Top
Image Alt

التعريف بابن عدي، ومنهجه في (الكامل في الضعفاء) ومآخذ العلماء عليه

  /  التعريف بابن عدي، ومنهجه في (الكامل في الضعفاء) ومآخذ العلماء عليه

التعريف بابن عدي، ومنهجه في (الكامل في الضعفاء) ومآخذ العلماء عليه

 (الكامل) لابن عدي -رحمه الله- من أهم الكتب في ضعفاء الرجال.

وابن عدي: هو عبد الله بن عدي بن عبد الله بن محمد بن مبارك الجُرجاني، وكنيته: أبو أحمد، ونسبته إلى جُرجان.

ولد ابن عدي -رحمه الله- بجرجان يوم السبت غرة ذي القعدة سنة سبع وسبعين ومائتين من الهجرة في نفس السنة التي توفي فيها أبو حاتم الرازي والد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي صاحب كتاب (الجرح والتعديل).

نشأ ابن عدي في جرجان، وطوَّف بكثير من البلاد الإسلامية، وتلقى عن مشايخها.

ومن شيوخه: النسائي وابن خزيمة وأبو يعلى وزكريا الساجي وابن أبي شيبة وغيرهم.

ومن تلاميذه: إبراهيم بن محمد بن إبراهيم أبو القاسم، وأحمد بن جعفر الجرجاني وأبو حامد الإسفراييني وأبو سعد الماليني، وغيرهم.

وعُمِّر بفضل الله تعالى حتى بلغ ثماني وثمانين سنة، وتوفي سنة 365 هجرية، رحمه الله، وجعل ما قدم في موازين حسناته.

 و(الكامل في ضعفاء الرجال) يترجم فيه ابن عدي لضعفاء المحدثين ومجاهيلهم والمتكلم فيهم، مع بيان الوجه الذي استحقوا به الجرح.

وتراجمه كثيرة تبلغ تقريبًا 2209.

وقد قدم ابن عدي لكتابه بمقدمة نفيسة جدًّا، كما فعل ابن حبان -رحمه الله- في كتابه المجروحين.

فبيّن في مقدمته سوء الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإثم فاعله وعقوبته، وانتقل إلى تحري الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان في رواية الحديث وتحمله وأدائه وخوفهم الشديد من الخطأ في نقل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر فريقًا من العلماء اختار قلة الرواية فلم يكثر من رواية الحديث مخافةَ الخطأ.

وتكلم أيضًا عمن كان لا يرى الكتاب، ومن كان يكتب وجعل ذلك في فصل خاص، وذكر جهابذة الحديث والنقاد الذي ينقل عنهم علم الجرح والتعديل، حتى يطمئن قارئ كتاب (الكامل) إلى أنه ينقل أحكام هؤلاء المعتمدين مثل: ابن معين والبخاري وعلي بن المديني وغيرهم.

وأيضًا عقد فصلًا لصفة من تقبل روايته وحديثه، ومن ترد روايته ولا يقبل حديثه. هذا من حيث المقدمة والموضوعات التي تكلم فيها.

وقد رتب ابن عدي -رحمه الله- أسماء الضعفاء والمجاهيل والمتكلَّم فيهم على حروف المعجم من أول حرف الألف ثم الباء إلى آخره، وقدم الواو على الهاء واللام ألف بعد الهاء… إلى آخره، فلم يراعِ الترتيب الألفبائي على حروف الهجاء العربية إلا في الحرف الأول من أسماء الرواة، ثم لم يراعِ ذلك في بقية الاسم أو بعد ذلك، فمثلًا يقدم من اسمه زهير على من اسمه زبير، مع أن الترتيب الأبجدي في الحرف الثاني يقتضي أن يقدم الزبير؛ لأن الباء قبل الهاء، لكنه راعى الترتيب في الحرف الأول فقط؛ ورتب كتابه على هذا الاعتبار.

أيضًا يقدم الاسم الذي يتكرر كثيرًا على الاسم الذي لا يتكرر كثيرًا، فقدم مثلًا مَن اسمه حفص على من اسمه حرب؛ لأن الرواة الذين سُمّوا بحفص أكثر.

ويبدأ الحرف بقوله: من ابتداء أساميهم شين مثلًا، وكأنه باب يضعه عنوانًا لمن سيتكلم عنهم بعد ذلك، ثم يترجم الرواة المشتركين في هذا الاسم، يقول مثلًا بعد أن يذكر الشين من اسمه شعيب فيترجم للرواة الضعفاء الذين سُموا بهذا الاسم، ثم يقول: من اسمه شريك، ثم من اسمه شعبة، وهكذا… كما ذكرنا بدون أن يراعي الحرف الثاني في الاسم.

ولا يطيل ابن عدي -رحمه الله- كثيرًا في الأنساب، فهو يقتصر في طريقة سياقته للترجمة على ذكر أسماء الشيوخ وأسماء آبائهم ونسبتهم إلى البلد أو القبيلة، وكما يفعل كثير من كتّاب التراجم يذكر بعض الشيوخ وبعض التلاميذ بدون استقصاء، ويذكر أيضًا بعض النماذج من رواياته الضعيفة التي بسببها حكم عليه بالضعف في الغالب؛ وقد تكون حديثًا أو حديثين، وربما يقول مثلًا: لم أجد ما يُعتب عليه أو ما يُنكَر عليه إلا حديثين، أو ما شاكل ذلك، وهو يذكر أسماء الشيوخ أو أسماء التلاميذ، يترجم للراوي بأسمائه واسم أبيه ونسبته وما إلى ذلك- ينقل أقوال أئمة الجرح والتعديل في صاحب الترجمة بالأسانيد، ولا يُخِل بذكر الأسانيد، فدائمًا يعتمد على الأسانيد للروايات، وينقل كما قلنا أقوال الأئمة، ولا يذكر سنوات الوفيات في الأعم الأغلب، وعِيبَ عليه إيراده لبعض الثقات.

يقول الذهبي: أحد الثقات أورده ابن عدي في (الكامل) فأساء. وقال السخاوي في (فتح المغيث) وهو يتكلم عن كتب الضعفاء: ولأحمد بن عدي في كامله، وهو أكمل الكتب المصنفة فيه وأجلها، ولكنه توسع لذكره كل من تكلم فيه وهو ثقة.

هذه نماذج لبعض مآخذ العلماء على كتاب ابن عدي، وهو عيب ليس خطيرًا؛ لأنه قد تعهد لذكر من تكلم فيه حتى وإن كان ثقة، فالمعيار عنده أنه قد تُكلم فيه وهو يرد عنهم ويحكم عليهم بأنه مستقيم الحديث مثلًا، أو لا أجد من أحاديثه ما يُنكَر عليه… إلى آخره، فنجده يدافع عنهم، فهذا هو العذر في إيراده لمثل هؤلاء الثقات الذين أوردهم.

أيضًا عابوا عليه أحيانًا بأنه سكت عن الحكم على بعض الرجال جرحًا أو تعديلًا.

أيضًا عابوا عليه تكراره لبعض التراجم.

أيضًا عابوا عليه تجهيله لرواة معروفين تكلم فيهم كثير من النقاد.

أحيانًا يصرح بأنه لم يجد للعلماء حكمًا فيهم، ومع ذلك نجد أحكامًا للعلماء فيهم، كعبد الله بن أبي واقد أبي رجاء الخراساني، فقد عدله أحمد وابن معين وأبو زرعة وأبو داود والنسائي، وهو يتصور أنه لم يسبق في الحكم عليه.

أيضًا عابوا عليه إدخاله بعض الصحابة في كتابه الذي خصصه لضعفاء الرواة وهو لا يقصد تضعيفهم، إنما يبين أن الطرق إليهم أحيانًا قد تكون ضعيفة، لكن بعض من يقرءون في كتابه قد يتوهمون أنه يقصد تضعيف هؤلاء الصحابة الكرام، وكما ذكرنا فإن الصحابة ساحتهم مبرّأة وجَنابهم راقٍ وعالٍ، وأجمعت الأمة على عدالتهم وثقتهم، وهو يقينًا لا يقصد إلا بيان ضعف الطرق الموصلة إليهم.

لكن على كل حال هذا بعض ما أُخِذَ عليهـ رحمه الله تبارك وتعالى.

بعض ملامح منهجه: يذكر الاسم واسم الأب والجد والكنية، والنسب، وأحيانًا المهنة.

وأحيانًا يبين مشتبه النسبة إن احتاج الأمر إلى ذلك، فيقول مثلًا: يزيد بن ربيعة أبو كامل الرحبي الصنعاني صنعاء دمشق، فزاد هنا “صنعاء دمشق” ليميزها عن صنعاء اليمن.

ويذكر اللقب، لكنه لا يكثر منه، يقول مثلًا: محمد بن الحسن بن الزبير الأسدي الكوفي يلقب بالتل.

وأحيانًا يذكر صفة المترجم له الخِلقية مثل: حميد بن علي الأعرج الكوفي، ولعل هذا لقب له.

ويذكر حال المترجم له، يقول مثلًا: عمر بن عبد الله مولى غُفْرة بنت رباح أخت بلال بن رباح مولى أبي بكر، فزاد بعض المعلومات: أنه مولى غفرة وهي أخت بلال، وبلال كان مولى لأبي بكر.

وأيضًا يذكر المصنفات فيقول: أحمد بن محمد بن أيوب صاحب (المغازي).

ويذكر تلاميذ المترجم له وبعض شيوخه، يقول: عبد الله بن عمر يحدث عن الليث بن سعد بمناكير، ويحدث عنه زهير بن عباد.

ولا يكثر من ذكر سنوات الوفيات، لكنه أحيانًا يذكرها، يقول: عبد السلام بن عبد الحميد بن سويد إمام حران مات سنة 244.

ويميز بين الرواة، فيقول مثلًا: بِشر بن آدم البصري، اثنان، هذا أحدهما، يقصد بشر بن آدم، والثاني بشر بن آدم بن بنت أزهر السمان.

وأحيانًا ينقل ابن عدي أقوال العلماء في الحكم على الراوي، وأحيانًا ينفرد بالحكم، يقول مثلًا: بِشر بن عبيد الدارس، هو بيّن الضعف، ولم أجد للمتكلمين فيه كلامًا، كأنه يشير إلى أنه لم يسبق لأحد كلام في هذا الراوي.

أحيانًا يتصور أنه قد انفرد بالحكم، وأنه لم يجد حكمًا للأئمة المتقدمين، لكن نجد للمتكلمين فيه أحكامًا، فمثلًا يقول في ترجمة مُعلّى المجاشعي: “لم أرَ للمتقدمين فيه كلامًا”، مع أنه سبقه في الكلام عليه النسائي وأبو حاتم الرازي، فأبو حاتم قال فيه: ضعيف، وتكلم النسائي عنه بأنه متروك.

أحيانًا ينقل عن العلماء ويوافقهم في الحكم، فيقول مثلًا في ترجمة حبيب بن أبي ثابت: “هو ثقة حجة، كما قال ابن معين”.

وأحيانًا يخالف أحكام الأئمة، فمثلًا في ترجمة أشعث بن عبد الرحمن بن زبيد نقل تضعيف النسائي له ثم نقده وخالفه، حيث قال: وعندي أن النسائي أفرط في أمره حين قال: ليس بثقة، فيقول: فقد سبرت حديثه، فلم أرَ له حديثًا منكرًا.

أحيانًا يسكت عن الحكم. وأحيانًا يذكر حكم الراوي عرضًا.

هذه بعض ملامح أحكامه على الرجال، فهو يعد من كبار أئمة الجرح والتعديل، وهو معدود في المعتمدين الذين نعتمد عليهم في الحكم على أحوال الرواة.

أحيانًا يحكم بنوع من التقييد؛ فيقول: أرجو أنه لا بأسَ به، مثل: يزيد بن ربيعة الدمشقي مثلًا، وأيضًا يحكم حكمًا نسبيًّا.

أيضًا يكرر الحكم على الرواة أحيانًا في مكانين مختلفين في الترجمة الواحدة، أي: قد يحكم في وسط الترجمة، وقد يكرر الحكم في آخرها، وقد يحكم في أول الترجمة ثم يترجم بعد ذلك، ويكرر الحكم مرة أخرى في آخر الترجمة، يقول: عبد الله بن لهيعة -في وسط ترجمته- هو حسن الحديث، يكتب حديثه، وقال في آخر ترجمته: حديثه حسن، وهو ممن يُكتَب حديثه.

فهذه بعض ملامح كتاب ابن عدي رحمه الله تعالى. ويبقى بعد ذلك أن كتابه عمدة في هذا الفن، وأننا نعوّل عليه في الحكم على الرجال، وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

error: النص محمي !!