذلك في تاريخ الوفاة.

فهذه ثلاث طُرق.

ربما لا يكون تحت يدي الكتب السابقة، ولكن تحت يدي كتاب متخصّص في الترجمة لطريقة معيّنة؛ فإذا كان تحت يدي مثلًا: أبحث عن فقيه أبحث في (طبقات الفقهاء) أو أصولي أبحث في (طبقات الأصوليِّين) أو محدِّث أبحث في (طبقات المحدِّثين)، أو مفسِّر أبحث في (طبقات المفسّرين) أو حافظ من الحفّاظ أبحث في (طبقات الحفاظ) وهكذا. إذا كنت أعرف التخصص أبحث في كتب هذا التخصص على وجه الخصوص. فهذه مجموعة من الطُّرق التي تمكّنني من الوصول.

وأيضًا في العصر الحديث، كتب عنيت بالترجمة للعلماء القدامى بحسب حرف المعجم أيضًا. فهذه مداخل، أعتبرها كشّافات، مثل: (معجم المؤلّفين) لعمر رضا كحالة، و(الأعلام) للزركلي، فهذان الكتابان، وهما من الكتب الكبيرة جدًّا يمكن الإفادة منهما في الترجمة للعلَم، ولكن بشرط عدم الاكتفاء بهذه الترجمة؛ لأن كلّ واحد من هذه الكتب يكتب في أسفل الترجمة المصادر التاريخية المتخصّصة التي رجع إليها، فأتّخذ ذلك طريقًا وبابًا ووسيلة للرجوع إلى هذه الكتب، وخصوصًا الكتب المحقّقة، مثلًا: كتاب: (وفيات الأعيان) الذي حققه الأستاذ إحسان عباس، فيه أول الترجمة للعلَم، يقول: ارجع إلى ترجمته في المكان الفلاني، كتاب كذا، الطبري جزء كذا صفحة كذا، ابن كثير جزء كذا صفحة كذا. فيكون ذلك طريقًا لي لأصل أنا بنفسي إلى هذه الموضوعات في تلك الكتب التي ذكَرها هؤلاء المؤلِّفون المحدَثون.

و”دوائر المعارف” الكبرى، أيضًا عُنيت بالبحث عن هذه الشخصيات، سواء كانت شخصيات لأفراد أو كانت شخصيات لفِرق، أو مذاهب، أو تخصّصات، … إلخ. فهذه طريقة سادسة: طريقة الموسوعات.

الطريقة السابعة والأخيرة: الاستعانة بالمصادر الموجودة على الأقراص المدمجة، وقد وجد من هذا كثير أيضًا.

يُسأل هنا سؤال، كم نكتب في الترجمة للعلَم؟

أولًا: لا يترجم للأعلام المشهورة جدًّا، مثل: أعلام كبار الصحابة، الصديقرضي الله  عنه ماذا أكتب عنه؟ عمر بن الخطاب رضي الله  عنه ماذا أكتب عنه؟ وكم يحتاج مني إلى كتابة حتى أوفيه حقّه؟ فأمثال هؤلاء الأعلام المشهورين لا يُترجم لهم.

الأعلام غير المشهورين وغير المعروفين؛ بحيث يشتبه أمرهم على الناس، ويحتاج الناس إلى تعريف بهم، يمكن أن ألجأ إلى تلك الكتب.

وإذا كان الكلام عن الصحابة وحدهم رضي الله  عنهم فقد خُصّصت لهم كتب، مثل: (أسد الغابة) و(الاستيعاب) و(طبقات ابن سعد). هذه كتب خُصّصت لهؤلاء الأعلام الكبار من الصحابة رضي اله عنهم.

فإذا وجد أحد من الصحابة ليس مشهورًا جدًّا، ليس كابن مسعود، ولا ابن عمر، ولا أبي هريرة، ولا غيره، لكن من الناس العاديِّين من الصحابة، يحتاج إلى الترجمة. فهذا معيار يجب أن ألاحظه وأن آخذ به. فكم أكتب؟ هنا يختلف المحقِّقون:

بعض الناس يقول: يكتب عن كل علَم عدد من الأسطر ما بين ثلاثة أسطر إلى سبعة أسطر لا يزيد. ويكتب في هذه الأسطر المختارة ما يتعلّق باسمه، ولقبه، وعلومه التي برع فيها، ومؤلّفاته إن كان له مؤلّفات، وذكر مصادر للاستزادة والتوسع في مثل هذا الموضوع.

ولكن لا تُثار قضايا ولا تذكر موضوعات، إلَّا إذا كانت ذات دلالة بالغة على هذه الشخصية. وبعض الناس قد لا يلتزم بذلك، من المحقّقين في الحقيقة ربما يكتب صفحتيْن كاملتيْن في الهامش. فوظيفة الهامش الإضاءة والتنوير فقط، وليس تقديم بحث علمي، وكلما زادت الهوامش انصرف القارئ عن النص الأصلي؛ ونحن إنّما قدّمنا الكتاب كلّه من أجل النص الأصلي، فلا ينبغي التزيّد في مثل هذا الأمر.

إذا كان الإنسان يريد أن يكتب تراجم مفصّلة فيمكن أن يقوم بعمل ملحق في نهاية بحثه وفي نهاية التحقيق، يُترجم فيه كما يشاء، ولكن يكتفي بأقلّ القليل في أسفل النص، ويدع التحقيق في الكتاب الذي يبحث عنه.

من الموضوعات التي تدخل في نطاق التعليقات العلْمية: التعريف بالمصطلحات الغامضة التي تأتي في النص، لا بد من ذكْر هذا الأمر ومن التوضيح، بالرجوع إلى الكتب الأصلية المعتمَدة في التخصصات؛ فإذا جاء نص فيه مصطلح أصولي في علْم أصول الفقه، أو في علم أصول الدين، فعندما يأتي مثلًا: “المنزلة بين المنزلتيْن” في علْم الكلام، أو عندما يأتي مصطلح “السّبر والتقسيم” في علْم أصول الفقه، أو عندما يأتي مصطلح كمصطلح “الحال” في علْم التصوف، فلا بد من الرجوع إلى الكتب المتخصِّصة. وقد يكون اللفظ الواحد له أكثر من معنىً في أكثر من مجال من مجالات الثقافة الإسلامية.

وعندئذٍ يرجع إلى كتب المعاجم التي خُصِّصت في ثقافتنا العربية لشرح المصطلحات، فمثلًا: كتاب: (التعريفات) للجرجاني، كتاب: (كشّاف اصطلاحات الفنون) للتهانوي، مصطلح كمصطلح “الحال” هذا له معنى في علْم النحو، وله معنى في علْم التصوف، وله معنى في علْم الكلام، وله معنى عند الأطباء، وقد يكون له معان أخرى في علوم أخرى.

فإذا اكتفيت بالمعاجم المتخصّصة في كلّ علْم من هذه العلوم؛ فقد لا أعرف المعاني الأخرى، ولكن لو رجعت إلى المعاجم العامة والجامعة فسأصل إلى تحديد دقيق لكلّ ما يتضمّنه هذا المصطلح من معانٍ، وهكذا. فعلينا أن نقدّم معلومات وافية تكشف الغموض للمصطلح وليس كلّ القراء من المتخصِّصين، فإذًا، لا بد أن نقدِّم لهم بعض المعلومات العلْمية، لكن عليّ في هذا الحال أن ألاحظ أمريْن:

الأمر الأول: عدم التوسع الزائد والشديد، وخير الأمور الوسط، أي: لا أكتب كلمة في نصف سطر، ولا أكتب أيضًا عددًا من الأسطر، عشرة أسطر في تعريف المصطلح.

الأمر الثاني: لا أكتب تعريفًا إلا للمصطلح الغامض فعلًا، ومن الممكن أن أعرض المصطلح على نفسي أو على أحد آخر، فإذا كان غامضًا عنده فسيكون غامضًا على كثير من الناس. أي: يتكوّن عندي حسّ وذوق في فرز ما يحتاج إلى تعليق عمّا لا يحتاج إلى تعليق. فلا أكتب كلّ مصطلح يقابلني، وإنما أتخيّر من المصطلحات ما تحتاج الحاجة إلى إبرازه وإلى بيانه وإلى إيضاحه.

من التعليقات العلْمية ما يُسمّى بتوثيق النصوص، أو تخريج النصوص.

ما معنى هذا؟

فمثلًا: إذا كان الكتاب الذي أحقّقه يقول صاحبه: “قال الغزالي”، فأبحث عن قول الغزالي في كتاب من كتب الغزالي؛ فقد يكون قد أخطأ، وربما ذكره الغزالي نقلًا لرأي أحد من الناس وليس رأيه الخاص؛ فأنا أقول في التعليق: “ليس من قول الغزالي، ولكنه كان يحكي به قولًا هو الذي أورده وليس قوله الخاص”. فهذا يكون استدراكًا على المؤلّف الأصلي. لا أستطيع أن أعرفه إلَّا بالرجوع إلى الكتاب الأصلي، فأبحث عن هذه النصوص في المراجع المتعلّقة بكل فن.

فإذا كان الكتاب في الحديث، أرجع إلى كتب الأحاديث، يقول مثلًا: قال ابن الصلاح في (المقدّمة)، أرجع إلى كتاب (المقدمة) لابن الصلاح، أو قال: ابن كثير في (الباعث الحثيث)، أرجع إلى كتاب ابن كثير (الباعث الحثيث) أو قال الذهبي في (العلو)، أرجع إلى كتاب الذهبي (العلو)، أو قال: البخاري في كذا، أرجع إلى البخاري؛ لأنه يخرج الأحاديث، وقد يكون ليس حديثًا ولكنه تفسير لأحد الصحابة أو لأحد التابعين، أو لأحد العلماء الذين نقل عنهم البخاري – رحمه الله- وهكذا.

عندئذ أقوم بتوثيق النصوص لكي أبيّن مدى دقّة المؤلّف الذي أحقّق كتابه في النقل عن الآخرين، وهل نقل بالنص أو نقل بالمعنى؟ وهل تصرّف في النص أو نقله تامًا كاملًا؟ وهل نقله معبّرًا به عن رأي صاحبه بالفعل أو أنه كان نقلًا عند المؤلف الأصلي عن آخرين؟ على هذا النحو الذي أشرت إليه.

فمثلًا: بعض الناس يرجع إلى كتاب (الفتاوى) لابن تيمية، يقول: “قال ابن تيمية”، ويأتي بالرأي. فيرجع الإنسان إلى كتاب ابن تيمية فيجد أنه يقول هذا الرأي حكاية عن الإمام أحمد، فيكون الرأي للإمام أحمد، وأقول: “هو رأي الإمام أحمد فيما يحكيه ابن تيمية، أو رأي الشافعي فيما يرويه ابن تيمية، أو رأي أيّ أحد من الذين ذكَرهم ابن تيمية؛ فعندئذ هذه مسألة مهمّة جدًّا فيما يتعلّق بتوثيق النصوص.

من الأعمال العلْمية التي ينبغي العناية بها: تخريج أبيات الشعر: إذا كان النص كَتَب أن هذا البيت للمتنبي، فسيرجع إلى ديوان المتنبي، أو كتَب إنه لامرئ القيس، أو كتب إنه لحسّان بن ثابت رضي الله  عنه أو لكعب بن زهير، أو لأمثال هؤلاء من الصحابة، رضي الله  عنهم أو من غير الصحابة، أو من الأمويّين، أو من العباسيّين الذين كانوا يعيشون في فترات هذه الدول، أو من الجاهليّين. لو كتب اسم الشاعر يكون الأمر سهلًا بأن أرجع إلى الديوان وأبحث عنده.

ولكن إذا أتى به مجهّلا غير معروف، عندئذ ستكون المسألة شاقّة وعسيرة، وعليّ إذا استطعت أن أرجع إلى المجموعات الشعرية، والكتب التي عُنيت بذكر الشعر وتراجمه، كتب كثيرة: كـ(العقد الفريد) لابن عبد ربه، أو (عيون الأخبار) لابن قتيبة، أو نحو ذلك من الكتب التي ذكرت فيها كتب كثيرة. أي: لن يكون الأمر سهلًا فيما يتعلّق بالشعر، بل يجب بذل جهد كبير في هذا المقام.

وفي الفترة الأخيرة ظهرت أقراص أيضًا لتجميع الشعر، ووجدت أقراص عليها مليون بيت من الشِّعر أو اثنين مليون من الشِّعر، ولكن للأسف الشديد هذه الأقراص لا يذكر فيها إلَّا الأشعار التي عُرف أصحابها، لكن الأشعار الكثيرة التي تأتي هكذا بغير ذكر اسم صاحبها فإننا لا تستطيع أن نعثر عليها ضمن هذه الملايين التي وُضعت على تلك الأقراص المدمجة.

ويحتاج الأمر إلى بذل مزيد من الجهد حتى نتمكّن من حصر جميع الأبيات الشعرية التي لا يُعرف قائلها، سواء أكانت في كتب الأدب، أم في كتب الشعر، أم في كتب النحو، أم في كتب الوعظ والرقائق … إلخ. حتى يتمكّن الناس من نسبة هذه الأبيات إلى أصحابها.

وإذا بحث الإنسان عن شِعر كثيرًا فلم يجدْه، فلا حرج عليه أن يكتب: بحثت طويلًا عن هذا الشِّعر فلم أجده. ولكن عليه أن لا يكتب هذه الكلمة إلَّا بعد التدقيق الشديد في هذا الموضوع حتى لا ينال منه المحقِّقون الكبار الذين قد يتيسّر لهم الوصول إلى هذه الأبيات بأقلّ جهد.

أيضًا نضيف إلى هذه التعليقات العلْمية: شرح الأفكار الغامضة:

فأحيانًا تكون بعض الأفكار صعبة جدًّا على القرّاء، خصوصًا غير المتخصِّصين، فيمكن للمحقِّق -دون إسهاب ولا استزادة ولا توسّع في الأمر- أن يشرح القول بكلمات موضحة تجعل القارئ قادرًا على متابعة النص من غير إثقال ولا توسّع؛ لأن على المحقِّق أن يعلم أنّ هناك فرقًا بين التحقيق وبين الشروح. فهذا الأمر يلجأ إليه عند الضرورة، وكما يقول لنا علماء القواعد الفقهية: إن الضرورة تقدَّر بقدْرها ولا يُتوسّع فيها. فيكون التعامل مع النصوص الغامضة على هذا النحو.

وبهذا، نكون قد أشرنا إلى أهمّ التعليقات العلْمية التي يلتزم بها المحقِّق ليضيف جهدًا جديدًا إلى النص الأصلي الذي كتبه الكاتب الأصلي؛ فلا يصحّ في حقيقة الأمر أن يكون النص خلوًّا من التعليقات، نصّ مجرّد مُصمت هكذا، وإن أضاف لنا نصًّا جديدًا قد يكون مهمًّا إلى أنّ التعليقات العلمية تزيده وضوحًا وتزيد الانتفاع به، وتقدِّمه للناس تقديمًا حسَنًا، فيمكن الاستفادة العلمية بطريقة أجود من مجرّد الاكتفاء بالنص، كما كان يلجأ إلى ذلك كثير من المستشرقين.

error: النص محمي !!