Top
Image Alt

التعريف بابن أطفيش، وبيان منهجه في التفسير

  /  التعريف بابن أطفيش، وبيان منهجه في التفسير

التعريف بابن أطفيش، وبيان منهجه في التفسير

الحديث عن ترجمة مؤلف (هميان الزاد إلى دار المعاد):

مؤلف هذا التفسير هو محمد بن يوسف بن عيسى بن صالح إطفيش الوهبي الإباضي، وهو من وادي ميزاب بصحراء الجزائر من بلاد المغرب، نشأ بين قومه، وعُرف عندهم بالزهد والورع، واشتغل بالتدريس والتأليف وهو شاب، لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره.

وانكب على القراءة والتأليف وهو شاب لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، حتى قيل: إنه لم ينم في ليلة أكثر من أربع ساعات لانكبابه على القراءة والتأليف.

وله من المؤلفات في شتى العلوم ثروة عظيمة تربو على الثلاثمائة مؤلف، فمن ذلك (نظم المغني) لابن هشام في خمسة آلاف بيت، وكان ذلك في شبابه، وشرح كتاب التوحيد للشيخ عيسى بن تبغورين، وهو من أهم مؤلفاته في علم الكلام، وشرح كتاب (العدل والإنصاف) في أصول الفقه لأبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الورجلاني، وله في الحديث (وفاء الضمانة بأداء الأمانة) وهو مطبوع في ثلاث مجلدات، و(جامع الشمل في حديث خاتم الرسل) وهو مطبوع في مجلد واحد.

وله في الفقه (شرح كتاب النيل) وهو مطبوع في عشر مجلدات، وله مؤلفات أخرى في النحو والصرف والبلاغة والفلك والعروض والوضع والفرائض وغيرها.

وأما التفسير، فله فيه (داعي العمل ليوم الأمل)، لم يتم و(هميان الزاد إلى دار المعاد) هو ما نحن بصدده، و(تيسير التفسير) وهو مختصر من السابق.

هذا، وقد توفي المؤلف سنة 1332 هجرية، وله من العمر ست وتسعون سنة.

هذه هي نبذة مختصرة عن محمد بن يوسف إطفيش الإباضي، نلاحظ أنه قد نشأ بصحراء الجزائر، كما نعلم من بلاد المغرب، وكان مهتمًّا بالقراءة والتأليف، وألف كتبًا كثيرة، هذه الكتب تنمّ عن مقدرة فائقة في مهارة هذا الرجل في القراءة والتأليف، وأنه كان يستوعب كل ما يقرؤه فشرح كتاب التوحيد، وشرح كتاب العدل والإنصاف، وأيضًا له باع في الحديث، وله باع في الفقه أيضًا، وله باع في مؤلفات كثيرة مثل النحو والصرف والعروض والبلاغة.

والخلاصة: أن هذا الرجل كان عالمًا، وكان صاحب إبداع في تأليفه للعلوم التي اهتم بها.

منهج صاحب كتاب (هميان الزاد إلى دار المعاد) في التفسير:

يعتبر هذا التفسير هو المرجع المهم للتفسير عند الإباضية من الخوارج، غير أنه لا يصوّر لنا حالة التفسير عندهم في عصورهم الأولى؛ وذلك لقرب عهد مؤلفه وتأخره عن زمن كثيرٍ من علماء التفسير الذين وافقوه على مذهبه والذين خالفوه فيه.

لقد جرت سنة الله بين المؤلفين أن يأخذ اللاحق من السابق، وأن يستفيد المتأخر من المتقدِّم، وصاحبنا في تفسيره هذا استمدَّ من كتب من سبقه من المفسرين على اختلاف نحلهم ومشاربهم، وإن كان يدَّعي في مقدمته أنه لا يقلّد فيه أحدًا إلّا إذا حكى قولًا أو قراءة أو حديثًا أو قصة، أو أثرًا بسند، وأمَّا نفس تفاسير الآي والرد على بعض المفسرين والجواب؛ فمن عنده إلَّا ما نسبه لقائله؛ كما يدَّعي أنه كان ينظر بفكره في الآية أولًا، ثم تارة يوافق نظر جار الله الزمخشري والقاضي البيضاوي -وهو الغالب-، وتارة يخالفهما ويوافق وجهًا أحسن مما أثبتاه أو مثله.

ومهما يكن من شيء، فلا يسعنا إلَّا أن نقول: إن الرجل -وقد قرأ الكثير من كتب التفسير- تأثر بما جاء فيها، واستفاد الكثير من معانيها، مما يدعونا إلى القول: بأنَّ تفسيره يمثل التفسير المذهبي للخوارج الإباضية في أواخر عصورهم فقط، وبعد أن خرجوا من عزلتهم التي مكثوا فيها مدة طويلة من الزمن.

يستطرد الدكتور حسين الذهبي في كتابه (التفسير والمفسرون جـ2، صـ320) يقول: نقرأ في هذا التفسير فنجد أن صاحبه يذكر في أول كل سورة عدد آياتها، والمكي منها والمدني، ثم يذكر فضائل السورة، مستشهدًا لذلك -في الغالب- بالأحاديث الموضوعة في فضائل السور، ثم يذكر فوائد السورة بما يشبه كلام المشعوذين الدجَّالين، ثم بعد ذلك كله يشرح الآيات شرحًا وافيًا، فيسهب في المسائل النحوية واللغوية والبلاغية، ويفيض في مسائل الفقه والخلاف بين الفقهاء، كما يتعرَّض لمسائل علم الكلام ويفيض فيها، مع تأثر كبير بمذهب المعتزلة، كما لا يفوته أن يعرض للأبحاث الأصولية والقراءات، وهو مكثر إلى حدٍّ كبير من ذكر الإسرائيليات التي لا يؤيدها الشرع ولا يصدقها العقل، كما يطيل في ذكر تفاصيل الغزوات التي كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم هو -بعد ذلك- لا يكاد يمر بآية يمكن أن يجعلها في جانبه إلا مال بها إلى مذهبه، وجعلها دليلًا عليه، ولا بآية تصارحه بالمخالفة إلّا تلمَّس لها كل ما في طاقته من تأويل؛ ليتخلص من معارضتها، وقد يكون تأويلًا متكلَّفًا وفاسدًا لا ينجيه من معارضة الآية له؛ لكنه التعصب الأعمى يدفع الإنسان إلى أن ينسى عقله، ويطرح تفكيره الصائب، ليمشي مع الهوى بعقل فارغ وتفكير خاطئ.

يقول الذهبي بعد ذلك: إليك بعض ما جاء في هذا التفسير لتقف على مسلك صاحبه في فهمه لآيات القرآن الكريم: حقيقة الإيمان: فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى: {هُدًى لِّلْمُتَّقِين * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون} [البقرة: 2- 3] تراه يقرر أنَّ الإيمان يطلق على مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل، ثم يقول: فمن أخلَّ بالاعتقاد وحده أو به وبالعمل؛ فهو مشرك من حيث الإنكار، منافق أيضًا من حيث إنه أظهر ما ليس في قلبه، ومن أخلَّ بالإقرار وحده أو بالإقرار والعمل فهو مشرك عند جمهورنا وجمهور قومنا، وقال القليل: إنه إذا أخل بالإقرار وحده مسلم عند الله من أهل الجنة، وإن أخلَّ به وبالعمل ففاسق كافر كفر نعمة، وإن أخلَّ بالعمل فقط فمنافق عندنا فاسق ضال، كافر كفرًا دون شرك، غير مؤمن الإيمان التام.

ثم قال: واختلفت الخوارج وهم الذين خرجوا عن ضلالة عليّ، فقالت الإباضية الوهبية وسائر الإباضية فيمن أخلَّ بواحد من الثلاثة ما تقدم من إشراكه بترك الاعتقاد، أو بترك الإقرار، وينافق بترك العمل، ويثبتون الصغيرة، وقال الباقون كذلك وإنه لا صغيرة، ومذهب المحدِّثين: أن انضمام العمل والإقرار إلى الاعتقاد على التكميل لا على أنه ركن، ونحن نقول: انضمامهما إليه ركن وهما جزء ماهيته.

ومثلًا عند تفسيره لقوله تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} [البقرة: 25] الآية، نراه يحاول محاولة جدية في تحقيق أنَّ العمل جزء من الإيمان، ولا يتحقق الإيمان بدونه، فيقول: ترى الإنسان يقيّد كلامه مرة واحدة بقيد،فيُحْمَل سائر كلامه المطلق على هذا التقييد؛ فكيف يسوغ لقومنا أن يُلغوا تقييد الله عز وجل الإيمان بالعمل الصالح، مع أنه لا يكاد يذكر الفعل من الإيمان إلّا مقرونًا بالعمل الصالح، بل الإيمان نفسه مفروض لعبادة من يجب الإيمان به وهو الله تعالى؛ إذ لا يخدم الإنسان -مثلًا- سلطانًا لا يعتقد بوجوده وثبوت سلطته؛ فالعمل الصالح كالبناء النافع المظلل المانع للحرِّ والبرد، وغير ذلك.

والإيمان أسٌّ ولا ينفع الأسّ بلا بناء عليه، ولو بنى الإنسان ألوفًا من الأسس ولم يبنِ عليها لهلك باللصوص والحر والبرد وغير ذلك، فإذا ذكر الإيمان مفردًا قُيّد بالعمل الصالح، وإذا ذكر العمل الصالح فما هو إلّا فرع الإيمان؛ إذ لا تعمل لمن لا تقرّ بوجوده، وفي عطف الأعمال الصالحات على الإيمان دليل على أن كلًّا منهما غير الآخر: أن الأصل في العطف المغايرة بين المتعاطفين؛ ففي عطف الأعمال الصالحات على الإيمان إيذانٌ بأنَّ البشارة بالجنات إنما يستحقها من جمع بين الأعمال الصالحات والإيمان.

error: النص محمي !!